استراتيجية العلاقات المائية بين تركيا والعراق

استراتيجية العلاقات المائية بين تركيا والعراق

تتأثر السياسة المائية التركية تجاه العراق من خلال أبعاد داخلية وخارجية وإستراتيجيات إقليمية (Getty)

على الرغم من أن كوكب الأرض يطفح أو غني بالماء المالح الذي يغطي حوالي (70) من مساحة سطح الأرض، فإن المخزون العالمي من الماء العذب محدود نسبيًا وبشكل تقريبًا (3%) من إجمالي مخزون الماء في العالم، أي (97%) هو البحار والمحيطات. إن ثلثي الماء العذب محبوس في الأنهار الجليدية والطبقات الصخرية العميقة تحت سطح الأرض، ونتيجة لذلك، فأن حوالي أقل من (01%) من مخزون الماء العذب هو متاح أو متوفر للبشر!

تركيا، باعتبارها البلد الذي تتدفق من أراضيه مياه دجلة والفرات، تقر لنفسها بالسيادة المطلقة على تلك المياه

ومع زيادة عدد سكان الأرض بشكل مستمر، ظهر بأن النصيب العالمي للفرد من المياه يتناقص سنة بعد أخرى، وهناك ندرة خطيرة في المياه، وبالنسبة للدول العربية، فأنها تواجه مشكلة حقيقية وكبيرة، إذ أن أغلب مصادر مياهها تنبع من أراضي غير عربية مثل دجلة والفرات من تركيا، أو نهر النيل من أثيوبيا، فيما يخضع نهر الأردن ومنابعه لسيطرة "إسرائيل".

اقرأ/ي أيضًا: سباق تركيا وإيران على مياه العراق.. عطش الرافدين على الأبواب!

إن نهري دجلة والفرات أنهار عابرة للحدود، ودولية، وينبعان من جبال تركيا الشرقية، ويلتقي كلاهما في شط العرب الذي يسير نحو مصبه في الخليج العربي. يبلغ طول نهر دجلة من منبعه إلى مصبه حوالي (1900) كيلو مترًا، ويدخل الحدود العراقية عند (قرية فيشخابور) أما نهر الفرات، يبلغ طوله حوالي (2940) كيلو مترًا، ويدخل الأراضي العراقية عند مدينة القائم في محافظة الأنبار .

أن تركيا، باعتبارها البلد الذي تتدفق من أراضيه المياه، تقر لنفسها السيادة المطلقة على تلك المياه، وترفض ادعاء جيرانها بشأن الحق في المياه، مدعية أنه مثلما الموارد النفطية لأي بلد من حق ذلك البلد، فأن موارد المياه التي تنبع منها هي ملكها، وهنا ظهرت فكرة (المياه مقابل النفط) إذ أكد فاتح يلدز السفير التركي في العراق في تصريحات صحفية، أن "إمكانية توفير العراق النفط لتركيا في مقابل الحصول على المياه، هو نهج واقعي للغاية، سينعكس إيجابًا على السياسة المائية للبلدين وتطوير تبادل المنفعة بين أنقرة وبغداد". لكن من الناحية القانونية الدولية، فأن النهرين يتمتعان بالصفة الدولية، وذلك حسب قواعد هلسنكي لاستخدام المياه والأنهار الدولية لعام (1966) وكذلك حسب اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية والدولية للأغراض غير الملاحية لعام (1997).

انشأت تركيا العديد من السدود على نهري دجلة والفرات دون الاتفاق مع دول المصب، أول هذه السدود سد كيبان عام (1974) وأكبرها سد أتاتورك عام (1992) ومشروع الكاب GAP ، الذي يتكون  من 23 سدًا، ومن أهم سدوده سد (اليسو) الذي افتتح عام 2018، والذي عمل على تخفيض مياه دجلة القادمة من تركيا من (17) مليار متر مكعب إلى (13) مليار متر مكعب، وستنخفض مياه الفرات القادمة إلى سوريا والعراق من (32) إلى (11) مليار متر مكعب، وفي ظل هذه السياسة التركية، فأن العراق يعاني من نقص مائي كبير، لا سيما أنها ألحقت الضرر الكبير على الأراضي الزراعية العراقية، وجففت الأهوار، واثرت على الأمن الغذائي العراقي، وتهدد بكارثة كبيرة في حال استمرارها دون رادع حقيقي.

وتتأثر السياسة المائية التركية تجاه العراق من خلال أبعاد داخلية وخارجية وإستراتيجيات إقليمية، ولعل من أهم هذه الأبعاد، مشاكل الحدود السياسية بين تركيا والعراق (قضية الموصل)  ومشكلة الكرد، وحقوق التركمان، وهي كما يلي: 

  • قضية الموصل، هي أزمة دبلوماسية نشبت بين المملكة العراقية وجمهورية تركيا بعد الحرب العالمية الأولى حول مصير ولاية الموصل، كانت ولاية الموصل جزءًا من الدولة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما احتلت من قبل بريطانيا. وبعد حرب الاستقلال التركية، تعُد تركيا الجديدة الموصل واحدة من القضايا الحاسمة المحددة في الميثاق الوطني، ومن أجل التوصل إلى قرار بشأن النزاعات المتضاربة لأحقية الموصل، أرسلت عصبة الأمم لجنة من أجل تحديد صاحب الحق، وأصدرت اللجنة قرارها بأن تركيا ليس لديها الحق بالمطالبة بالموصل وأنها تنتمي إلى البريطانيين، وليس لأي أحد آخر في المنطقة الحق للمطالبة بها، وعيّن مجلس عصبة الأمم لجنة تحقيق والتي أوصت بأن تعود ملكية الموصل إلى العراق، فأُجبرت تركيا على قبول القرار من خلال التوقيع على معاهدة الحدود مع الحكومة العراقية في عام 1926، لكن الأطماع التركية في مدينة الموصل لا تزال موجودة، وتعتقد بأن الموصل هي مدينة تابعة إلى تركيا، ويجب انضمامها إلى الأراضي التركية في الوقت المناسب. علمًا أن في الميزانية المالية السنوية في تركيا تخصص ليرة واحدة تركية وتوضع في الخزينة التركية (شيء رمزي) إلى مدينة الموصل باعتبارها مدينة تركية، ويربط الأتراك قضية المياه بين البلدين بأحقيتهم في مدينة الموصل، كذلك فأن الأطماع التركية في العراق لا تقف عند هذا الحد خاصة في عهد الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) الذي يسعى إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، إذ يطلق الأتراك على الخليج العربي (خليج البصرة) وهي إشارة إلى ولاية البصرة في العهد العثماني بعيدًا عن المسميات العربية والفارسية.
  • مشكلة الكرد: تعد المشكلة الكردية إحدى المشكلات المعقدة في الشرق الأوسط، لأسباب جغرافية تتعلق بتوزيع الكرد بين أربع دول في المنطقة، العراق وتركيا وإيران وسوريا، وإن حزب العمال الكردستاني (k. k. p ) الذي خاض حربًا دموية ضد الدولة التركية منذ 1984، حتى خريف 1996، كبدته خسائر مالية وبشرية، وكلفت الخزينة التركية مليارات الدولار، وأكثر من ثلاثين ألف قتيل من الجانبين، في حين أن استخدام تركيا للمياه سلاحًا ضد العراق لحسم الملفات السياسية العالقة، ومن أهمها مشكلة الكرد، والتي تتحمل نتائجها السلبية 15 محافظة عراقية هذا أمر غير صحيح، ويجب على الحكومة العراقية الحفاظ على حقوق العراق المائية من خلال التوزيع العادل والمنصف لمياه حوض دجلة والفرات، وعبر الوسائل الدبلوماسية أولًا، وتحت ذريعة مواجهة حزب العمال الكردستاني، إذ تنتهك تركيا سيادة العراق باستمرار وتقصف مناطق شمال العراق كان آخرها في حزيران/يونيو 2020، علمًا أن هناك العديد من القواعد العسكرية التركية في شمال العراق والتي تضم آلاف الجنود الأتراك .
  • حقوق التركمان: عدت تركيا التركمان الموجودين في العراق جزءًا من الأمة التركية تمتد ديارهم من مدينة تلعفر في أقصى الشمال مرورًا بالموصل وكركوك، قضاء داقوق وطوز وكفري، وعدد من أقضية محافظة ديالى وصولًا إلى مندلي جنوبًا، وتعمل تركيا على تقديم الدعم لتركمان العراق ضمن أواصر الروابط القومية والتاريخية، إلا أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة أن يكون تركمان العراق جزءًا من السياسة التركية في العراق، ولكن تسعى تركيا إلى ذلك.

وأخيرًا، يجب على الحكومة العراقية تأمين حصول العراق على مورده المائي من نهري دجلة والفرات، من خلال تشكيل فريق من الخبراء والمتخصصين في المفاوضات وتوحيد الرؤية تجاه ذلك، لا سيما تفعيل جانب التبادل الاقتصادي بما يخدم مصالح العراق المائية، واتباع مسار محكمة العدل الدولية، إذ أن  للعراق الحق أن يعرض قضاياه المصيرية على هذه المحكمة إذا ما علمنا أنها تهدد الأمن الإنساني لديه، والتي سوف تصبح قضية عالمية، فضلًا عن تهديدها السلم والأمن الدوليين، والذي يعد من أهم أهداف الأمم المتحدة التي قامت على أساسها، بل تصدرت أهدافها، فأن للعراق حقوق مائية مغتصبة لدى الجانب التركي.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

غبن الجغرافية العراقية

العراق وسوريا.. لعنات الإمبراطوريات الأبدية