أزهر جرجيس.. لا يشفي غليل العراقيين إلا السحل

أزهر جرجيس.. لا يشفي غليل العراقيين إلا السحل

أزهر جرجيس

يأخذ الكاتب العراقي أزهر جرجيس من الخوف الدّهشة التي يُحدثها فقط، ليُعيد توظيفها في قصصه المصحوبة بحسّه الفنّي الساخر، المُتخم بالكوميديا السّوداء التي دأب على العمل عليها وتطويرها في أعماله التي تتّسم بسخريتها العلنيّة ورعبها المُبطّن، وكشفها المستمرّ عن عالمٍ عدائيٍّ يتربّص بالفرد العراقيّ والعربيّ معًا، ويعملُ على تشويهه وإذلاله نفسيًا وجسديًا. هذه هي الأجواء السائدة في مجموعة أزهر جرجيس القصصية الجديدة "صانع الحلوى" (منشورات المتوسّط، 2018).

تكشف كوميديا أزهر جرجيس السوداء عن عالمٍ عدائيٍّ يتربّص بالفرد العراقيّ

يُعيد أزهر جرجيس السير مُجدَّدًا في عوالمه الغرائبيّة والفنتازيّا التي سبق وأن سار فيها في مجموعته الأولى "فوق بلاد السواد". متنقلًا بها ما بين الحاضر والماضي الذي أسّسَ، بحسب أزهر جرجيس، للأحداث الراهنة، من موتٍ مجانيٍّ وجثثٍ من الممكن أن يتعثّر بها القارئ في كلتا المجموعتين، فضلًا عن رحلات اللجوء التي يقدّمها كما لو أنّها مشاهد بصريّة وسينمائيّة. حيث يعرض أزهر جرجيس من خلال شخصيّاته مقدار الإذلال والعنف الوحشيّ المتعمّد الذي يتعرّض له الإنسان، عاكسًا بذلك واقع أبناء جلدته للقارئ بطريقةٍ لا تخلو من المتعة السرديّة والحكائيّة. بيد أنّ ما يُميّز مجموعة أزهر جرجيس الجديدة عن سابقتها هو مقدار الألم والوجع الذي تحمله في طيّاتها، والذي يفوق ما حملته المجموعة السابقة.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "بيت حُدُد".. سوريا الهاربة والمهرَّبة

لا يصبّ أزهر جرجيس اهتمامه على الأحداث بقدر اهتمامه في سبر أغوار نفسيّة الشخوص التي تدور في ظلّها وتعريتها أيضًا، هذا ما يتّضح للقارئ منذ القصّة الأولى "الكوخ الهنغاري"، والتي تتعدّد بها المواضيع التي يريد الكاتب أزهر جرجيس طرحها، ولكنّنا، ومن خلال قوله "الهاربون من الحرب مثيرون للشفقة" (ص 10)، وقوله أيضًا "لقد بنت السيدة باربارا هذا الكوخ منذ خمسين عامًا، من أجل اصطياد الهاربين من الحروب، وحشرهم في براميل النبيذ الخشبيّة. كانت تطعمهم كل يوم كبدة القنافذ المهروسة بالزيت، التي تُحوّلهم تدريجيًا إلى أقزام، ثمّ تحشو بهم براميل النبيذ المملوءة ببول الحمير، وتبيعهم شرابًا للعفاريت" (ص 11)؛ يُمكننا القول إنّ أزهر جرجيس أراد التعبير هنا عمّا يصحب اللاجئ من مشقّات متعدّدة الأشكال، والتجارة بقضيتهم واستغلالها أيضًا، والعمل على الاستفادة منهم وإعادة استخدامهم كما يحلو لمن هم أشدّ قوّة، موضّحًا ذلك أيضًا بقوله "حين تشتعل الحرب في طرف من هذه الأرض، فإنّ سوق التسليّة يصبح رائجًا في الطرف الآخر" (ص 12).

صانع الحلوى

تغلب الفنتازيا على أجواء القصّة الثانية من الكتاب "حانة المشرق"، ومنذ بدايتها أيضًا "ذات يوم فقدت ظلّي. لا أدري كيف حصل ذلك، لكنّي حين التفتُّ إلى الوراء، لم أرَ لي ظلًّا قطّ" (ص 13). منذ هذه الجملة نلجُ عوالم أزهر جرجيس الغرائبيّة، والتي استخدم فيها الدهشة بديلًا عن الخوف، مُحافظًا في الوقت نفسه على قدرة تأثيرها في نفوس القرّاء، إذ إنّ من فقد ظلّه هنا ليس إلا روحًا لجسدٍ قُتلَ على يد إرهابيين اقتحموا الحانة و"سجّلوا انتصارًا عظيمًا على قناني البيرة وزجاجات العرق والسُّكارى العزل" (ص 14)؛ وتسردُ أيضًا تفاصيل موت جسدها، قبل أن تكون مضطرّة للحاق به، قائلةً "أراكم في جهنّم" (ص 16).

تغلب الفانتازيا على أجواء قصص "صانع الحلوى"، لأجل تعبير خاص عمّا يصحب اللاجئ من مشقّات متعدّدة الأشكال

كما أسلفنا، يحرصُ الكاتب أزهر جرجيس على استعراض الحالات النفسيّة لشخوصه، وهذا ما يبدو واضحًا في قصّة "حصان القصب" التي يساوي فيها الكاتب، ساخرًا، بين الإنسان والحيوان "في ظهيرة ساخنة، دهس عجلًا وهرب. لم يكن الأب قادرًا على دفع الدّية، فقرّرت تلك الجماعة أن تكون حياة الابن دية العجل المدلّل" (ص 25). والابن هنا شخصيّة القصّة الرئيسيّة، والذي يهربُ من تلك الجماعة ليقع في يد جماعةٍ أخرى تنتزع منه عينه وكليته اليسرى، قبل أن يتمكّن من الهرب والفرار نحو الدول الأوروبيّة، حيث أمسكت به قوات الدرك التركيّة بعد خلافه مع المهرّب، وتسلّمه للاستخبارات التي تُمعن في إذلاله وتعذيبه جسديًا ونفسيًا وجنسيًا أيضًا. هذا ما يسرده نبيل/الابن في دائرة اللجوء في ألمانيا، والتي وصل إليها عبر حصانٍ صنعه من القصب، مردّدًا في إذنيه ما كان يردّده ضابط التحقيق "طير، لا أشُقّك" (ص 29).

اقرأ/ي أيضًا: "ترحال"..سيناء كما يرويها نيكوس كازانتزاكيس

يُكمل أزهر جرجيس بقيّة القصص على هذا المنوال، مازجًا السخريّة والكوميديا السوداء بالوجع والرعب والدهشة، واضعًا أمام القارئ جثّة تفوح رائحتها من صفحةٍ ما، ورأسًا مقطوعًا يتدحرج من صفحة أخرى، ومحاولًا قدر الإمكان جعل القارئ مندمجًا مع ما يقدّمه من وجعٍ في مجموعته، ساردًا أيضًا حكاياتٍ عدّة مختلفة، مرّةً عن طفل يهوى السحل، لأنّ لا شيء يشفي غليل العراقيين إلا السحل، ولذلك يلهو في صغره بسحل القطط قبل أن ينتقل لسحل البشر، ويعود مجدّدًا للقطط التي تسحلهُ ثأرًا لنفسها. فضلًا عن لوطيٍ يصيرُ جنديًا من جنود الخلافة، ويمتهن إعدام البشر. وقصص أخرى بمواضيع متعدّدة، سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة، تشترك جميعها في رصدها لمعاناة الإنسان العراقيّ.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

لبيدرو مايرال.. في مديح النقصان

الشعر روح الرفض في زمن الاستبداد