29-ديسمبر-2021

المسيحيون يقولون بأن الله واحد وليس متعددًا (فيسبوك)

نشرتُ قبل أيام تهنئة على "فيسبوك" موجَّهة إلى المسيحيين بمناسبة أعيادهم، ومن أجل أن تكون التهنئة بِلُغَة المُحْتَفلين بالأعياد ذكرت الأقانيم الثلاثة في متنها. لكن فاجأني بل وأدهشني حجم الكراهية الذي انهال عليَّ في الردود، ففضلاً عن اتهامي بالشرك، وهو اتهام مقبول لأنه ناشئ عن سوء فهم، كانت هناك حفلة شتائم تنمُّ عن احتقان مَرَضيّ. وما لفت نظري بهذه الحفلة هو الدفاع عن الدين باستعمال الشتيمة، وبألفاظ نابية ومخجلة لا يستعملها في الفضاء العام من يمتلك ولو مستوى أدنى من الأخلاق.

المسيحيون يقولون بأن الله واحد وليس متعددًا وأن القول بالثالوث لا يتعارض مع التوحيد

من جانب آخر، هناك من نصحني، بتغيير التهنئة، وهناك من اعترض عليها بأسلوب مهذب ومُقنع، وهناك حتّى من عبَّر عن خيبته، لاعتقاده بأنني غيَّرت قناعاتي. وكل ذلك مقبول عندي ومحل احترام، لكن غير المقبول أن يُدافع عن الدين من لم ينجح الدين في تأديبه والرقي بأخلاقه، فمن الواضح بأنه أبعد مني ومن أمثالي عن دينه بمسافات كثيرة جدًا، أو هو على الأقل بعيد عن الهدف الأسمى الذي ثبَّته رسول الإسلام، وهو إتمام مكارم الأخلاق.

اقرأ/ي أيضًا: ما بين قدسيتين

على كل حال لست بمعرض كتابة محاضرة أخلاقيّة، بل بمعرض المساهمة برفع بعض سوء الفهم والالتباس في صورة الديانة المسيحية لدى شريحة واسعة ممن اهتمّوا بالتهنئة وتفاعلوا معها، ولذلك أجد لزامًا علي إيضاح التالي:

  • أولاً: أنا شخصيًا أؤمن بأن وراء الوجود مُبدع، وهذا المبدع يجب أن يكون واحدًا وليس متعددًا، وإلا لا يكون مطلقًا بمقدار كاف ليجعله مُبدع هذا الوجود العظيم.
  • ثانيًا: المنطق الذي يعتقد بأن مجرد كتابتي عبارة: "مساء الآب والأبن والروح القدس" يجعلني مشركًا، هذا منطق سطحي مُخجل ولا يعرف شيئًا عن مفهوم الإيمان وضروراته ولوازمه. وإلا فهل يتحول إلى الإسلام كل مسيحي أو صابئي أو إيزيدي يردد، على سبيل المجاملة، سورة الفاتحة في مجالس العزاء التي يقيمها المسلمون؟ رغم أن الفاتحة نصًّا دينيًّا مقدّسًا، وهي أكثر مساسًا بالإيمان من تهنئتي العابرة؟
  • ثالثًا: الاعتقاد بأن المسيحيين الذين يؤمنون بالأقانيم الثلاثة مشركون، اعتقاد غير صحيح، فمن يؤمن بالأقانيم الثلاثة ليس مشركًا بالضرورة، أما كيف نعرف ذلك، فعلينا أن نسأله؛ ماذا تقصد بهذه الأقانيم، ثمَّ نعتمد تفسيره هو في تقييم إيمانه. ولا نفرض عليه تفسيرنا الخاص. الأمر يشبه الاعتقاد الخاطئ عن الشيعة بأنهم يعبدون الأئمة لمجرَّد طوافهم حول الأضرحة أو استقبالهم قبور الأئمّة أثناء الصلاة في مزاراتهم أو التوسط بهم في الدعاء. وهذا الاعتقاد خاطئ لأنه مفروض على الشيعة، ولو أننا سألنا أي شيعي يمارس هذه الطقوس، إن كان يعتقد بأن أيًا من الأئمة إله؟ لأنكر بلا تردد، ولأكّد سريعًا بأنه يعتقد ببشريَّتهم وأنهم كسائر الناس يجري عليهم ما يجري على غيرهم. لكنه يطوف حول مزاراتهم طلبًا لمرضاة الله. والسؤال الآن، هل نعتمد تفسير الشيعي لإيمانه، أم نعتمد التفسير المفروض عليه في أنه مشرك بالله ويعبد الأئمة ولذلك يجوز، بل يجب قتله؟ وهو الاعتقاد الذي أباح نشر المفخخات في أسواق العراق وشوارعه طوال أكثر من عقد؟

المسيحيون يقولون بأن الله واحد وليس متعددًا، وأن القول بالثالوث لا يتعارض مع التوحيد، وأسهل تفسير، بالمثال، وجدته متداولاً هو قولهم بأن الشمس واحدة لكن فيها نار ونور وحرارة، النار غير النور، غير الحرارة، لكن الشمس تبقى واحدة، والأناجيل فيها نصوص تؤكد وحدانية الله. إذًا، المسيحيون ليسوا مشركين لمجرد إيمانهم بالثالوث، ولا أنا أتحول إلى مشرك فقط لأنني استعملت، على سبيل المجاملة، أسماء الأقانيم في التهنئة.

  • رابعًا: من أبشع ما لمسته في البعض القليل من الردود، هو نبرة التعالي التي استُعملت في الحكم على عقائد الناس، ومن المعروف أن هذه النبرة كثيرًا ما تُستعمل من قبل بعض ممن لا يحسنون كتابة أسمائهم، ولا يُحسنون قراءة كتابهم المقدس وفهمه، لكنهم مع ذلك يجلسون باسترخاء وتعالٍ ويحكمون على الآخرين بالشرك أو بالخروج من الدين أو بكل ما يحلوا لهم ويطيب. التعالي يجعلهم يعتقدون بأن دينهم فقط مبني على أسس منطقيَّة مُقنعة، أما أديان وعقائد بقيّة الناس فمجرد آراء سطحيَّة.. وإلى هؤلاء أقول بأن الكثير ممن تعتقدون بأنهم سطحيون لأنهم يؤمنون بالثالوث يعضدون إيمانهم هذا بالقرآن الكريم، تحديداً بالآية القرآنية التي تقول: (إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، حيث أنهم يعتبرون أن في إقرار الآية بأن المسيح روح من الله وكلمة منه، ما يكفي لإثبات خلود يسوع وأزليته.

حيث أن روح الله ليست فانية، كما أن كلمته لا يمكن أن تكون مخلوقة. فإذا أضفنا هذا إلى تأكيد القرآن أن مريم عذراء وأن المسيح لم يولد لأب بشري وأنه لم يُصلب أي أنه لم يمت. يصبح الرأي القرآني لا يبتعد كثيرًا عن الرأي السائد لديهم. فصحيح أن الآية تنفي الشرك، وتنفي التثليث، لكنها تؤكد أن المسيح ليس كسائر البشر، وهذا – والكلام لمن يؤمنون بالأقانيم - ما نقوله نحن، فالقرآن وبعد تأكيده عذرية مريم، وأن المسيح روح نزل بها جبرئيل من السماء. يؤكد بأن يسوع، إن لم يكن ربًّا فهو ليس ببشر، أو هو ليس كسائر البشر.

الآن أعود إلى الذين اتهموني بأنني مشرك وأنني أصبحت مسيحيًّا أكثر من المسيحيين أنفسهم، وأقول لهم: هناك مسيحيون يؤمنون بأن المسيح بشر، وهو مولود مثل بقية البشر وأنه صُلب ومات وأن أبوه هو يوسف النجار وأن مريم ليست عذراء – وكل هذه الأقوال تُثبتها بعض الأناجيل بالمناسبة – فهل تقبلون منهم ذلك؟ طبعًا لا، ففي هذه الحالة هل يصح اتهامكم بأنكم مشركون أو أنكم ملكيون أكثر من الملك؟

حاولوا قراءة القرآن وتثقيف أنفسكم بشؤون دينكم، ولو بمستوى بسيط، قبل اتهام الآخرين بالشرك أو بتغيير العقيدة، وتذكروا بأن القرآن أكَّد كثيرًا على القراءة والتدبّر والتفكّر والتروّي والورع، فضلاً عن تأكيده على ضرورة استعمال الحكمة والموعظة الحسنة في الدفاع عن الدين أو الدعوة إليه.

 

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التلوّث النفسي في بيئة الإسلام السياسي

عن الاستعمار والاستقلال.. محاولة لفكّ الالتباس