أيها الشاب العراقي.. لا تكن إيجابيًا!

أيها الشاب العراقي.. لا تكن إيجابيًا!

شكل الشباب البصري مفاجأة للقوى السياسية التي استخدمت الاستقطاب الطائفي لنفوذها (Getty)

قبل أيام كنت في ندوة عن الصحافة في المنهاج الحكومي الذي قدمه عبد المهدي قبيل تسنمه منصب رئاسة الحكومة، وكان مستشار رئيس الوزراء حاضرًا في الجلسة. وقتها قال المستشار شاكيًا، إن "وسائل الإعلام لم تُظهر الجانب الإيجابي وإنما تركّز على الجوانب السلبية فقط". قلت له إن وسائل الإعلام ليست نوافذ للتنمية البشرية بالنتيجة، كما أنها ليست مُمثّلة عن السلطة، هذا عمل الإعلام الحكومي والمكاتب الإعلامية للمسؤولين في العراق. لكن هذا الحديث ليس جديدًا، إنما يمثّل رغبة قديمة لدى أقطاب النظام السياسي في العراق بأن تتحوَّل كل وسائل الإعلام إلى متحدثة رسمية للجانب الإيجابي الحكومي غير الموجود في العراق.

أقطاب النظام السياسي في العراق يريدون أن تتحول كل وسائل الإعلام إلى متحدثة رسمية للجانب الإيجابي الحكومي غير الموجود بالأصل

في مؤتمر مشترك مع تحالف سائرون في 11 شباط/فبراير، طالب هادي العامري بتشريع قانون على غرار "الإمارات" لكل من يمس أمن الدولة، معربًا عن شكواه من الإعلام الذي يركّز على "الجوانب السلبية". وعلى ذكر الإمارات فأنها أطلقت قبل أيام "وزارة اللامستحيل"، الأمر الذي يجري في سياق النظام الذي يعمل في أُطر التنمية البشرية لا الدولة التي لا تحتاج إلى وزارات تشبه صفحات الفيسبوك، اللامستحيل والسعادة، وربّما ننتظر في المستقبل القريب أو البعيد "وزارة لا تحزن". 

قانون الإمارات التي ليست بحاجة إلى أن نذكر أنها من البلدان الأولى في فظائع التغييب القسري والسجون السرية وتعذيب المعارضين بأبشع الطرق، يبدو أن العامري أطلق المثال بها كنموذج "للنظام/المول" لا الدولة الأمة، والذي يُقدّم نفسه على أنه الأول في البناء والمولات الشاهقة، لكنّ وراء هذا البناء "الجميل" صرخات الذين لا تتحملهم أساسات العمارات والأبراج العالية وتتهاوى أمام ما هو مختلف عما يقوله الأمراء ومنهجهم في الحكم، ولهذا تجد إخفاء هذه الفظائع يتمّ عبر إطلاق هذه الأشياء الوهمية التي يتلاقفها أبناء مناطق الصراع في المنطقة من الذين اتفق العالم على عدم استقرارهم كما اتفق على استقرار الإمارات، على أنها إنجازات يحلمون بها في بلدانهم. حيث ينظر العامري وغيره للإمارات ما دامت بلادًا مستقرة وفيها بناء جميل، إذًا ما حاجة الناس إلى الكلام والاعتراض وطرح الرأي "السلبي" إزاء السلطة؟

اقرأ/ي أيضًا: قانون "الجرائم الإلكترونية" وفظائع الاختفاء القسري في الإمارات

الأمر ينطبق على البحرين أيضًا، حتى الآن لم تستطع الحكومة أن تتعامل مع البحرينيين في سياق الهوية الوطنية الواحدة وهناك تمييز واحد للجماعات المقربة من النظام والمبعدة عنه، ولا يزال من يتساءل: لم يخرج أهل البحرين في الاحتجاجات ولديهم النفط والأموال والبناء؟ وبالحقيقة كل مواطن في الدول العربية يعبّر عن حاجته، لكن حقيقة واحدة لا زالت غائبة، أن الناس مهما شبعت تبقى بحاجة إلى الديمقراطية، خاصة المجتمعات المتنوعة. فيما تطلق القوى السياسية العراقية ذات التساؤل: نحن نعمل على توفير الوظائف والأموال، لم تكونوا "سلبيين" معنا؟

منذ انطلاق احتجاجات البصرة في مطلع تموز/يوليو 2018 والجميع منزعج من "فيسبوك" ومواقع التواصل الاجتماعي والإفراط في استخدامها. كان خروج البصريين من الشباب مفاجأة لجميع القوى السياسية في العراق حيث خرجوا غير خاضعين للعرف السياسي الذي رسمه الغزو الأمريكي بعد 2003، تقسيم العراقيين إلى جماعات مكوناتية وطائفية في عملية ديمقراطية مشهدية ليس للقوى الوطنية والخارجة عن شوكة الجماعات بسلاحها وحدودها الطائفية المنفصلة مكان فيها.

شكّلت حالة البصرة وعيًا جديدًا كسر ما أرادت المحاصصة فرضه في ضمان الولاءات وكسبها لاستمرارية ما نستطيع أن نطلق عليه معركة توزيع ثروات الدولة على ممثلي الطوائف، كل حزب طائفي في عملية التوافق يريد أن ينال ما يعتبره إرثًا لا بدّ أن يكون من حصته لا حصّة غيره، وبالتالي تتدرج هذه الصراعات إلى أن تصل إلى حيازة النفوذ على هوية المؤسّسات التابعة إلى الدولة، من يسيطر على هذه المؤسسة ومن يقصى منها لتكون الهويات الطائفية ممرًا آمنًا للمؤسسات في الوظائف والمشاريع والسيطرة عليها، سواء كان في بغداد أو المحافظات التي يأخذ الجانب الحزبي الأكثر طريقًا للحصول على الامتيازات، كما في حالة البصرة مثالًا.  

شكّلت حالة البصرة وعيًا جديدًا كسر ما أرادت المحاصصة فرضه في ضمان الولاءات وكسبها لاستمرارية ما نستطيع أن نطلق عليه معركة توزيع ثروات الدولة على ممثلي الطوائف

تعتبر البصرة ومحافظات الجنوب موطن قواعد الأحزاب التي تتحكم بالدولة عن طريق المحاصصة، لكن حرق مقرّات هذه الأحزاب ذاتها بأيدي الشباب بالإضافة إلى القنصلية الإيرانية كان صدمة للقوى التي اعتبرت نفسها ـ خاصة بعد تحرير العراق من داعش ـ إنها حاكمة على الرقاب والقلوب ومشاعر التضامن المذهبي، ولا يمسها شيء. وبالرغم من أن المعركة في البصرة والمحافظات هي معركة حقوق، ولم يعد استنهاض الغبن التاريخي الطائفي يثير الناس لأسباب كثيرة لا تنتهي بالخدمات والاستقرار والأمن الشخصي، لكن "فيسبوك" كان جزءًا من عملية الاحتجاجات هذه، سواء في تضامن باقي المحافظات أو في حالة الامتداد التي أراد وقتها رئيس الوزراء أن يقطعها بحجب الإنترنت، لكنها بقيت واستمرت في محافظات "شيعية" كثيرة كان يراد لها أن تبقى في جبهة مقابلة للمحافظات السنية.

اقرأ/ي أيضًا: نشطاء الاحتجاجات المغيبون قسرًا.. لا خبر جاء ولا وحي نزل!

حالة تصاعد الدخان والحريق في مقرّات حزبية كانت تعتبر مقدسة وحاملة لراية الطائفة في المحافظة، ومحامية عن الناس من العدو الطائفي المفترض، شكلت قتلًا للمقدس وبدأ فيسبوك العراق يتفاعل معها في مشهد تضامني يطالب بالمزيد مع تصاعد حدة النقد الذي يبدأ من الأعلى إلى الأسفل لكل من أيّد وصنع وعمل في النظام السياسي العراقي.

لم تكن هذه المرة الأولى، لا يذكر في العراق، قبل "فيسبوك"، أن رمزًا دينيًا كبيرًا تعرض للنقد بشكل مباشر، إلى أن جاءت احتجاجات 2015 وبعدها 2018 بآثارها على الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي واعتاد الناس على أن يشاهدوا رموز الطوائف وهم في مشهد كاريكاتوري أو في بوست ساخر لمدوّن بسيط، الأمر الذي جعل برأينا كل القوى السياسية تراجع ما يحدث في فيسبوك بخلفيته التي ساهمت بإسقاط الأنظمة في ثورات الربيع العربي، ومن لم يراجع نفسه ويدع لتنظيم ما يطلقون عليه "فوضى فيسبوك والإعلام"، فيكتفي بمطالبة الناس بأن يكونوا إيجابيين لا يخرجون عن "دائرة الأمل".

في غمرة احتجاجات البصرة، وتحديدًا في آب/أغسطس 2018 انتقدت المرجعية الدينية العليا الاستخدام "المفرط والسيئ" لمواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة إياه "يهدّد الأمن المجتمعي"، فيما دعت إلى "ترشيد" استخدام هذه المواقع وفق الضوابط "الشرعية والأخلاقية". لم تنته هذه الدعوات من على منبر المرجعية الدينية في كربلاء، وخصصّت صلوات جمعة كثيرة للنصح بما يخص مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولة تشذيب ما يخرج عنه، ولا تعتبر هذه الدعوات بعيدًا عن النقد الذي وصل إلى المرجعية وإنها الأساس في الدستور وقيام هذا النظام السياسي الذي فشل في تقديم الخدمات والاستقرار إلى الناس، فضلًا عن بناء دولة مؤسسات رصينة أو بناء ديمقراطية راسخة عابرة للتنافس المكوناتي.

بدأت المطالب تتوالى منذ التظاهرات الغاضبة في الجنوب بأن يكون الإعلام إيجابيًا لا يهوّل من تراجع الخدمات ولا الحياة البائسة للمواطنين بالإضافة إلى السكوت عن "الرموز الوطنية والدينية"، الأمر الذي ترجمه الكتاب الذي تلقّته المؤسسات الصحفية في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، من هيئة الإعلام والاتصالات، والذي اعتبره الصحفيون بداية للتضييق على حرية الصحافة والرأي، إذ أوعزت الهيئة إلى كافة الوسائل الإعلامية بضرورة إيقاف أي إساءات تصدر بحق "الرموز الوطنية والدينية"، لافتة إلى أن "القنوات التي ستخالف القرار سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها".

اقرأ/ي أيضًا: قانون جرائم المعلوماتية.. لماذا يخاف السياسيون مواقع التواصل الاجتماعي؟

وإذا كان بالإمكان السيطرة على وسائل الإعلام لاعتبارها جزءًا من ملامح الأحزاب الحاكمة في نظام المحاصصة ويمكن التدخل من خلال شبكة التحالفات الموجودة داخل الحكومة العراقية وقيادة عملية ترقيع وتطبيع بين الناس والحكومة. وهو ما يفسر الدعم المبالغ به لحكومة عبد المهدي على الرغم من الإخفاقات التي رافقت حكومته منذ أشهر، وإنه كذلك أخفق في تطبيق بعض نقاط المنهاج الحكومي. لكن يبقى "فيسبوك"  هو التحدي الأكبر لعدم القدرة على السيطرة عليه وعلى ما يكتب فيه بالرغم من محاولات تأسيس الجيوش الإلكترونية وشراء بعض الأقلام والتوجهات لبث التفاؤل وعدم الإسراع في نقد التجربة الجديدة التي يرأسها عبد المهدي وبرهم صالح، إضافة إلى المحاولات الحثيثة للتقرب من ما يسمى "صنّاع الرأي" ومدوني مواقع التواصل الاجتماعي عسى أن يخفّف من وطأة ما يحصل فيها قبل مجيء الصيف وعودة تجربة البصرة "المريرة" بالنسبة لأقطاب النظام.

في أثناء مطالبة الإعلام بأن يكون إيجابيًا ويترك السلبية، شدّد العامري في لقائه مع تحالف سائرون مرة أخرى على ضرورة "تشريع قوانين تحمي الدولة والمجتمع"، وأطلق عليه وقتها "جرائم المعلومات". لم يمض وقت طويل حتى طرح في أروقة مجلس النواب قانون جرائم المعلوماتية، والذي تضمن نقاطًا عدة، أبرزها والتي نرى أنها ستكون مقدمة لقمع الرأي المخالف "غير الإيجابي"، منها "جرائم التزوير المعلوماتي، جريمة التعدي على الأديان والمذاهب ومخالفة النظام والآداب العامة، والجرائم الماسة بأمن الدولة، جريمة السب والقذف، جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة". وكل هذه نقاط فضفاضة بالإمكان أن تستثمر لصالح الأحزاب والجماعات غير الخاضعة للقانون في العراق والمسيطرة عليه، وربما يأتي اليوم الذي يكون فيه نقد "الجماعات المسلحة الطائفية" في العراق يؤدي إلى السجن لأنه اعتداء على الأديان والمذاهب بحسب قانون "جرائم المعلوماتية".
مشرعو هذا القانون ومن تحالفوا جميعًا على إسكات ما أسموه بـ"السلبية وبث اليأس"، هم بالواقع يرون أن الإيجابية في أن يكون الشباب ضمن الخيارات الكبرى للأحزاب "المحاصصاتية" وبناء الإقطاعيات الطائفية، وأن يتركوا الاحتجاجات والتظاهر للمطالبة بحقوقهم، وأن يخيّروا بين الانضمام إلى العسكر أو العسكر، وأن يقولوا من وسط البرك الآسنة نحن في مياه عذبة لا تعب فيها ولا ظمأ.

بدأت الإيجابية في العراق حين توجه الشباب نحو خيارات الحقوق والاحتجاج والنقد من مساحاتهم ونوافذهم في فيسبوك والإعلام إلى التظاهر تحت حرارة الشمس

ومن هذا المنطلق، نقول إن الإيجابية بدأت في العراق حين توجه الشباب نحو خيارات الحقوق والاحتجاج والنقد من مساحاتهم في فيسبوك والإعلام إلى التظاهر تحت حرارة الشمس، وإذا كانت هذه سلبية أو يأسًا، فكل شاب عراقي يجب أن لا يكون إيجابيًا إلى أن ينتزع حقوقه ويعيش شرف التغيير ورؤية النظام وهو يخضع للمطالب الأساسية للعيش الكريم وبناء الدولة الوطنية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قانون "جرائم المعلوماتية".. ما مصير حرية التعبير في العراق؟

"الجرائم المعلوماتية".. تساؤلات التوقيت والتحديات