احتجاجات العراق.. بين عناصر الأمن والواقع الصحي

احتجاجات العراق.. بين عناصر الأمن والواقع الصحي

استخدمت القوات الأمنية مؤخرًا ضد المتظاهرين ذخيرة محرمة دوليًا (Getty)

في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، اندلعت تظاهرات كبرى في بغداد وبقية محافظات جنوب العراق احتجاجًا على تردّي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة وأسباب أخرى. لم تكن هذه التظاهرات هي الأولى من نوعها، إذ إنه في السنوات السابقة خرج الناس مرات عديدة للمطالبة بتحسين الواقع الخدمي، ومحاربة الفساد الذي قد وصل ذروته، إلا أن الحكومة العراقية قد فضلت في السابق إحداث تغييرات شكلية لمجاراة الوضع وتهدئته بإصلاحات لا تشتبك مع الأزمات الحقيقية. 

التصريحات المُستفزة للسياسيين العراقيين وكلمة عبد المهدي بداية الاحتجاجات مع إنكار الوضع الرافض للنظام السياسي الحالي قد ساهمت بتأجيج الشارع العراقي

إن خروج الناس للتظاهرات ليس أمرًا جديدًا، وتجاهل الحكومة العراقية لتلك المطالب ليس جديدًا أيضًا، لكن التغيير الذي طرأ على الاحتجاجات العراقية، والذي أدى إلى تدويلها يمكن إدراجه تحت أربعة مسببات: 

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة تشرين.. جيل اليوم في مواجهة النظام الطائفي

  • أولًا: استخدام الحكومة العراقية برئاسة عبد المهدي العنف المفرط إزاء التظاهرات، واستخدام عناصر مكافحة الشغب -كما هو معلن- أدوات أخرى للقتل مثل توظيف قنابل الغار المسيل للدموع في التصويب على المتظاهرين في منطقة الرأس.
  • ثانيًا: قطع الإنترنت بشكل نهائي لمدة 12 يومًا، ثم عودته بشكل جزئي ضمن أوقات الدوام الرسمية للمؤسسات، مع عودته في وقت لاحق وحجب مواقع التواصل الاجتماعي.
  • ثالثًا: التصريحات المُستفزة للسياسيين العراقيين وإلقاء رئيس الحكومة العراقية المستقيل عادل عبد المهدي لكلمات قد ساهمت بتأجيج الشارع العراقي، مع محاولات مستمرة لإنكار خطورة الوضع الرافض للنظام السياسي الحالي من قبل العديد من الشخصيات السياسية العراقية.
  • رابعًا: بدء حملة الاعتقالات والتصفيات لناشطين في التظاهرات التي تشهدها البلاد في 9 محافظات عراقية، مع وجود رصد لأولئك الذين يخرجون من ساحات الاحتجاج، إما لاختطافهم أو لاغتيالهم. ففي الأسبوع الأول فقط كانت إحصائية الشهداء 50، فيما وصل عدد الإصابات الكلّي إلى 1943، بينما كان عدد المعتقلين 454.  

إن المطالب الأساسية التي انتهت بها التظاهرات بعد ارتفاع عدد الضحايا، هي استقالة عادل عبد المهدي، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة. وندّد المتظاهرون أيضًا بالتدخل الإيراني في العراق، وحرق العديد منهم علم الجمهورية الإسلامية تعبيرًا عن رفضهم، وتعتبر هذه الاضطرابات هي الأكثر فتكًا في العراق منذ انتهاء الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، في كانون الأول/ديسمبر 2017. وتأجلت التظاهرات لفترة لأجل مراسيم الزيارة الأربعينية للإمام الحسين، ثم تجدّدت في 25 تشرين الأول/أكتوبر.

الأحداث الأكثر دموية

طوال الشهرين الماضيين، كل يوم كان يسقط عدد من الجرحى والقتلى، وشهدت المحافظات العراقية حوادث اختطاف شبه يومية للنشطاء والأفراد الذين خرجوا إلى ساحات الاحتجاج، إلا أن حرق القنصلية الإيرانية يوم 27 تشرين الثاني/نوفمبر في محافظة النجف قد أسفر عنه عشرات القتلى والجرحى، وكانت هذه أكثر أيام الاحتجاجات دموية، أما الحادثة التي جرت فيها (مجزرة الناصرية) في 28 تشرين الثاني/نوفمبر فكان الأكثر دموية بحق المتظاهرين، وأدى إلى إعلان رئيس الوزراء العراقي نيته تقديم استقالته، فيما شّنت قوات أمنية مستقدمة من خارج محافظة ذي قار العراقية، هجومًا على المعتصمين قرب "جسر الزيتون" وسط مدينة الناصرية؛ ما أوقع 32 قتيلًا وأكثر من 220 جريحًا.

استقالة عبد المهدي لا تكفي

بعد ضغط الشارع، وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر قدّم عادل عبد المهدي استقالته من رئاسة مجلس الوزراء استجابة لطلب المرجعية العليا في النجف، وتمهيدًا لإجراء إصلاحات جديدة تعمل على تهدئة الأوضاع في البلاد، إلا أن المتظاهرين والنشطاء قد عبّروا عن رفضهم الاكتفاء بتقديم الاستقالة، معتبرين أنها أولى خطوات السير لتحقيق مطالبهم، حيث استمر الإضراب الطلابي -وإن كان غير منتظم- من قبل طلاب الجامعات في عدد من المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية، رافقتها وقفات تأييد من قبل طلبة الجامعات في محافظة الأنبار والموصل، مع استمرار خشية الطلبة في تلك المحافظات من الالتحاق بالمد الاحتجاجي لسهولة إيذائهم من قبل السلطات الأمنية، ولكون المحافظات، قد أعادت منذ فترة قصيرة استقرارها النسبي، وعادت مزاولة الحياة الطبيعية فيها، في الوقت الذي يطالب فيه المتظاهرون بتغيير نظام الانتخابات، والتخلّص من الأحزاب الحالية نهائيًا، وبالرغم من أن هذه المطالب عامة، إلا أنها تعبر عن عدم رضا المواطنين على عودة الأوضاع بأيدي الشخصيات السياسية التي حكمت البلاد طوال 16 عامًا.

القوات الأمنية: عنف غير مسبوق

يعتبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/169 الصادر في 17 كانون الأول/ديسمبر 1979 المبدأ الأهم، والذي جاء إقراره بمثابة مدونة لقواعد وسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين (الشرطة). إذ تلتزم قوات الأمن بالقواعد المذكورة، إزاء التعامل مع الاحتجاجات والتصادم المباشر مع المدنيين، وفي كل الحروب الحديثة، وضعت للمقاتلين في أغلب جيوش العالم مبادئ وأسس، وأخلاقيات متعارف عليها، أطلقوا عليها (قواعد الاشتباك)، لكي يكون بمقدور من يخوض الحرب أن يحقّق النصر على الأعداء بأقل الخسائر، وأكثرها سرعة في الحسم، وفي إرغام الآخر على الاعتراف بالهزيمة، ووفق معايير لا ينبغي تجاوزها.

منتسبو القوات الأمنية تحولوا في التظاهرات من حماة للدولة وللوطن إلى حماة للنظام السياسي

إن استخدام قواعد الاشتباك من قبل القوات الأمنية يعتبر أمرًا طبيعيًا، لكن استخدامها ضد المتظاهرين العزل طوال الشهرين الماضيين، قد أدى إلى الاعتراف بأن القوات الأمنية تقف أمام (عدو خارج عن القانون)، إذ أدت المواجهات بين المتظاهرين والقوات الأمنية الى تأجيج الصراع، وتحويل المنتسبين الأمنيين من حماة للوطن إلى -حماة للنظام السياسي كما أطلق عليهم النشطاء، على الرغم من حرص مديرية حقوق الإنسان التابعة لوزارة الداخلية على تدريب أكبر عدد من الضباط على مناهج (التفكير قبل كبس الزناد) إلا أن ذلك لم يعد كافيًا في ظل المادة (78)، فمع تشكيل (قوات حفظ القانون) في الأسبوع الثاني من التظاهرات لم تستطع هذه القوات، والتي وجدت لحماية المتظاهرين، الحيلولة دون استخدام العنف ضدهم من أن تمنع قوات مكافحة الشغب في بغداد، والقوات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية في باقي المحافظات من استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين بأوامر مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة، بل وتعمدت قتلهم في أغلب الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: إحاطة أممية مخضبة بدماء 20 ألف متظاهر.. العالم ينصت إلى صوت شبان العراق

إن عدم دراية المنسب الأمني الذي يخدم داخل حدود البلاد ويواجه أمرًا شائعًا مثل التظاهرات، والتي توجد في جميع دول العالم وأمام أي نظام سياسي بمبادئ حقوق الإنسان، وكيفية التعامل مع المواطنين الذين يمارسون جمعًا من الحريات في آن واحد قد تعتبر كارثة، بل وفضيحة تطال الواقع الذي يعيشه المنتسب داخل العراق. إن مرور العراق بأوضاع مصيرية طوال السنوات السابقة، قد أفقد رجل الأمن التزامه بتلك المبادئ، حيث اضطر لمراتٍ عديدة إلى استخدام التفويض في عمليات الإعدام خارج إطار القانون، وإلقاء القبض دون مذكرات رسمية، وكانت المداهمات التي تحصل إبان سيطرة تنظيم "داعش" على الأراضي العراقية في أوضاع استثنائية قد أُجبر فيها رجل الأمن على التعامل مع المواقف في الميدان دون الرجوع لأخذ الإذن المسبق، والأمر ذاته، قد حصل في التظاهرات، فبحسب الفيدوهات التي تم نشرها، أطلق النار على المتظاهرين بصورة مباشرة، واستخدمت القنابل المسيلة للدموع للقتل المباشر واخترقت رؤوس الضحايا. كل ذلك يدل على أن القوات الأمنية العراقية على استعداد تام لتوظيف أي نوع سلاح تحمله للقتل لا للتفريق أو إبعاد الناس فحسب.

ومن أولى الخطوات التي يفترض أن تبت بها الحكومة العراقية هي تعزيز التزام رجل الأمن المكلف بمبادئ حقوق الإنسان، منها عدم الاعتداء على المواطنين السلميين، وعدم استخدام صلاحياتهم وأسلحتهم في المواقف التي لا يُعتبر وجود جمع من الناس فيها تهديدًا للقوات الأمنية، وحقيقةً أن الالتزام بقواعد الاشتباك، أو بحقوق الإنسان، قد يحتاج إلى وقت طويل وجهد حثيث لكنه أصبح ضرورة قصوى.

وزارة الصحة.. المُصاب متوفى لا محال

على خلفية الاحتجاجات الحالية، كانت المطالب في السابق تتمحور حول تحسين واقع الخدمات، من خلال وجود مستشفيات صالحة للاستخدام البشري، ومياه نظيفة، وطاقة كهربائية وسط المطالب المختلفة في الماضي. بخصوص الفساد المتجذِر في وزارة الصحة العراقية، أُهلك المواطنون في مناشدة المسؤولين بإيجاد حلّ لما يعدّونه "كارثة"، في إشارة إلى الواقع الصحي المتردّي، ويدور الحديث في العراق، منذ سنوات، حول القطاع الصحي في البلاد وحول الفساد الذي ينخره والذي بدا واضحًا أخيرًا. ولعلّ الدليل على ذلك المرضى الذين تتدهور أحوالهم، والمستشفيات التي تهالكت بناها التحتية، وعدد المواطنين الذين يسافرون لتلقّي العلاج على حسابهم الخاص في دول مختلفة مثل إيران وتركيا والأردن ولبنان.

إن الإصابات التي أنتجتها الاحتجاجات الحالية، قد كشفت الواقع الصحي الذي يتراوح بين عدم وجود طاقة استيعابية في المستشفيات الرئيسية داخل المدن، وبين قلّة كفاءة الكوادر الطبية وعدم امتلاكها خبرة كافية في إنقاذ المصابين، وهذا ما تصرح به الكوادر الطبية، والتي تقول إن "الإصابات التي كانت في منطقة الرأس أدت إلى وفاة مباشرة، لكن ثمة إصابات قد استطاعت الوصول إلى المستشفى مثل حالات الاختناق والجروح في مناطق مثل الساق أو الكتف كان بالإمكان الحفاظ على حياة المصاب فيها، إلا أن أتباع الـ"old school" وتولي الأطباء الجدد مهمة إدارة ردهة الطوارئ، إضافة إلى زخم صالات العمليات، قد أسفر عن وفاة من كان بالإمكان إنقاذهم"، فيما يرجح أن 70 بالمئة من المصابين الذين لقوا حتفهم كان بالإمكان إنقاذهم فيما لو تم إيصالهم بصورة أسرع للمستشفيات، أو اتباع طرق حديثة للإنقاذ بالأخص منها حالات الاختناق. إضافة إلى العثور على حالات قد أُدخلت ثلاجة الموتى قبل إنقاذها من قبل بعض الأطباء الذين أصبحوا يتأكدون مرة أخرى من أن الملقى في الثلاجة متوفى وليس مصابًا.

تراجع الواقع الصحي من الملفات التي ساهمت في تأجيج الشارع العراقي، ويوضح عدم الاهتمام بحياة المصابين في الاحتجاجات الأخيرة حجم الفساد الذي وصل إليه

إِن سوء الواقع الصحي من أبرز الملفات التي ساهمت في تأجيج الشارع العراقي، وعدم الاهتمام بوجود مستشفيات مناسبة قد أدى إلى فشل الحفاظ على حياة المصابين في الاحتجاجات الأخيرة. نقص الكفاءة الطبية، وعدم وجود أجهزة حديثة وطرق متقدمة للعلاج، إضافة إلى نقص الأدوية، ينذر بكوارث أخرى سيّدها الفساد الذي كان من العوامل الرئيسية في خروج الناس إلى الشوارع ووقوفهم أمام السلطة التي واجهتهم بشتى وسائل القمع. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تزوير شهادات وفاة ضحايا الاحتجاجات.. السلطة تستعين بـ"الملائكة"!

قتل "السلميين" في الظلام.. عتاد "المذّنب" من "داعش" إلى ساحات الاحتجاج