البحث عن منطقة اليقين

البحث عن منطقة اليقين

مقبرة وادي السلام (Getty)

في المدينةِ القديمة وسطَ النجف، ترى الموتَ والحياةَ بعينيك، فالموتُ والحياةُ في تلك المدينة، لا يفصل بينهما سوى شارعٍ واحد،  شارع الطوسي.

الوجود بكل زينتهِ مزيفٌ، مادام الموت هو الحقيقةُ الوحيدةُ الفاعلةُ فيه

في العقدِ الأخير ترددتُ كثيرًا على النجف، حتى ظنَّ البعض بأني "نجفي" لكثرةِ تنقلاتي بين أزقتها ومدارسها الدينية. ذاتَ ظهيرةٍ متجولاً في تلك المقبرة، رن هاتفي، المتصل كان الصديق مصطفى عباده (مدير تحرير صحيفة العالم البغدادية)، وكان وقتها يزورُ قبرَ والدهِ في ذكرى الأربعينَ يومًا على رحيله.

أكد لي أنهُ رمقني عبرَ نافذةِ سيارتهِ أسيرُ بين مقابرِ وادي السلام. علمًا أن مدفنَ جميع أمواتي من الأهلِ والأقرباء في مقبرةِ مدينةِ كربلاء، لجهة انتمائنا المناطقي للمدينةِ الأخيرة. سنواتٌ عدة لم أكتشف سرَّ شغفي بالنجف، لماذا كلما يضيقُ صدري أتجهُ إليها؟ لماذا لا أهدأ إلا عند سكونياتها؟ لماذا شكوكي وأسئلتي تضمحلُ بيقينياتها؟

الجوابُ فجأةً يأتي من عميقِ دواخلي: أنك تبحثُ عن الحقيقةِ واليقين، ووحدهُ الموت من يجيبُ على تلك الأسئلة، ويؤمنكَ من روعِ القلق، كما وحدهُ القاهر لفلسفةِ الوجود بخلود العدم. فالموت إلى جانبِ المرضِ والفقر، يشكلُ الثلاثية القاهرة للإنسان، التي ما لبثتْ حتى أرّقتْ نزقَـهُ وأحابيلَ غروره.

أعتقدُ في الإيمانِ والإلحاد، خيارينِ فلسفيّينِ لايمكن حسمهما إلا بعد طيِّ أشواطٍ كبيرة من العمر، عبر الحفرِ والبحثِ والتنقيب، في سؤالٍ عرضي للداعية السابق (اللاديني الحالي) ضياء الشكرجي: كيف توصلتَ إلى عقيدتك الحالية بعد هذا العمر الذي قضيتهُ في الإسلام؟ أجابَني بلغةٍ علميةٍ رفيعة: 30 سنة ليست كثيرة على البحث الوجودي يا بني. منطقية جوابية عالية، لكن مضامينها ليست حاسمة للماورائياتِ لدي، لهذا كثيرًا ما تنتقدُ العلمنةُ الفكريةُ في العراق، المتفلسفة المحليّين بالوجودية الدينية، حيال عدم حسمِ موقفهم من الدين. وكأن حسمَ هكذا قضية سهلٌ الى هذا الحد.

هولاء المتفلسفة وغيرهم من المنتفضين على القراءةِ الرسميةِ للدين، لن يحسموا موقفهم بالسلبِ من الفكرِ الديني بهذه السهولة، كيف يحسمونَ موقفهم منهُ سلبيًا وهو الوحيد الذي يُجيب على أسئلةِ ما بعد الحياة؟! فالوجود بكل زينتهِ مزيفٌ، مادام الموت هو الحقيقةُ الوحيدةُ الفاعلةُ فيه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراقيون بين رهاب كورونا ومخاوف الجوع

مرايا الطغيان المقعّرة