آخر يهود العراق

آخر يهود العراق

مجموعة من اليهود قرب قبر حزقيال في بلدة الكفل بين بابل وكربلاء (ويكيبيديا)

"يهودي وِقح"، قالتها وهي تصر على أسنانها بعد أن احتككت بها، بسبب التدافع من خلفي في الدور الممتد في مطعم ماكدونالدز. أجبتها بلغةٍ عربيةٍ فصحى ذات لكنة العراقية: "آسف لم أقصد. لكن دفعوني من الخلف". بدا الاستغراب واضحًا جدًا عليها، عندما لم تتوقع أن أتحدث العربية، أنا اليهودي العربي ذو الكيبا على الرأس.

تبدلت ملامح وجهها من الامتعاض إلى الفضول الشديد، وعندما أصريّت على دفع ثمن الوجبة كتعويض، أسقطت كل دروعها من تعابير الوجه، ليصفو ذلك الوجه الأبيض بكل مكوناته، من عينين عسليتين رائقتين، وأنف مستقيم شامخ، وغيرها من عجائب، صفّت كلها لترسم ألقًا كونيًا أشعل كل الحرائق في صدري.

أهرب من كل هذا الاحتقان إلى زاوية التدخين، فأجدها هناك تحتضن سيجارة فارهة الطول والرشاقة مثلها، تنفث دخانًا شممته عطرًا أشعرني بالدوران، أخفيت شهقاتي والتحفت تعابير وجه طبيعي. 

غريب هو أمر البشر، فتاة التقيتها قبل نصف ساعة جعلت جسدي يفرز كل هذه الكمية من الأحماض الأمينية المسببة للسعادة، حتى تتمنى أن يوقف "يهوه" تكتكات القدر في استجلاب المسيح وخلاص شعبي. كل نفس تأخذه تشعر معه بالتوهج من عينيها يتفوق على طرف سيجارتها ويغطيه. هنالك شموخ وعنفوان غريبان تلبسهما ثقة واعتداد لم أعرف من أين تستقيهما. تحدثت معها أسوة بترّهات الإنجليز في الكلام الفارغ عن حالة الطقس، تفرع الحديث عن عيد العرش أو "عيد المظال" الذي ابتدأ قبل يومين.
 
ثلاث مرات في السنة يحضر جميع ذكورك أمام الرب إلهك، في المكان الذي يختاره في عيد الفطير، وعيد الأسابيع و"عيد المظال".

انزلقت في الكلام لأحدثها عن خروج بني إسرائيل من العبودية إلى الحرية في أرضهم، كانت تنصت رغم أن تعابير وجهها لم تكن ساكنة: "إنت مآمن بكل هاي الخرافات؟". قلت: "ماذا؟ أي خرافات؟ كل ذلك مكتوب بالتوراة المقدسة!". 

كيف لها أن تكفر بما آمنت به اليهودية والمسيحية والإسلام معًا: "أنت مسيحية أم مسلمة؟". من الغريب أحيانًا أن تكون وجوه البشر كلوحة إلكترونية مفتوحه تقرأ عنها كل معلومات تريدها، بدا واضحا تقيؤها لهذا السؤال.
- أنا عربية!
- وأنا عربي.
أجتبها أجابة خرجت من عقلي الباطن، لم تفهمني تمامًا.

شرحت لها عن تاريخ والدي العريق في العراق، في بغداد تحديدًا، حيث رفض الهجرة إلى إسرائيل وكان أستاذًا للغة العربية في بغداد. تبددت أحلامه في حرب الخليج الثالثة فحمل حقيبة أبحاثة والعائلة إلى الولايات المتحدة، الدولة التي كانت سببًا في تدمير دولته وحياته ومستقبله، أضحت الدولة الوحيدة التي يستطيع فيها إكمال أبحاثه، التي لم يصمد فيها طويلًا قبل أن ينفطر قلبه ويعلن إضرابه عن النبض. بقيت هناك 10 سنوات حتى بلغت الثامنة عشرة، حيث تعرفت على طلائع الحركة الصهيونية التي تبشر بأرض تقطر الحليب والعسل، قدمت إلى البلاد في مشروعهم لأزور تل أبيب وحائط المبكى وصفد والبحر الميت وقلعة متسادا، التي فضل حماتها اليهود الموت على السقوط أسرى في وجه "الجوييم".

بقيت هنا تاركًا أختي ووالدتي في بروكلين لأخدم في الجيش مع وحدة الدروز المدعوة كتيبة السيف، حيث لم أكن أتقن العبرية بتاتًا وكان سهلًا علي التحدث بالعربية التي أصر والدي تعليمي أصولها وقواعدها حتى صرت دون دراية مني خبيرًا بها أكثر من الناطقين بها.

مرت ساعتان دون أن أدري، تركتني على وعد أن تحضر لي كتاب جبران "النبي" الذي لم أكن قد قرأته. الأخبار تتحدث عن داعش وكرها وفرّها. غريب أمر هؤلاء، معظم دعمهم أتى من جنود العراق التابعين لحزب البعث الاشتراكي، الدمار يجلب الدمار، والموت ينادي الموت.

تبًا لعالم يقارع الموت بالموت وشعوب تدفع ثمن الدمار مرتين، مرة من غزاة آتين لأسباب وهمية، يدفع ثمنها شعب كامل دون أن تتفوه البشرية بأي إشارة إلى الغزاة، ومرة من خراب يجلب خرابًا فيخلق مسخًا في صورة بشر ينتقم من الجينات البشريه فيلفظ نسختها الراقية في سوق الحرير أسوة بالسلف الصالح.

التقينا في بار على سفوح الكرمل، وعلى غير العادة الأخبار تتحدث عن اغتيال العاهل الأردني وسيطرة داعش هناك، وأنا أتمالك نفسي ألّا أبكي كلما استلمت عينيها كأنني "أستلم الحجر الأسود"، جملة بلاغية علمني إياها والدي، سواد شعرها وبياض عينيها يعلّمان أعلام داعش معنى رسالة التوحيد والتفريق بين ما هو بيّن وما هو بيّن.

نخوض في نقاش طويل حول التحولات البلاغية في أشعار محمود درويش، شاعر والدي المفضل، قبل أن نتطرق إلى رواد الشعر الحديث العراقيين نازك الملائكه وبدر شاكر السياب، شاعري المفضل الذي كان موضوع رسالتها للماجستير في اللغة العربية.

يبدو أن الشرق الأوسط بدأ في التهام نفسه، رئيس الوزراء يعد لاستعمال قنبلة نووية وقائية ضد الدولة العتيدة، حفاظًا على دولة الشعب اليهودي من النفوق، آخذًا بالشعار "ليس مرة أخرى"، ويستحوذ على الأخبار، وأنا أقبل تلك الأيادي التي صارت وطني منذ اللحظة التي لمحتها تعانق سيجارة الغولواز.

مظاهرات في كل البلاد التي تحتوي الأقليات العربية، رصاص حي، رصاص مطاطي، قتل وقتل مقابل، والكل يتبنى الصور التي تظهر "نازية" العدو، استنفار للقوات وأمر تجنيد الاحتياط "تساف 8"، يجلس في مكتبي يتيمًا بين رسائل الحب التي لم تصل إلى عنوانها.

"حبك سردابي إلى الجنة، حبك فاكهة يهوه الممنوعة، كيف أعيش بعد أن قضمت تلك الفاكهة الممنوعة؟ كيف أدرس التلمود وأنا أرى سبابتك ترفرف في الهواء وتشرح لي عن حاجة البشر إلى كتب ذات مصادر مجهولة تساعدهم في السيطرة على الغوغاء؟ أحبك أضعاف صبر أيوب على مصائب الشيطان بسكوت الرضا من يهوه".

أُطلقت القنبلة الأولى، قنبلة صغيرة تكتيكية كما يدعوها رئيس حكومتنا، كانت نتيجتها سقوط العراق، تلتها أخرى أكبر التهمت السعودية، الدولة التي بات الكل يأخذ ويعطي معها عدا رئيس وزرائنا. أمامي ثلاثة أيام إما أذهب إلى كتبيتي، أو أهاجر قبلها دون التفات إلى الوراء، إلى أمي وأختي اللتين يقتلهما القلق عليّ. لن أهاجر دون حبيبتي التي صار قوامها أطول من ثلاث مجرات، وحبها يكفي كونين أو ثلاثة.

- إنها مسلمة. 
عرفت مرة عندما تكلمت كم تكره رمضان، وحاجتها إلى التدخين في السر احترامًا لوالدتها. 

جلست مع والدها الذي طالبني بالإسلام. "تبًا كيف وصلت إلى هذا المكان؟". يخبرني أن لا يمانع حقًا، لكن ذلك أخذًا بعين الاعتبار العائلة الموسعة، خاصة أخيه الذي بات ينتظر الدولة القادمة من الشرق عاجلًا أم آجلًا، حتى تخلص بلادنا من الدناسة، بل سيسره أن تخرج ابنته من هذه الغمامة المشعة موتًا ودمارًا.

يوم السبت الساعة الخامسة صباحًا، طائرة إلى فرانكفورت، ومن هناك إلى مطار كينيدي ونذهب غير متأسفين على ما فات. نلتقي في الثانية عشرة والنصف، مدخل حارة عباس، لنبدأ حياتنا في العالم الجديد. أصوات انفجارات قوية تأتي من خاصرة الكرمل. الأنباء على الإنترنت كلها تتحدث عن بدء الهجوم الأرضي المفاجئ للدولة الشرقية، وأخبار إسرائيل تعلن حالة الاستنفار التام، صفارات الإنذار لا تسكت. 

سائق التاكسي قد وصل قبل قليل وخرج ليختبئ في مدخل البناية. أحمل حقيبتي المجهزة جزئيًا، وأعده بألف دولار إذا ساعدني في بناء مستقبلي. نصل إلى مدخل الحارة لنجد الشرطة والجيش على المدخل تمنع أي حركة لسيارات سوى سيارات الإسعاف. أول ثلاثة صواريخ من العدو العربيّ تقضي على ثلاث حارات عربية في المدينة. فلتسقط الآلهة التي تآلفت ضدي. بعد انتظار نصف ساعة يخيرني السائق بين النزول أو إكمال الطريق، والعودة تعني سجني بتهمة الهروب من الخدمة. أصل إلى المطار.

"الرقم الذي طلبته مغلق"، كل الأرقام لعائلتها مغلقة.

وصلت إلى الولايات المتحدة لأسمع هناك عن أخبار الاقتحام. قنبلتان نوويتان جعلت العالم يسكت ويحاول تحايد الحديث عن تلك المنطقة. جاء المحررون من الشرق، وبدأت نكبة جديدة؛ نكبة شعبي، ونكبتي الشخصية عندما وصلتني الأنباء الأكيدة أن تلك الشفاه التي تستلم سيجارة الغولواز كآخر معاقل الحياة اللذيذة قد تلاشت.

تبًا لك أيتها الحياة، فقد سئمت تلاعبك الدائم بي، وداعًا يهوه فقد فقدت حاجتي إليك لتحافظ علي. وأرخيتِ كفيكِ مبهورتين وأصغيتِ، واخضل حتى الموات، إلى أن يموت الشعاعُ الأخيرُ على الشرق، والحب، والأمنيات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا يموت الذين نحبهم؟!

وصلت متأخرًا