الإصغاء إلى لغة الحجارة

الإصغاء إلى لغة الحجارة

كاريكاتير حساس بشّو/ إيران

كنت قد خرجت لتوي من متجر الخضار القريب لبيتي، حين شاهدتُ زوبعةً من الغبار تقترب مني بسرعة الإعصار، لم أميّز ذلك الشيء الضخم الذي كان يركض خائفًا فأطار الباذنجان شرقًا، والجزر غربًا، والبطاطا جنوبًا، إلا بعد أن شاهدته يختفي خلف لوحة إعلانات ضخمة، كانت تعلن عن تقديس بوط عسكري أسود لامع.

ومع اقترابي منه تبيّن لي أنه ثور حجريّ مجنح كبير، اكتشفت لاحقًا أنه قد طار من الموصل هلعًا من الفؤوس التي حطمت متحفها، فاستقر به المقام خلف تلك اللوحة الإعلانية الكبيرة.

ربما تمتلك الصخور القدرة على الحياة كالبشر

لم يسعفني طول الحلم بسؤال الثور عن مشاعره بينما كان يتلقى تلك الضربات على جوانبه، وقد بلغ به العمر ما يقارب 2900 عام، فقد استيقظت خائفًا على أطرافي، ولساني أيضًا.

وكما قرأ الجميع في مواقع التواصل الاجتماعية والإخبارية، فقد دُمر متحف الموصل في شهر شباط/فبراير الماضي على يد "الدولة الإسلامية"، أو ما يسمى بداعش، وكان من المحزن جدًا أن نقرأ الكثير من الآراء التي لم تدن هذا العمل تحت اعتبارات شتى، كأن يطرح أحدهم مقولة "الحي أبقى من الميت"، ويضعك في خانة من يفاضل بين الأحياء وبين الحجارة، أو أن يتقدم أحدهم منك مهددًا ومتوعدًا، وهو يحمل القرآن على السيف، والعقيدة في كف، والتكفير في الكف الآخر.

روح ذلك الثور المجنّح حطت في مدينة تدمر السورية، لتناجي أرواح التدمريين المهددين بالفناء. وقتها احتدمت صفحات التواصل الاجتماعية من جديد، وباتت مقولة "الحجارة والصخور لا تعني شيئًا" تطالعنا بين الفينة والأخرى، وبين "البوست والكومنت".

يثير ذلك في النفس الحزن والسخط، ويستدعي تلك الصخرة الكبيرة البلهاء التي كانت ترقد على ضفة بحيرة "سيليس" في سويسرا، الصخرة التي تحولت لاحقًا إلى مزار حقيقي وكتب عليها ما يوضح أهميتها. فقد كانت تلك الصخرة المتهدمة الشرارة الحقيقية التي أشعلت في ذهن الفيلسوف نيتشه فكرة كتابه العظيم "هكذا تكلم زرادشت"، الذي اعتبر إنجيل الحداثة الأوروبية. ورغم أن الفيلسوف الشهير لم يوفّق سوى بتوزيع 300 نسخة منه للأصدقاء والأقارب، ورغم أن الكثير منها أتلفت في وقتها وأن المؤلَف لم يقدّر حق التقدير، إلا أن الزمن كان كفيلًا بجعل الكتاب من أشهر كتب القرن العشرين على الإطلاق.

وفي سياق تذكر الصخور ذائعة الصيت، تحكي الميثولوجيا الإغريقية أن سيزيف كان رجلاً ذكيًّا وماكرًا جدًا، واستطاع أن يخدع إله الموت ثانتوس حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، وحين جربها إله الموت قام سيزيف بتكبيله، وحين كبّل سيزيف إله الموت منع بذلك الناس أن تموت. أغضب هذا الأمر زيوس فأصدر عليه حكمًا بأن يعيش حياة أبدية، يمارس فيها مهمة شاقة، وهي أن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود سيزيف إلى رفعها ثانية إلى القمة لتتدحرج من جديد، ويظل يقوم بهذه المهمة إلى ما لا نهاية، فأصبح رمز العذاب الأبدي.

ساد الاعتقاد قديمًا بأن الحجارة تمتلك روحًا، وما على الإنسان إلا نحتها وفق الشكل المطلوب. ربما يفسر ذلك تسمية المغارة الصخرية الصغيرة التي توجد في الصخرة التي عرج منها النبي محمد عليه الصلاة والسلام بـ"مغارة الأرواح". إذ ظن البعض أن الصخرة المشرفة التي تقع في حرم المسجد الأقصى والتي بني عليها مسجد قبة الصخرة، قد طارت وراء الرسول في معراجه، وقال آخرون إن لها ضوءًا، وزعم كثيرون أنها معلقة بين السماء والأرض. والحقيقة تقول إنها صخرة كسائر الصخور، إلا أنها كانت قبلة أنبياء بني اسرائيل وموطئًا لمعراج النبي العربي الكريم.

أمام صخرة نيتشه العظيمة وصخرة النبي المشرفة، قد تتصدع حجج المستهترين بالتاريخ وبالحجارة، ويغدو لزامًا أن نذكرهم بأن الصخور قد تمتلك القدرة على الحياة كالبشر، آملين أن ننجو من مصير كمصير سيزيف، وأن يخرج علينا من يتكلم كما تكلم زرادشت، لا كما تتكلم الفؤوس والسيوف.