أشعلت فتليها واشنطن واكتوى ابن سلمان.. أزمة الصدر تهدد مخطط ترامب!

أشعلت فتليها واشنطن واكتوى ابن سلمان.. أزمة الصدر تهدد مخطط ترامب!

أثار منشور السفارة الأمريكية أزمة بين العراق والبحرين بطلها مقتدى الصدر (Getty)

من بيان تلي في البرلمان، تصاعد التوتر سريعًا بين بغداد والمنامة. بيان كتبه مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري وتحالف سائرون وقرأه صباح الساعدي رئيس كتلة الإصلاح والإعمار، أحد أكبر قطبي مجلس النواب، كشف فيه الصدر عن مخاوفه من زج العراق في الصراع الأمريكي – الإيراني، واقترح 10 حلول من بينها ما أثار غضب وزير الخارجية البحريني وأخرجه عن سياق لباقة الخطاب الدبلوماسي إلى التهجم واستخدام العبارات النابية.

أثار بيان الصدر توترًا في العلاقات بين بغداد والمنامة حين دعا الصدر إلى إيقاف الحرب في دول منها البحرين واقترح تنحي حكامها فورًا

حذر الصدر في بيانه، مما وصفه بـ "الاتحاد الثنائي الأميركي الإسرائيلي"، الذي قال إنه "أخذ على عاتقه تركيع الشعوب وتجويعها بأبشع الطرق وأذلها محتجًا بحجج الإرهاب وما شاكله"، كما أوضح أن "جل ما يهمه" بشأن الصراع بين إيران والاتحاد الثنائي (ترامب ونتنياهو)، "هو ألا يزج العراق في أتون هذا الصراع العقائدي من جهة والسياسي من جهة أخرى".

اقرأ/ي أيضًا: السفارة الأمريكية تهاجم خامنئي.. التوتر سيد الأجواء في بغداد

قدم الصدر 10 مقترحات هدف بعضها بحسبه إبعاد العراق عن دائرة الصراع الأمريكي – الإيراني، وأخرى تخص أمن المنطقة، منها انسحاب الفصائل العراقية المسلحة المنتمية للحشد الشعبي وغيرها من سوريا، وإغلاق السفارة الأميركية في بغداد في حال زج العراق في هذا الصراع، وإيقاف الحرب في البحرين واليمن وسوريا، كما اقترح "تنحي حكام" تلك البلدان الثلاثة، داعيًا إلى "إرسال وفد إلى الأمم المتحدة لمعرفة رأيها بشأن الصراع (الإيراني ــ الأميركي)، وإرسال وفد إلى السعودية لحل خلافاتها مع إيران".

دعا الصدر أيضًا، إلى مسك الحدود العراقية من قبل الجيش والشرطة العراقيين حصرًا، وتوقيع اتفاقية بين العراق وإيران تنص على "احترام السيادة لكلا الطرفين"، أو اتفاقية ثلاثية مع السعودية "لإضفاء أجواء السلام ولو جزئيًا".


بيان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر

البحرين ترد

لم تمض إلا ساعات قليلة، حتى غرد  وزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، مرتين بغضب على بيان الصدر، الذي دعا إلى تنحي حكام اليمن والبحرين وسوريا فورًا. غضب أخرجه عن الدبلوماسية وسياق العرف السياسي حيث شكك في سيادة بغداد، فضلًا عن تهجمه بالشتائم على شخصية مقتدى الصدر، ذو التيار الواسع من المريدين بين العراقيين.

أغضب بيان الصدر وزير الخارجية البحريني وأخرجه عن سياق الأعراف والخطاب السياسي والدبلوماسي إلى استخدام الشتائم واتهام بغداد بالتبعية لطهران

وقال آل خليفة في تغريدة الأولى،: "مقتدى يبدي قلقه من تزايد التدخلات في الشأن العراقي.. وبدل أن يضع إصبعه على جرح العراق بتوجيه كلامه للنظام الإيراني الذي يسيطر على بلده، اختار طريق السلامة ووجه كلامه للبحرين". وأضاف: "أعان الله العراق عليه وعلى أمثاله من الحمقى المتسلطين". ثم عاد بتغريدة ثانية أشد تهجمًا.

غضب سياسي

أثار وصف وزير الخارجية البحريني لزعيم التيار الصدري بـ"الحمق والتسلط"، غضبًا شعبيًا وسياسيًا، تصاعد إلى مطالبات برلمانية باستدعاء السفير البحريني على خلفية "الإساءة" للصدر الذي نال تحالفه (سائرون) الصدراة في الانتخابات البرلمانية الماضية.

حيث دعت كتلة الإصلاح والإعمار النيابية، التي شكل نواتها تحالف سائرون، الخارجية العراقية، إلى اتخاذ موقف من تلك التصريحات، مطالبة الرئاسات الثلاث بعقد اجتماع عاجل.

وقال رئيس الكتلة، صباح الساعدي، في بيان له: "كنا نتوقع أن تضع الدول العربية ودول المنطقة بيان الصدر موضع الدراسة لما تضمنه من حلول مقترحة لتجنيب المنطقة صراع تتأجج ناره شيئًا فشيئًا".

أضاف الساعدي، أن "الموضوعية والعقلانية التي تضمنتها الحلول التي طرحها الصدر، تنم عن حرص كبير ليس متعلق فقط في تجاوز العراق وشعبه (مع أنه الأهم)، بل يتعدى ذلك إلى تمهيد الطريق لتخفيف الأزمات في المنطقة وبالتالي تهيئة الأرضية إلى تسوية تاريخية تؤدي إلى (تصفير الأزمات) عبر حلول مقبولة لأطراف الازمة".

كما هاجم الساعدي، وزير الخارجية البحريني، بالقول: "بدلًا من ذلك نجد (تغريدات حمقى) تحاول أن تذر الرماد في العيون، وكأن هؤلاء، أمثال وزير الخارجية البحرينية، لم يتعلموا من دورس الشعوب الثائرة التي أطاحت بأنظمة الجور والطغيان".

أثارت إساءة وزير الخارجية البحريني للصدر غضبًا سياسيًا، كما عبرت مختلف القوى عن مساندتها للصدر ورفض الإساءة إليه

من جانبه استنكر عضو هيئة رئاسة البرلمان، حسن الكعبي، بـ "شدة الإساءة التي صدرت عبر تغريدة وقحة من وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد، بحق مقتدى الصدر". وطالب الكعبي في بيان له وزارة الخارجية العراقية، بـ"استدعاء السفير البحريني لدى بغداد وتسليمه مذكرة احتجاج شديد اللهجة، تعبيرًا عن استنكار ورفض حكومة وشعب العراق لما صدر عن وزير خارجية بلاده".

اقرأ/ي أيضًا: جذور السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.. الخليج وإيران نموذجًا

أكد الكعبي كذلك، أن "ما ذكره الأخير يعد تطاولًا سافرًا، وإساءة متعمدة لرمز عراقي كبير دائم التضامن مع المطالب المشروعة لجميع الشعوب في العالم، والثائرة بوجه الأنظمة الدكتاتورية الظالمة"، فيما أعلنت غالبية القوى السياسية ومنها السنية والكردية، رفضها الإساءة التي صدرت من وزير الخارجية البحريني بحق الصدر، بوصفه زعيم ورجل دين عراقي صاحب "مواقف وطنية".

حصار السفارة.. قدموا لهم وردة!

كما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلًا سريعًا مع "إساءة" آل خليفة للصدر، من ناشطين ومدونين وسياسيين، متهمين "أعداء الصدر" بالعمالة، ومهاجمين أسلوب ساسة المحور السعودي الخليجي. حيث قال غالب الشابندر، إن "وزير الخارجية البحريني يسيء إلى رمز وطني عراقي..أين موقف وزارة الخارجية العراقية؟ .. لا يحق لهذا الوزير مهاجمة قامات عراقية تاريخية، وأنه سلوك شائن ويساهم بالمصالح المشتركة بين البلدين".

في الشارع، تجمع عدد من أنصار التيار الصدري، أمام السفارة البحرينية في بغداد بمنطقة المنصور، لاستنكار ما وصفوه بأنه "اعتداء" على الصدر، وفيما توجه آخرون إلى القنصلية البحرينية في محافظة النجف، فضلًا عن وقفة احتجاجية في الموصل، مرددين شعارات منددة بما كتبه بن آل خليفة بحق الصدر، استعد غيرهم من محافظات مختلفة للتوجه إلى للعاصمة والإحتجاج أمام السفارة البحرينية.

تسرب الغضب العراقي سريعًا من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الشارع لتشهد سفارة البحرين في بغداد وقنصليتها في النجف احتجاجات شعبية واسعة

 


جانب من الاحتجاجات أمام السفارة البحرينية في بغداد


جانب من الاحتجاجات أمام قنصلية البحرين في النجف


وقفة احتجاجية في الموصل

بدوره قدم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مساء السبت 27 نيسان/أبريل 2019، شكره لمن آزره، وأوصى من يريدون التظاهر أمام السفارة البحرينية، أن يسلموهم هدية إلى الشعب البحريني، وفق ما نقلت صفحة "صالح محمد العراقي"، المقربة منه على لسانه. قال الصدر: "شكرا لكل من آزرنا"، داعيًا كل من يريد التظاهر أمام السفارة أو القنصلية البحرينية "أن يسلمهم (وردة) على أن يعطوها هدية للشعب البحريني"، مضيفًا: "الوردة هدية مني لهم وأنتم أيها المتظاهرون تمثلونني بذلك.. فشكرًا لكم".

المنامة تحتج.. وتحذر!

رد البحرين جاء باستدعاء القائم بأعمال سفارة العراقية لدى المنامة، نهاد رجب عسكر العاني، حيث أكد السفير وحيد مبارك سيار، وكيل وزارة الخارجية البحريني له "استنكار مملكة البحرين واحتجاجها الشديدين للبيان الصادر عن مقتدى الصدر، والذي تم الزج فيه باسم مملكة البحرين"، عادة أنه "يمثل إساءة مرفوضة لمملكة البحرين وقيادتها ويعد تدخلًا سافرًا في شؤون مملكة البحرين، وخرقًا واضحًا للمواثيق ومبادئ القانون الدولي، ويشكل إساءة إلى طبيعة العلاقات بين مملكة البحرين وجمهورية العراق".

حملت البحرين، وفقًا لبيان صدر عنها، الحكومة العراقية "نتيجة لذلك مسؤولية أي تدهور أو تراجع للعلاقات بين البلدين"، كما حملتها "مسؤولية السماح لمثل هذه الأصوات غير المسؤولة والمسيئة والتي تثير الفتنة وتشكل معاول هدم وتهديد خطير على الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة".

قال وكيل وزارة الخارجية البحرينية أيضًا، إن "مملكة البحرين تحرص دائماً على التزامها نهجًا ثابتًا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتطالب الحكومة العراقية بضرورة التصدي لهذه الأصوات التحريضية وردع هذه المواقف التأزيمية، كما أنها تؤكد انه لا يمكن أن تقبل أو تسمح أبدًا بأي شكل من أشكال الإساءة أو التدخل في شؤونها  من قبل أي شخص أو أي جهة كانت، وستتخذ كافة إجراءات السيادة اللازمة للحفاظ على سيادتها واستقلالها وأمنها واستقرارها".

سلمت المنامة القائم بأعمال السفارة العراقية مذكرة احتجاج على بيان الصدر، وحملت بغداد مسؤولية تردي العلاقات المحتمل وسلامة سفارتها وقنصليتها

كما أشار، إلى أن "مملكة البحرين تطالب الحكومة العراقية بالقيام بدورها وتحمل مسؤوليتها في حماية أمن وسلامة سفارة مملكة البحرين في بغداد وقنصليتها في النجف الأشرف، وفقًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وكذلك بالتدخل الفوري لوقف مثل هذه البيانات والتصريحات المعادية وغير المسؤولة سواء كانت من المسؤولين أو من أي جهة عراقية كانت، والتي هدفها التأزيم وإخلال الأمن والاستقرار في مملكة البحرين والمنطقة". وسلم سيار، مذكرة احتجاج بهذا الشأن إلى القائم بأعمال سفارة العراق بالإنابة.

بغداد ترد بالمثل.. وتحذر سفارة واشنطن!

بالمثل ردت بغداد سريعًا، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، إن "وزير الخارجية محمد علي الحكيم وجه باستدعاء السفير البحريني في بغداد"، مضيفًا في تصريح صحافي، أن "الحكيم وجه أيضًا باستدعاء القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى بغداد"، في خطوة لتدارك بداية الأزمة التي أطلقتها صفحة السفارة الأمريكية في بغداد عندما اتهمت على حسابها الرسمي في فيسبوك، النظام الإيراني بـ "الفساد"، وقدرت ممتلكات المرشد الإيراني علي خامنئي، بـ"200 مليار دولار"، الأمر الذي دعا الصدر إلى نشر بيانه والمطالبة بإبعاد العراق عن صراعات (أميركا إسرائيل ــ إيران) ليتطرق إلى حكام المنطقة العربية، ويرد وزير الخارجية البحريني على بيانه.

أما البيان الرسمي الذي صدر عن  الخارجية العراقية، فقد شجب التصريحات التي أدلى بها وزير خارجية البحرين حول بيان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، فيما طالبت البحرين بتقديم اعتذار رسمي عنه. كما اعتبرت المنشور الصادر عن السفارة الأمريكية في بغداد تجاوزًا على الأعراف الدبلوماسية، مطالبة السفارة بحذفه، وفق بيان ثان.

قالت الوزارة في بيانها الأول، إن "كلمات وزير الخارجيَّة البحريني وهو يمثل الدبلوماسية البحرينية، تسيء للصدر بكلمات نابية، وغير مقبولة إطلاقًا في الأعراف الدبلوماسية، بل تسيء أيضًا للعراق وسيادته واستقلاله خصوصًا عندما يتكلم الوزير البحريني عن خُضُوع العراق لسيطرة الجارة إيران".

أضاف البيان،: " إنَّ العراق دحر تنظيم داعش الإرهابيّ بعد أن عجزت جُيُوش جرَّارة عن دحره في مناطق أخرى لقادر على الدفاع عن حُرِّيّاته، واستقلاله. وعلى الجميع معرفة حُدُودهم، والالتزام بالحقائق، واللياقات الدبلوماسيَّة. فعراق اليوم يتعافى، ويقوى، ولن يقبل أيَّ تدخُّل في شُؤُونه، كما لن يقبل أيَّ إساءة له، أو إلى رُمُوزه الوطنيَّة، والدينيَّة مهما تعدَّدت، وتنوَّعت وجهات نظرهم".

وطالبت الخارجية، دولة البحرين باعتذار رسميّ عن "إساءة وزير خارجيَّتها للعراق الذي تتعدَّد فيه الرؤى، وتتسع فيه حُرِّيّة التعبير للرُمُوز، والشخصيَّات، والقوى السياسيَّة، ولجميع المُواطِنين، ولا يقبل بأيِّ حال من دولة يعتبرها شقيقة، ويستضيف سفارتها في بغداد أن يكون موقفها الرسميّ موقفاً استفزازيًّا ينتقص من سيادة العراق، واستقلاله، ويتهمه بأنَّه خاضع لسيطرة أيِّ بلد كان".

البيان الثاني وجه إلى السفارة الأمريكية، حيث قالت الوزارة، إنها "تابعت المنشور الصادر عن السفارة، والذي مثل تجاوزًا على الأعراف الدبلوماسية، والقواعد الدولية التي تحكم عمل البعثات في الدول المضيفة"، عادة "قيام بعثة دبلوماسية عاملة في العراق بنشر منشورات تستهدف إحدى دول جوار العراق، ورموزها الدينية، أو السياسية يتعارض مع مبادئ الدستور العراقي، والسياسة الخارجية العراقية".

وشددت الوزارة، على ضرورة احترام البعثات العاملة في العراق "القواعد والأعراف الدولية في تصرفاتها، وأن تراعي عند قيامها بمهامها دستور العراق، وعلاقاته مع دول الجوار جميعًا"، مطالبًة السفارة الأمريكية بـ"حذف المنشور المسيء، والامتناع عن إصدار مثل تلك المنشورات مستقبلاً، بكل ما يسيء إلى علاقات العراق بدول الجوار، والدول الصديقة".

ردت بغداد باستدعاء السفير البحريني ومطالبة المنامة باعتذار عن "الإساءة" للصدر. كما وجهت تحذيرًا إلى السفارة الأمريكية في بغداد

يشار إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، تسعى إلى التقريب بين العراق والمحور الخليجي السعودي، في محاولة لجر العراق من موقفه المساند لإيران في ظل سعيها لتضييق الخناق على طهران، حيث ترفض الحكومة العراقية صراحة العقوبات الأمريكية، لكنها تؤكد حرصها وفق التصريحات الرسمية لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي ووزارة الخارجية، على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.

وهو ما يبدو شديد التعقيد في ظل معطيات صراع واشنطن وطهران، فضلًا عن دول المنطقة على المصالح والنفوذ في العراق، مع وجود محاور قوى مختلفة داخل البلاد تدين بالولاء لهذا الطرف أو ذاك، كما تشير الأحداث الجارية والتي جاءت بما لا تشتهي سفن واشنطن في الخليج، بتهديد التقارب العراقي مع السعودية وحلفائها، الذي كان الصدر أحد ركائزه.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العراق ساحة صراع مجددًا.. هل سنشهد مواجهة أمريكية -إيرانية؟

صراع السعودية وإيران في العراق.. لعبة محصلتها صفر