الإعلام العراقي.. بيئة خائفة تشبه

الإعلام العراقي.. بيئة خائفة تشبه "سلطة المحاصصة"

خطاب السلطة يسقط تأثيره على الإعلام (فيسبوك)

بعد غزو العراق واحتلاله عام 2003، حدث الانفجار الإعلامي في البلاد تدريجيًا، وتعددت وسائل الإعلام الحديث، وخرج الإعلام عن قولبته النمطية وصارت الفرص متاحة للجميع  بعد أن ذابت معاييره السابقة، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تطوّرت وسائل الإعلام، وصارت تظهر أحيانًا بما يلائم الشكل السريع الذي تفرضه مواقع مثل "فيسبوك" و"انستغرام". 

ما قبل 2003

كان الإعلام العراقي قبل 2003 يشبه السلطة السابقة، ويعبّر عن أنمطاها التي لا يوجد فيها تعددية، بالرغم من رؤية عديدين له أنه كان إعلامًا مفيدًا في بعض جوانبه البعيدة عن السياسة، ورصينًا، سواء كان مقروءًا أو مسموعًا أو مرئيًا، لكنه كان مقيدًا. 

قبل 2003 كان بث المحطات التلفزيونية يتوقف في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل 

لم يكن الفرد العراقي منفتحًا على العالم من خلال التلفاز، أو الإذاعة، ولم يكن باستطاعته أن يفتح التلفاز في الثانية فجرًا مثلًا، لأن الإعلام في وقتها، كان يتحكم في أوقات النوم والاستيقاظ، ففي تمام الثانية عشر بعد منتصف الليل يتوقف بث المحطات التلفزيونية، وهي إشارة لسلطة الإعلام ومدى تأثيره على الجمهور.

الإعلام الحديث

لكن كثيرين يرون أن الإعلام الحديث تحول لمجموعة أرقام، وصار التسابق على حصد المشاهدات بإمكانه أن يفرغ المادة الإعلامية من محتواها الرصين، إذ أن "المادة الإعلامية الحالية فقيرة من كل شيء وتبحث عن المشاهدات"، كما يقول مصطفى عمر وهو مختص في علم النفس. 

اقرأ/ي أيضًا: شبكة الإعلام العراقي.. جيش موظفين في جثّة تحنطها مليارات السلطة

يقول عمر لـ"ألترا عراق"، إن "المؤسسات الاعلامية لا يهمها غير المنافسة والأرقام"، فيما يرى أن الصورة طغت على المحتوى المكتوب قائلًا إنه "زمن السرعة وزمن الفيسبوك الذي جعل من المتلقي كسولًا بالضرورة".

اليد التي تفرض الأجندة الإعلامية 

لقد عزّز الإعلام العراقي ـ بحسب مراقبين ـ وجود الفتنة الطائفية منذ عام 2006 وأصبحت أغلب القنوات تنطق اسم الطائفة قبل اسم الفرد، خاصة أن شكل المؤسسات الإعلامية صار يشبه التقسيم الذي يتبعه النظام السياسي في العراق "المحاصصة"، ففي إحدى اللقاءات التلفزيونية على سبيل المثال، طالبت النائبة حنان الفتلاوي بـ"التوازن"، قائلةً "حين يقتل سبعة أشخاص من الشيعة يقتل سبعة من السنة"، وهو ما يوضح مدى تأثير الرسائل المتكررة التي كان يبثها الإعلام على الجمهور في السنوات السابقة. 

يقول عمر إن "خطاب السلطة يسقط تأثيره على الإعلام أن كان منحطًا أو شعبويًا، طائفيًا أو عرقيًا"، مبينًا أن "الإعلام العراقي هو تعبير جلي عن زمن المحاصصة وزمن تحكم السلاح وقادة الطوائف".

استغلال الشكل

أصبح بإمكان "القطة" أن تصبح وجهًا إعلاميًا متداولًا على شاشات التلفاز، وتحصد الكثير من المشاهدات بمجرد أن تنشئ صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أن نساء كثيرات فعلن حسابات لقططهن وجلبن الكثير من المشاهدات، وهو الأمر الذي يسهم ـ بحسب إعلاميين ـ بقتل أي محتوى ممكن أن يكون جادًا ومؤثرًا، فضلًا عن تمييع الصورة، وهو ما جعل من "البلوگرات" على سبيل المثال، إعلاميات ويقدمن البرامج، وهو ما يطرح سؤالًا عن كثرة هذه الظاهرة عراقيًا، وهل هذا الأمر طبيعي أم هو استغلال للشكل لحصد المشاهدات من خلاله. 

تقول رفل العزيز، وهي مراسلة تلفزيونية، إنه "على الأغلب استغلال للشكل"، مبينةً لـ"ألترا عراق"، أن "المظهر الخارجي يشد المشاهد لكنه لا يترك أثرًا على المدى البعيد إن كانت المقدمة لا تملك مؤهلًا ثقافيًا".

يقول أحد الصحفيين إن المؤسسات التي تعنى بمعاناة الناس قليلة جدًا إذا تمت مقارنتها ببقية المؤسسات التي لا تستطيع تقديم مادة تعكس رغبات الشارع أو التفاعل مع قضاياه المهمة

لكن حسن حامد سرداح، وهو إعلامي وكاتب، يرى أن "بعض وسائل الإعلام تمارس دورًا واضحًا في تقديم مادة إعلامية تؤثر في المتلقي وتخلق رأيًا عامًا في القضايا التي تتعلق بمعاناة المواطنين"، مشيرًا إلى أن "ذلك بسبب تقصير الحكومة في تقديم الخدمات، وهي بالواقع قليلة جدًا إذا تمت مقارنتها ببقية المؤسسات التي لا تستطيع تقديم مادة تعكس رغبات الشارع أو التفاعل مع قضاياه المهمة".

الإعلام الخائف

في العراق، برزت ظاهرة تحول الإعلامي إلى سياسي في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، خاصة مقدمي البرامج، وصار الإعلامي يرشح للانتخابات ويدخل المؤسسات العليا كمستشار، لكن هذا لم يكن كافيًا، إذ أن الكثير من مقدمي البرامج السياسية استخدموا سلاح التهديد والشتائم على الهواء وأمام الجمهور، وهو ما يعكس تداخل سلوك السلطة في العراق مع سوق الإعلام، ففي إحدى البرامج مثلًا هدد مقدم البرامج السياسية أحمد ملا طلال النائب محمد الكربولي بالفضيحة، وهو الأمر الذي رآه كثيرون لا يتلائم مع المعايير الإعلامية، وحول هذا الأمر يقول سرداح لـ"ألترا عراق"، إن "بعض المؤسسات تقدم برامجًا هدفها إظهار قضايا لا يمكن للإعلام الرصين التعامل معها كونها تتنافى مع قواعد السلوك المهني".

اقرأ/ي أيضًا: ملف خاص: الإعلام الحكومي عربيًا.. مؤسسات الفشل المنظّم

لكن هذه "التهديدات"، يقابلها "تهديدات" أخرى للصحفيين والإعلاميين في العراق، وهو ما يجعل "الإعلام خائفًا في العراق"، بحسب سجاد كريم، وهو صحفي يقول إن "الإعلام في العراق لا يستطيع أن يقترب كثيرًا من مناطق الخطر، وهو ما يجعله في منطقة قريبة من السلطة دائمًا، ومن يحاول اجتياز هذه المنطقة أما أن يقتل أو يختطف من الجماعات المسلحة"، ويضرب كريم مثلًا بـ"مقتل الصحفي أحمد عبد الصمد في البصرة"، أو بـ"المؤسسات التي أحرق بعضها وهُجم على أخرى"، وهو برأيه "طريقة لأن يكون الإعلام العراقي مهادنًا يقدم المواد التافهة التي لا تزعج أحدًا من الأقوياء". 

وفي 31 آب/أغسطس 2020 اقتحمت مجاميع تحمل رايات دينية، مقر قناة دجلة التلفزيونية وسط بغداد وحطمت المعدات قبل أن تحرق المبنى تحت أنظار قوات الأمن التي اكتفت بالتفرج، وكانت الحادثة على خلفية بث أغنية في ليلة العاشر من محرم، وتعدّ بعض المنصات على تطبيق "تلغرام"، ساحةً للتحريض ضد الفضائيات والعاملين فيها، وأبرزها "صابرين نيوز"، فيما تمّ تأسيس حركة باسم "أهل الجداحة"، وتعني "الولّاعة"، التي تحرق المحطات الفضائية التي تخالف منطق الجماعات المسلحة في العراق. 

ويفصل سجاد كريم لـ"ألترا عراق"، الإعلام العراقي إلى تفصيلات يقول إنها هي المتحكمة به، إذ "توجد مؤسسات تابعة لقوى السلاح، وهناك مؤسسات تابعة للقوى التي تتحاصص الدولة، وهناك مؤسسات تقدم خطابًا طائفيًا أو عرقيًا"، لافتًا إلى أن "الخطاب الإعلامي المعتدل أو المهني لا يوجد في العراق بين هذه المؤسسات، خاصة أن القطاع الخاص غير مهتم بالإعلام، ويبقى الأخير سوق السياسة والأحزاب التي تتحاصص الدولة"، قائلًا إن "جو الإعلام العراقي ليس بيئة جاهزة للرصانة، فهي أما يتحكّم بها الخوف أو قنوات حزبية تتسابق على المحتوى التافه الذي يحصد الأرقام من خلال نجوم السوشيال ميديا أو النجوم التقليديين الذين لا يعرفون من الانفجار الإعلامي الحديث أي شيء".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ملف خاص: الإعلام الحكومي عربيًا.. مؤسسات الفشل المنظّم

ما الذي ينقص الإعلام العراقي: الحياد أم الموضوعية؟