أنا محمد المدفون

أنا محمد المدفون

(سيروان باران)

عزيزي محمد هل تقرأ الرسائل؟

 هل تستوقفك كتابة ما على حائط؟

على شجرة؟

  هل تطالع الكلام المكتوب على غلاف البسكويت مثلًا؟

  أو على الأقل تتأمل الصور؟

عمارة  مطبوعة على الورق اللمّاع

حشد نوارس مطبوع  على كارتون كبير مرمي على الرصيف قريبًا من نصب جواد سليم الهائل

باب موارب 

مفتاحه  يشبه منقار طائر

أكتب لك الآن وأكاد أغرق في لمعان ما، والماء في قعر القنينة يحاول أن  يصنع من نفسه حبرًا ثم يسقط على الورق على شكل غيمات

يا محمد يا حبيبي، أمك  المرأة البيضاء بلون الملح

 أو بلون الكحل المعجون

  ماذا تنتظر يا محمد

هل تنتظر حمامة تعود لعشها، حمامة تقدّس حتى سابع جار

 الجار الأول

الجار الثاني

الجار الثالث

الجار  السابع هو قلبك

قلبك  يشبه قلب المزارع

يقولون القلب بحجم الكف، والشمس التي تغلف الكف بلون غيمي، هي تلوّن  القلب أيضًا

 قلب  الفلاح يسقي الشعير  أو العنبر أو البرحي وأنت تسقي أيضًا

تخرج  القنينة من صندوق الفلين

ويتلألأ الماء

يفرح الزبائن  وقد انتعشت  جورياتهم

هل تنتظر طردًا

أم برتقالًا من السوق القريب، ماذا تنتظر يا محمد؟

معقّمًا للجراح في رأسك، قريبًا من مخك الذي يضم الخارطة السرية لنخلات العراق

معقّمًا  للجراح في ظهرك، في خاصرتك، في المعمل الصغير الذي يصنع أغنياتٍ عشوائية وهشة

ستكون أنانيةً مقيتة أن نترك جراحك بلا علاج، لكونها  تشبه اللآلئ بعمقها ولونها

يا محمد،  ما الذي فعلوه بك، ما هي الأشياء التي لم  تلتقطها الكاميرا

أي جرائم؟

 جرائم تلاشت ارتكبوها بحق عينيك، بحق أصابعك، بحق قلبك، جسدك، الشامات السرية التي طالما سقتها والدتك بالدمع المخلوط بالكحل

آه من تلك الجرائم التي لم تلقطها الكاميرات، ونزلت في القعر الأسفل من الإهمال

آه من الجرائم التي التقطتها الكاميرات وأحدثت ضجة  ثم ثم .. ثم ...... ثم تلاشت أيضًا 

آه أكتب آه للضحايا

 آه للضحايا، والقانون أمامهم ثلج، ولو ذاب سيجعل جراحاتهم أكثر. هل أنا متشائم!

آه أيتها الضحايا التي أعرفها، والتي لا أعرفها ولا يعرفها التاريخ، وسقطت من ذاكرة الأفلام الوثائقية  

كم محمد بجراحاته في الجمجمة والظهر منسي، أو لا يعرفه أحد، ولا يرد على سلامه القانون

أيها القانون، السلام عليكم، أنا اسمي محمد أبيع ماءً عمري 13 سنة أو اكثر أو  أقل، أمي بلون الجص الذي يلطخ الملابس العتيقة مخلوطًا برائحة العرق

أنا محمد الصغير،  دفنوني وأنا أركض بين الأشجار السجينة

عذبوني وتستروا على أسماء الشرطة الذين هرسوا روحي

رد القانون: لا تزعجني، أنا مشغول بتمليك هذا المسؤول قصورًا في الكرادة  

أيها القانون السلام عليكم

أيها القانون السلام عليكم

أنا محمد

أنا محمد

أنا محم

بائع الماء

يظل فم محمد مفتوحًا الذهول يحفر وجعًا في عينيه (أنا محمد)

أيها العالم

هذه الرسائل التي قرأتها كَتبتها أصابع الشجيرات على الأرصفة

خط الدمع كحلي

هذه الرسائل مكتوبة بالماء الساخن

أنا لم أطالع رسائلًا كتلك الرسائل التي يكتبها المغتربون والعشاق، لكني

قرأت الكثير من الرسائل المختلفة..  كان الورق لحمًا مسلوخًا

هذه رسالتي كتبتها بطريقتي الخاصة، ربما العالم يشعر بالغثيان ولا يطالعاها

أنا محمد، أمي بيضاء مثل أي شيء أبيض في ظهيرة تموز، مثل الماء الحار الذي ينزل من الحنفيات المتصلة بخزانات البلاستك

لونه أبيض نغسل به قلوبنا ونشويها كي نأكلها ونعيش!

أمي بيضاء، تضع كحلًا، وتبتسم، وهي تشتري العنب المهروس المتفسخ مثل السمك القديم

الرياح تملأ عباءتها، فتصير منطادًا وتحلق، وتنتقل فوق البيوت تضحك، ويسمعها البقّال والخضّار والجزّار

أمي بيضاء، نعم بيضاء، أقول بصوت عال بيضاء

وشريفة مثل السهر

والسهر العراقي أنواع

سهر من أجل صناعة الأغاني الحزينة والخبز

سهر من أثر الوجع في العظام

سهر مع الصديق المخلص الهم

أيها العالم

هل سمعت ماذا قالوا الشرطة وهم ينتزعون ملابسي ويقطّعون شعري بالسكّين

حالوا أن يجدوا جريمة ارتكبتها، لكنهم وجدوا غيمة بيضاء وأم بيضاء

أيها العالم السلام عليكم

...............

السلام عليكم

..............

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حافات الأشياء اللا منتهية

المأساة في أن تصغي 

:دلالات