الأهزوجة العراقية.. من

الأهزوجة العراقية.. من "التراث" إلى بورصة المال والسياسة!

تستخدم الأحزاب السياسية "المهاويل" كجزء من دعايتها الانتخابية والحزبية (فيسبوك)

ألترا عراق ـ فريق التحرير

تعمل الشعوب دائمًا للحفاظ على هويتها التراثية من خلال إحيائها بسياق الاحتفاء والتخليد ضمن أطر المناسبات المتكررة، فيما يحتاج التراث جردة حساب دقيقة لـ"فلترة" الفعاليات التراثية من غيرها، وتطول قائمة التراث العراقي نظرًا لتنوعه واختلاف ثقافاته الداخلية، فضلًا عن المتغيرات في تاريخه الاجتماعي والسياسي، ودائمًا ما يتم استحداث الكثير من النشاطات الغريبة وتسويقها على أنها جزء من التراث، بالإضافة إلى "تهجين" بعضها وتبويبها تراثًا.

الأهزوجة الجماعية في جنوب العراق لها علاقة بسكان العراق الأصليين من القدامى السومريين، فقد كانت احتفالاتهم جماعية ويردد الناس جميعًا أهازيج يحفظونها

وواحدة من دلالات التراث العراقي الأهزوجة الشعبية أو ما يسمى عاميًا "الهوسة"، وتأتي كأبيات شعر شعبي تثير الحماسة والفخر أو الشجن والحزن، ويُخصّص جزء كبير منها للرجال، ولها مراسمها الخاصة، إذ يتجمع الناس حول صاحب الهوسة أو الأهزوجة "المهوال"، الذي يبدأ ببيت أو بيتين من الشعر الشعبي، ومن ثم يكرر الشطر الأخير من الأهزوجة ثلاث مرات، قبل أن تنطلق "الردسة"، والأخيرة هي رقصة بحركات سريعة يؤديها الرجال، فيضربون أقدامهم بقوة بالأرض ويقفزون بسرعة مع تحريك أيديهم فوق رؤوسهم، وهذه الرقصة الخاصة تختلف بحسب المحافظات، فجنوب العراق يختلف عن الوسط أو عن محافظات الفرات الأوسط، وتأتي متناغمة مع الأهازيج التي تردّد، وذلك في مساحة دائرية تعرف بـ"الميدان"، ويعود جذرها إلى أيام الجاهلية لكن في مواضع وبناء فني مختلف، فكان يرتجز المقاتلين الفرادى في الحرب بالإضافة إلى المفاخرة بالنسب والقبيلة.

جذور سومرية

ويقول المختص بتاريخ الحضارات العراقية القديمة احمد البزوني، إن "الأهزوجة الجماعية في جنوب العراق، التي ما تزال حاضرة في كل حفل أو معركة، لها جذور ممتدة إلى حدود أطول من ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، إنما لها علاقة بسكان العراق الأصليين من القدامى السومريين، فقد كانت احتفالاتهم جماعية ويردد الناس جميعًا أهازيج يحفظونها".

اقرأ/ي أيضًا: كيف تفتعل نزاعًا عشائريًا في ثلاث خطوات.. مرحبًا بك في "جحيم" البصرة!

أضاف في حديث لـ"ألترا عراق"، أنه "مع امتداد الزمن، وبسبب تمسك الناس بهذه الطريقة بالاحتفال، ظهر ما يعرف بـ"المهاويل" حاليًا، وهم شباب امتهنوا هذه المهنة، وصاروا يرددون الأهازيج ويرد الناس من خلفهم ويبتكرون أهازيج جديدة لها علاقة بمناسبة إقامة "المهوال"، لافتًا إلى أن "من الصعب تحديد تاريخ انطلاق المهوال، لكنه أقدم مما نتصور".

الهوسة في ميادين المال والساسة!

وتنظم مجموعة من الأعراف والموروثات الاجتماعية الحياة في الجنوب، والـ"الهوسة" بوصفها طقسًا اجتماعيًا تخضع لضوابط معينة، إلا إنها "هجنت" وتحولت إلى إحدى وسائل التحشيد الطائفي والحزبي، فضلًا عن وظيفتها الاجتماعية، وكانت تستخدم قبل 2003 في المناسبات الاجتماعية الأحزان والأفراح، حيث تمتلك كل عشيرة عددًا قليلًا من "المهاويل"، وتكون الـ"هوسة" لإثارة الحماسة في أبناء العشيرة والتفاخر بصفاتهم، وينقل الـ"المهوال" في المناسبات مشاعر المواساة أو الفرح للقبلية الأخرى، ويعبر عن وشائج الاخوة فيما بينهم، بينما لا يمكن أن يمتدح إلا علية القوم من الشيوخ والوجهاء وعلى نحو ضيق.
واحدثت المتغيرات الاجتماعية انتقالة سلبية في واقع الأهزوجة، كما يرى مختصون، إذ أن نمو طبقة من الأثرياء بشكل سريع ودخول الساسة إلى ميدان الحياة الاجتماعية بشكل مباشر، بالإضافة إلى انشطار العشائر وتعدد المشايخ أسهم بشكل كبير إلى مضاعفة عدد "المهاويل"، فضلًا عن امتداد مساحتها لتدخل في السياسة والتحشيد العقائدي واستحضار الغبن الطائفي، فيما أصبح الاستسهال في إطلاق "الهوسة" في المحافل الاجتماعية لأي شخص ممكن أن يدفع الأموال لـ"المهوال"، والدفع هنا طوعي غير محدد، لكن علاقة طردية بينه وبين كمية المدح من قبل "المهوال"، ما ساهم في مضاعفة أعدادهم لأنها تحوّلت إلى أشبه بـ"مهنة"، بالإضافة إلى تسويقهم بسرعة هائلة عبر السوشيال ميديا كـ"مهاويل" يمتازون بالأداء الجيد والمدح المرضي.

وانت تتصفح اليوتيوب تجد عشرات القنوات المعنية بتوثيق الأهازيج، وتلاحظ تصدر "ترندها" عددًا من "المهاويل"، لكن اللافت في الأمر أنهم يتكيفون في إطلاق "هوساتهم" مع صاحب "الميدان" والجمهور الموجود، في المهرجانات السياسية يمتدحون الجهة الراعية وعند استقبال الساسة يرتلون لهم آيات الثناء والتبجيل ويطلبون الأموال منهم بشكل صريح.

في وقت سابق تداول مدونون تصويرًا فيديويًا لمهوال يستقبل زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم في محافظة الديوانية بعتب شديد اللهجة عن سوء الخدمات وضياع خيرات البلد من قبل السياسيين مقارنًا بزمن رئيس النظام السابق صدام حسين، فيما غضب الحكيم أثناء التصوير ونفى ما قاله "المهوال"، ليظهر الأخير بعد دقائق في ذات المكان وهو يعتذر للحكيم باكيًا يطلب منه العفو بـ"هوسة" أخرى، ليعود بعد فترة ليلمح إلى ما تعرّض له من تجاوزات جرّاء حديثه بصراحة.

المهاويل يتكيفون في إطلاق "هوساتهم" مع صاحب "الميدان" والجمهور الموجود، في المهرجانات السياسية يمتدحون الجهة الراعية وعند استقبال الساسة يرتلون لهم آيات الثناء والتبجيل

ومن جهة أخرى، عرف الشاعر الشعبي علي المحمداوي بوصفه من شعراء التحشيد الطائفي من خلال قصائده وحضوره في المهرجانات والميادين التي تقام تخليدًا للمعارك والاحتفاء بالفصائل المسلحة، حيث انتشرت له قصيدة يتحدث فيها عن خلاف العراق مع الدول العربية هدد المحمداوي فيها بـ"تهديم المملكة العربية السعودية بعد رفع الكعبة منها"، لكن سرعان ما ظهر برفقة فنانين عراقيين في الغناء والمسرح والتمثيل في السعودية بعد توجيه الأخيرة دعوة رسمية لحضور فعاليات مهرجان شتاء طنطورة.


الشاعرعلي المحمداوي في شتاء طنطورة بالسعودية مع فنانين عراقيين (فيسبوك)

من الموروث إلى خدمة السلطة!

إزاء ذلك، يقول الباحث الاجتماعي علي السراي "لا يمكن اعتبار الانتشار الكبير للأهزوجة جزءًا من إحياء التراث، فالإحياء قائم على مناسبات وجماعات محددة، فالمجتمع العراقي لم يعرف هذا اللون من الشعر في المدن أو في الجامعات، مشددًا على أن "الأمر كان مقتصرًا على الريف، ولم يشهد شبابًا بسن المراهقة يواظبون على حفظ هذه الاهازيج وتأديتها في كل مكان"، مشيرًا إلى أن "انتشارها بفعل عوامل كثيرة، الاستبداد والحروب والتجهيل المتعمد والفقر".

أضاف السراي في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "السلطة هي التي رسخت هذه الظواهر وأرادت للحماس العسكري أن يكون هو الحياة، وهو الثقافة المُسيطرة على سلوك الناس، وطريقة العيش، مضيفًا أنه "النمط الذي تنشأ عليه الأجيال وتموت، وأحيانًا لا تدري لم تموت وسط ما يرافقه من صراخات فارغة، وأغاني حماسية دائمًا ما تحمل أنفاس الاستقطاب الطائفي أو القبلي".

أضاف السراي "في الواقع أن الحكومات المتعاقبة لم تحارب حتى الثقافة، إنها وظفتها بشكلٍ يخدم تمددها وديكتاتوريتها، والأصح، إنها حاربت الثقافة كمنتج نقدي فقط، وإلا لا مُشكلة لها مع الجميع ما دامت تدور في إطار الاستبداد، وهي تحب الشعر والأدب والأهزوجة بإفرازاتهم التخديرية، مبينًا أن "السلطة تقول إن أي شاعر يترنم للحاكم أو يتغنى بالطبيعة والجمال اتركوه، نحن ندعم الحرية والثقافة"، لافتاً إلى أن "هذه قضايا، رغم أهميّتها في الجمال، لكنّها لا تُنتج هويّة، لا تصنع حركة اجتماعية، لا تحوّل الظاهرة إلى ثورة، سواء على مستوى الفكر، أو الواقع، إنها ثقافة الاستبداد والسلطة بشتى تمظهراتها".

أشار السراي إلى أن "الجهل والبطالة ضاعف الاهتمام بهذه الفعاليات، بالإضافة إلى الفراغ المعرفي، خاصة وأن تلك الاهازيج تغذي عادات اجتماعية غير مادية، فهي تتغنى بالشجاعة والوفاء والكرم والمفاخرة بالقبيلة والقوة، فضلًا عن العتب القائم على المغالاة، مستدركًا "لكنها لا تهتم لنجاح الإنسان في عمله أو دراسته"، متساءلًا "مالذي يجعل شابًا جامعيًا يرتجز وسط العشرات عن الشجاعة والحرب، مستحضرًا شواهد تاريخية تعزز ثقافة الموت، فيما يتفاعل معه مراهقون في بيئة بعيدة عن هذه الفعاليات".  

الحكومات المتعاقبة حاربت الثقافة كمنتج نقدي فقط، وإلا لا مُشكلة لها مع الثقافة بشكل عام ما دامت تدور في إطار الاستبداد، وهي تحب الشعر والأدب والأهزوجة بإفرازاتهم التخديرية على المجتمع 

أوضح السراي أن "بعض الأهازيج تحمل الكثير من الشعارات الدموية والمتطرفة، وبالرغم من تلك الانتقادات طوّر المهاويل فن الأهزوجة الشعبية من خلال التنوع بالإلقاء والاعتماد على التناوب، فترى ثلاثة منهم يتغنون ويتبادلون الأهازيج ويتلاعبون بالمقامات في المحافل والمناسبات الكبيرة، وهي أساليب لم تكن سائدة سابقًا، بينما وجد بعض الشعراء ضالتهم بكتابة قصائد المناسبات وإطلاقها على ألسنة "المهاويل" كسبًا للشهرة والمال". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فزاعة العشيرة العراقية.. سيف المحاصصة المشهر

يد القبيلة الخفية في العراق.. خزان السلطة الموازية