الإنسان الخطّاء لبول ريكور..من أجل أن يخسر الشيطان رهانه!

الإنسان الخطّاء لبول ريكور..من أجل أن يخسر الشيطان رهانه!

بول ريكور (فيسبوك)

هو ذا سؤال يتحدّى الفلسفة واللاهوت معًا: من أين يأتي الشرّ وكيف نواجهه؟

يصدّر "بول ريكور" كتابه "فلسفة الإرادة ـ الإنسان الخطّاء" بتقديم هو مزيج من الانثروبولوجيا والفلسفة، ليتعاضدا معًا على جعل موضوع الشرّ أمرًا ممكن البحث، فمن خلال الانثروبولوجيا يمكن للشرّ أن يكون رمزًا، وبهذه الرمزية يمكن التعامل معه فلسفيًا، وبمقاربة كهذه تقترب الخرافة من الخطاب الفلسفي لبحث مفهوم إمكانية ارتكاب الشرّ أو "اللاعصمة".

لا يتوقف ريكور عند الترسيمة الدينية الناصة على توسط الإنسان بين الملاك والبهيمة أو بين الملاك والشيطان أو بين الوجود والعدم، بل يصل إلى أن الإنسان وسيط أصليّ لأنه وسيط بين نفسه ونفسه

يقرر بدءًا إن إمكانية الشرّ منقوشة في تكوين الإنسان، مستشهدًا بـ"ليبنتز": "إن محدودية الإنسان هي فرصة الشرّ".

المحدودية إذن، الفقر الأصليّ في جبلّة الإنسان، وكونه متوسطًا بين الوجود والعدم، أي بين مطلق الوجود وانعدامه، وكونه وسيطًا بين الملاك والشيطان، هذا التوسّط هو الثغرة التي يطلّ منها الشرّ على الإنسان وبالتالي على الوجود كلّه. بهذا الفهم نطقت الأديان جميعًا، بفكرة أن الإنسان قابل للشرّ ما دام مفتقرًا محدودًا ومشاركًا في العدم لأنّ له جنبتين عبّر عنهما عرفاء الإسلام بتسميتهما "الجنب اليلي الخلقية والجنب اليلي الخالقية". وجه إلى الوجود يجعل من الشرّ ذلك الشيء الذي يجب ألّا يكون لأنه لا مسوّغ لتحققه، ووجه آخر إلى الموجود يجعل من الشرّ بُدًا لازمًا لكل موجود.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا يجب أن تموت الفلسفة؟

يكتب ريكور: (عندما لا أفكر سوى بالله فإني لا أكتشف في نفسي أي سبب للخطأ والإثم، ولكنْ بالعودة إلى نفسي، تفيدني التجربة بأني رغم ذلك موضوع لما لا نهاية له من الأخطاء) ص 26.

غير أن ريكور يدفع بوسطية الإنسان في الوجود إلى طبقة أعمق، فلا يتوقف عند الترسيمة الدينية الناصة على توسط الإنسان بين الملاك والبهيمة أو بين الملاك والشيطان أو بين الوجود والعدم، بل يصل إلى أن الإنسان وسيط أصليّ لأنه وسيط بين نفسه ونفسه، وسيط في داخله، وامتزاجه المكون من وجود وعدم يفرض عليه أن يكون مختلطًا اختلاطًا يلجئه إلى القيام بتوسّطات بين ذاته وذاته.

لا يكفّ الفرد منا عن مداولات بين نفسه ونفسه يؤالف فيها بين اليقين والحقيقة والقصد والحدس والدلالة والحضور والفعل والنظر في جدل لا ينتهي، ولا يصل إلى نفسه أبدًا ولا يفهمها إلا عبر هذا الجدل الذي يثبت انقسامه وتشظيه وعدم تطابقه مع ذاته بمقدار عدم تطابق عقله مع إحساسه. هذا هو ما يؤسس لا عصمة الإنسان وبالتالي يمنح لوجوده اسمًا يتلخص في البؤس.

يكتب: "كل فلسفة عندما لا تريد التحدث عن الفكرة بل عن الإنسان فهي فلسفة بؤس" ص 33.

الإنسان مهيأ للعقلانية غير المحدودة ولنقيضها. فهو بقدرته على الترميز وعلى بذل جهد كنائيّ للتعبير عن العالم وفهمه أصبح بمستطاعه منح نفسه تلك العقلانية المطلقة والقدرة على رؤية نفسه كائنًا ذا طبيعتين: متناهية وغير متناهية. وإلا كيف يمكن فهم القول "بالتناهي" من قبل كائن متناهٍ، أو بتعبير ريكور: كيف يمكن للتناهي تعريف نفسه إلا بتفلّته من منظوره؟

يخلص ريكور إلى أن الشرّ ناتج عن توسط الإنسان مع نفسه، لكنه يختتم كتابه بالقول إن الشر هو ما لا يجب أن يكون، بل هو ما ينبغي مصارعته

هذه القدرة على صياغة نظرة كلية شمولية متزامنة مع وعي الفقر والمحدودية عبّر عنها ديكارت "من جهة نحن لا نعرف سوى عدد محدود من الأشياء، ومن جهة أخرى نسارع إلى تأكيد عدد أكبر من ذلك بكثير" أو قوله "ربما يوجد ما لا نهاية له من الأشياء في العالم وليس عندي في الفاهمة أيّ شيء منها".

اقرأ/ي أيضًا: إفلاس فلاسفة العصر وطغيان الشر

الكثرة الوجودية يقابلها العوز إلى اكتناهها بأكملها، هي ذات حيرة العارف الذي يرى أن الله لا يكفّ عن الخلق وأن أسماءه شغالة أبدًا إذ لا تعطيل لها ما يجعله يتضاءل أمام ذلك كله، لكن قدرته على إدراك هذا والترميز عليه والإشارة إليه أوصلته إلى أن فيه، في صميم ذاته انطواء ذلك الوجود وإجمال ذلك التفصيل.

لكننا بالتعبير عن "الأشياء" والكلام عنها لا نفعل شيئًا سوى تبديل المنظور إلى القصد لأن "اللغة تنقل المقصد لا الرؤية" بحسب ريكور، أو لأن الحرف تحريف بحسب المتصوفة، ولأن الحرف حيث ينصرف بتعبير النفري. يرسم ريكور هذا العذاب الأصلي بجمل برقية من قبيل "أنا أقول أكثر مما أرى عندما أعني" أو هذه الجملة العميقة المكتنزة "أنا أتكلم عن الأشياء في غيابها".

يخلص ريكور إلى أن الشرّ بهذا المعنى ناتج عن توسط الإنسان مع نفسه، لكنه يختتم كتابه بالقول إن الشر هو ما لا يجب أن يكون، بل هو ما ينبغي مصارعته.

ويطرح اتحادًا مؤتلفًا من الفكر والشعور والعمل نستطيع من خلاله ملاحظات الطرق التي يمكن لنا أن نواجه بها أنفسنا كوننا لا معصومين:

  • دمج الإحراج العقلي "الناشئ عن تعقّل الشر" بالتجاهل الذي يشبه عمل الحِداد على موت عزيز. بالقول "لا أعرف لماذا حصلت الأشياء هكذا" وبتعبيره "لتكون درجة الصفر لروحانية الشكوى معادة إلى نفسها".
  • القيام بلاهوت احتجاج، وترك روحانية الندب تنتشر "كشكوى ضد الله" معبّرًا عنها بشكوى المزمور "إلى متى يا ربّ".
  • إن أسباب الاعتقاد بالله ليس لها أي شيء مشترك مع الحاجة لتفسير الألم الأصلي. فالتألم ليس فضيحة. وملخص هذه الطريقة هو القول "إني أؤمن بالله بالرغم من ...".

ينهي ريكور كتابه بطرح فكرة إمكانية التخلص تمامًا من روحانية التشكّي والندب أما بالتفريق بين ألمين: مطهّر وتربوي، أو بالإقلاع عن أية رغبة بالتعويض مستشهدًا بسفر أيوب "أيوب توصل إلى محبة الله مقابل لا شيء جاعلًا الشيطان يخسر رهانه".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ضد الأنوار.. الأصول الفكرية للشرور النازية

الطيب تيزيني.. حين الفلسفة تمشي على الأرض