أسئلة عراقية في الزمن الصعب

أسئلة عراقية في الزمن الصعب

الفشل يتيم في العراق ولا أحد يتبنّاه (فيسبوك)

ما الذي يحدث في العراق، ولماذا تعاملنا السلطة بكل هذه القسوة المفرطة؟ لماذا فشلت النخب السياسية العراقية في بناء مؤسسات عصرية ونظام ديمقراطي يضمن كرامة المواطن العراقي؟ هل ثمّة ثأر وتصفية حساب قديم ينبغي على العراقيين أن يدفعوه؟ ما طبيعة هذه الثأر وما هو الثمن المناسب لتصفير هذا الثأر المستمر؟ لماذا تفشل النخب السياسية العراقية في كل مرة من بناء دولة المواطنة؟ لماذا يبدو تاريخ العراق السياسي هو تاريخ الخوف والحديد والنار؟ ما هو حجم المؤامرة التي نحوكها على أنفسنا لدرجة أن فئات كثيرة في "المجتمع" العراقي تكتفي برموزها القبلية والمذهبية مفضلّة إيّاها على بناء دولة عصرية؟ من الذي يؤسس لبنية الخراب طويلة الأمد في العراق؟ ما دور العامل الخارجي في هذه النكسة المزمنة الذي نعانيها منذ عقود؟ لماذا أصبح الفساد عادة يومية نتعايشها بطيب خاطر كما لو أننا نتكلم عن سلعة استهلاكية رخيصة؟ لماذا يُصلَبٌ العراقيون على مذبح السؤال ولا يحصلوا من الأجوبة سوى الألم الذي لا يطاق في بعض الأحيان؟

ثمّة إرادة قوية وصلبة تريد أن تبقي الوضع كما هو عليه في العراق بسبب العلاقة التبادلية بين السلطة وبين الخراب الحاصل

 بصراحة لم تعد الأجوبة تملي ذلك الفراغ الشاسع الذي تثيره مثل الأسئلة أعلاه وغيرها الكثير بالطبع. أولًا، لأن الأجوبة بلغت كمالها المطلوب! أعني لم يعد شيئًا خافيًا؛ كيف تحقق الرفاه الاقتصادي في بلد ريعي مثل العراق؟ ستأتي الأجوبة سريعة ومثقلة بمعرفة الخبير الاقتصادي العراقي المشهود له بالكفاءة والمهنية. ما هو النظام السياسي الأنسب لبلد يتمتع بتنوّع أثني وطائفي؟ سيقف عشرات الباحثين والمفكرين ليقدمّوا لك عدة نماذج سياسية خضعت لعقود من التجارب. ما الآلية الناجحة للقضاء على الفساد الإداري والسياسي؟ سترتصف أمامك عشرات العروض من شركات وخبراء ومؤسسات دولية يتمتعون بخبرة دولية طويلة ليضعوا أمامك حلولًا لم تكن بالحسبان.

اقرأ/ي أيضًا: تعددية إجبارية.. فراغ ديمقراطي ينتظر الرجل الواحد

كل شيء متوفر في العراق سوى الرغبة في التغيير! وأنا على يقين ما من سياسي في السلطة إلا ويفهم، إجمالًا كيفية الحلول. فالمشكلة أكبر من ذلك: ثمّة إرادة قوية وصلبة أن تبقي الوضع كما هو عليه لأنه، وببساطة شديدة، ثمّة علاقة تبادلية بين السلطة الحالية وبين الخراب الحاصل؛ كلاهما يعتمد على الآخر، وإذا اختفى هذا يختفي ذاك، والعكس صحيح. فهذا جوهر المشكلة، ذلك أن الحلول متوفرة وبكثرة غير أن يد الخراب -السلطة تمنع الاقتراب من قدس أقداسها، إذ كيف يفرطون بشرط وجودهم؟ جرب أن تطرح الأسئلة الجادة والتي يحركها الهم الأقصى لبناء عراق ديمقراطي مواطني مزدهر، فستكون هذه الأسئلة بمثابة خلخلة لأركان السلطة وإنذار شديد اللهجة لتهديد وجودها. ولذلك أصبح التكلم بالفساد الإداري، مثلًا، في المؤسسات الإعلامية يندرج ضمن العادي والمألوف، لأنه يشكل عملية ديمومة وضخ الحياة في هذه الوجوه السياسية، بل أضحى الفساد هوية راسخة وأصيلة في ذهنية السياسي العراقي.

 فلنضرب مثالًا حيًا على هذه الهوية الآخذة في الاتساع والتمدد. في العراق حصرًا لا تعثر على فصيل سياسي واحد يتبنّى فشل السياسيات الحكومية. ومنذ سقوط البعث وحتى هذه اللحظة، يطلَ علينا بين الحين والآخر، أحد أبطال الشاشة ليستبيح لنفسه سلسلة طويلة عريضة من الهذيانات التي لا حصر لها. ويخيل إليك أن العملية السياسية عبارة عن صالة قمار كبيرة، ليس على المقامرين سوى أن يتقنوا أصول اللعب أمام مرأى ومسمع الرأي العام. لا أفهم كيف يصرّح أمام شاشة التلفزيون سياسي معروف، قبل مدّة من الزمن، تصريحًا ناريًا، ويقول بالفم المليان، إن معظم السياسيين يستلمون المال غير الشرعي. ويعززها بعبارة "كلنا سرقنا". طبعًا حينما تكلم هذا السياسي المعروف بهذه الطريقة اللا قانونية كان بدافع الشجاعة والشفافية!

  لا يوجد كائن عاقل في العراق تخلو ذاكرته من أحداث مماثلة؛ يمكنك أن تفتتح حديثًا عن قضايا الفساد، فسيبادر أكثر من شخص لتزويدك بقصص عجيبة، ولشدّة ما ينتابك من عجب تتصور كما لو أنك تقرأ أحدى الروايات البوليسية. غير أن كلام عموم الناس يميل إلى التضخيم والأسطرة والرغبة في الثرثرة في الأماكن العامة وقتل الفراغ بالفضول والتدخّل في مواضيع يغلب عليها الطابع الفني والتقني. لكن هل حقًا أن قصص الفساد تتوقف على اللغو الفارغ الذي تمتهنه عموم الناس؟ بمعنى، هل تخلو هيئة النزاهة من قضايا فساد كبرى على كيانات وأشخاص في "الدولة" العراقية؟ ربما لم تعد رفوف المكاتب تتسع لحجم الملفات السوداء في هيئة النزاهة، وربما لا يعدو كلامنا سوى هذيانات فارغة لا معنى لها. طيب، ماذا لو قدّمنا الأسئلة السالفة للمؤسسات ذات الشأن؟ ربما سيكون الجواب كالآتي: إن هذه الأسئلة تدخل ضمن السقوط في هاوية العدمية، فوجودنا مرهون بتغييب هذه الأسئلة، بل نفيها من الذاكرة العراقية. أو على الأقل سنجيب عن هذه الأسئلة بعد نهاية صلاحيتنا، أو نتنصّل عن مسؤولياتنا، ذلك أن الفشل يتيم ولا أحد يتبنّاه.      

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن بضاعتنا الكاسدة

طبيعة الصراع وإشكالياته الغائبة