إرث الاستبداد الثقيل

إرث الاستبداد الثقيل

الاستبداد نقيض للنقد والتقويم (فيسبوك)

وسط جماعات مضطربة ومأزومة تغيب فيها ثقافة النقد، فلا حلول لديها للحفاظ على بقائها سوى المزيد من الاستبداد. ذلك أن الاستبداد نقيض للنقد والتقويم، كما أنه لا يقبل بإعادة النظر في أدبياته القديمة. ولكي يحافظ على مكانته السحرية، لا بد أن تتمثّله الجماعات على شكل شخص أو منظومة أفكار لضمان امتدادها وديمومتها. ظاهرة الاستبداد تتفشى في ذهنية الفرد العراقي؛ فهو لا يطيق فكرة الاختلاف، ويحلو له التغني بها، لكنّه يجردها من كل مضمون في ممارسته اليومية. ويبدو أن إرث الديكتاتورية الثقيل لا زال راسخًا في الذاكرة العراقية. إذ لا تتغير سوى الأشكال التعبيرية، غير أن المضمون هو واحد.

لا زال شبح الاستبداد يخيّم على مجمل تواصلنا مع الآخرين، فنظرة سريعة على مواقع التواصل ستتضح هذه الحقيقة

الصفة الوحيدة التي نتفوق بها على الدوام هي أننا أعداء لبعضنا، ولدينا قدرة استثنائية على صنع العداوات؛ فأنت لمجرد أن تكون خارج قناعات الآخرين فستحل عليك اللعنة بكيفيات مختلفة! إن العالم الافتراضي، على سبيل المثال، يوضح بجلاء الكيفية التي تعمل بها أذهاننا المضطربة. توهمنا، مثلًا، إن العناوين البراقة قد تعصمنا من ظاهرة الاستبداد وتمنحنا حرية التفكير. قراءة الكتب الحداثية ما لم تساهم في عملية غربلة للفهم، أي تجري عملية تأويل جديدة للوعي، فينظر إلى الواقع من منظور مختلف وجديد، فهي لا تتعدى مكانة الأرشيف ومراكمة المعلومات. لكن ماذا يحدث؟ ما يحدث إن الخارطة النفسية لم تبارح مكانها القديم ولم يجري تخطيط جديد لاتجاهاتها! إذ لا زال شبح الاستبداد يخيّم على مجمل تواصلنا مع الآخرين، فنظرة سريعة على مواقع التواصل (التي هي انعكاس لما نفكر) ستتضح هذه الحقيقة.

اقرأ/ي أيضًا: الهوية والحرية

أما لماذا نستعين بمواقع التواصل الاجتماعي؟ لأنها تعبر، غالبًا، عن الأمنيات المكبوتة، وتسمح، بشكل وبآخر، للتفكير عن المسكوت عنه في الواقع الفعلي، وتوضح لنا بجلاء قوة ورسوخ الاستبداد الاجتماعي. لا وجود في هذه المواقع لذوي الفكر الحر، فسرعان ما تجتمع القطعان على تسقيطه وتسجيله في قاموسها الرجيم. لذلك يتجنب الكثير من الأفراد تلك المتاعب! ويضيق مساحة التواصل للمقربين لكي يكون بمأمن من تلك القطعان. وبالمناسبة؛ تتنوع القطعان هنا على اختلاف مشاربها، فكما ذكرنا أعلاه، أن القشرة السطحية للتفكير لامست بعض التغييرات، لكنّ البنية النفسية ظلت وفية لذلك التعقيد وهو نفي الآخر من سجلّها طالما يختلف معها في الفكر، فالاستبداد صديق حميم وقديم.

ليس بالضرورة أن نسلّط الضوء على الأفراد المثقفين ونحملهم مسؤولية أكبر من إمكانياتهم، لأنهم ليسوا فاعلين، ولا يتمتعون بحاضنة اجتماعية، ولا يخوضون غمار العمل الاجتماعي والسياسي، وقد اكتفوا بوظيفتهم الأكاديمية. وتاريخ العراق يؤشر لنا بوضوح، إن المثقف لا يمكنه الخروج من دائرة الحزب أو الطائفة، فهو إما مثقف حزبي أو قومي أو طائفي، وقد ازدادت هذه الأخيرة في عراق مابعد 2003. وللأنصاف لم يعد ذلك المثقف اليساري أو القومي الذي أنتجه هذا الحزب أو ذاك لكي نسقط عليهم خيباتنا، أو نتهمهم، على الأقل، بالمساهمة بترسيخ السلطة الاجتماعية والسياسية للاستبداد! إذ لم يتبقَ بشكل عام سوى المثقف الأكاديمي المهتم بمجموعاته الشعرية ورواياته وجمهوره الخاص.

 ثمّة كراهية غريزية، على ما يبدو، تجاه المثقفين، وتقابلها كراهية غريزية أيضًا تجاه المؤسسات والميل إلى الشخوص، بشهادة حنّا بطاطو، ساهمت، على ما يبدو، بترسيخ ثقافة الاستبداد التي تبجّل شيخ القبيلة ورجل الدين كنقطة مرجعية آمنة. والمطلع على واقعنا سيرى العجب العجاب.

 فالاستبداد يبدأ من العائلة ويمر بسلوك الجماعات،  وينتهي بالسلطة السياسية التي ربما تتخذ من الديمقراطية آلية للحكم! هذا الاستبداد العزيز على قلوبنا يزودنا دومًا بإرث ثقافي غزير (عادات وتقاليد ولغة مشبعة بالعنف) ويشيّد لنا بنية تحتية صلبة لنفي المختلف. أما دعوات الحرية والاعتراف بالآخر التي نسمعها بين الحين والآخر، فهي ليست سوى زورق تائه في عرض المحيط.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في العدمية السياسية

آلام وتحديات الواقع