ultracheck
رأي

التحولات الخطابية للقوى السياسية الشيعية وأزمة الشرعية الداخلية

27 يونيو 2026
.
عزيز الربيعي
عزيز الربيعي الأمين العام لتيار الخط الوطني

شكّل عام 2003 نقطة تحول عميقة في التاريخ السياسي العراقي، إذ انتقلت القوى السياسية الشيعية من موقع المعارضة التاريخية إلى موقع إدارة الدولة، وهو انتقال حمل معه تحولاً في اللغة السياسية، وفي طبيعة الأولويات، وفي شكل العلاقة مع المجتمع وبقية المكونات العراقية، وقد أوجد هذا التحول معادلة جديدة أصبحت فيها القوى الشيعية مطالبة بإنتاج خطاب ينسجم مع مسؤوليتها في إدارة مؤسسات الدولة، بعد عقود كان خطابها موجهاً نحو مقاومة السلطة القائمة آنذاك واستحضار الإرث التاريخي للمظلومية والإقصاء.

في السنوات الأولى بعد التغيير، استند الخطاب الشيعي إلى مفاهيم المشاركة السياسية والتمثيل الديمقراطي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وبرز ذلك بصورة واضحة خلال عملية كتابة الدستور العراقي عام 2005، حين تشكل تحالف سياسي بين القوى الشيعية والقوى الكردية لإقرار الدستور عبر الاستفتاء الشعبي، في مقابل رفض غالبية المحافظات ذات الأغلبية السنية لمشروع الدستور، وقد مثلت تلك اللحظة تأسيساً لمنظومة سياسية اعتمدت مبدأ الأغلبية العددية في تمرير الاستحقاقات الدستورية، في حين بقيت أزمة التوافق الوطني حاضرة في بنية النظام السياسي، الأمر الذي جعل الدستور، منذ ولادته، موضوعًا للخلاف أكثر من كونه إطاراً جامعاً للتسوية السياسية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تصوير القوى السنية أو الكردية بأنها شريكاً دائماً للقوى الشيعية، إذ إن طبيعة النظام البرلماني العراقي فرضت تحالفات متغيرة اقتضتها الحاجة إلى تشكيل الحكومات، وتمرير التشريعات، واختيار الرئاسات الثلاث، وهذه ليست سمة عراقية خالصة، وإنما ممارسة مألوفة في الأنظمة التعددية، غير أن المسؤولية التنفيذية بقيت، في معظم مراحل ما بعد 2003، تقع على عاتق القوى الشيعية بحكم امتلاكها الكتلة الأكبر وقدرتها على تشكيل الحكومات، وهو ما جعلها تتحمل النصيب الأكبر من تقييم الأداء العام للدولة.

ومع اتساع سنوات الحكم، بدأت التحولات الخطابية تظهر بصورة أكثر وضوحًا، فبعد أن كان الخطاب الشيعي يركز على بناء المؤسسات وترسيخ النظام الديمقراطي، أخذ يتجه تدريجيًا نحو إدارة الصراعات الداخلية بين القوى الشيعية نفسها، وأصبحت المنافسة على النفوذ داخل البيت السياسي الشيعي أكثر حضورًا من التنافس مع القوى الأخرى، وهو ما انعكس على طبيعة الخطاب الإعلامي والسياسي، الذي انتقل من الدفاع عن مشروع سياسي جامع إلى إنتاج سرديات متعارضة حول الشرعية والكفاءة والتمثيل.

وكانت احتجاجات المحافظات الغربية عام 2012 اختبارًا مهمًا لهذا التحول، فقد تعاملت السلطة مع تلك الاحتجاجات باعتبارها تحدياً أمنياً وسياسياً في آن واحد، بينما رأت أطراف أخرى أنها تعبير عن أزمة ثقة بين الدولة وجزء من المجتمع العراقي، وأسهمت إدارة تلك الأزمة في تعميق الانقسام السياسي، لتدخل البلاد لاحقًا في واحدة من أخطر مراحلها مع سقوط الموصل وعدد من المحافظات الغربية بيد تنظيم داعش عام 2014.

أعاد تمدد داعش تعريف أولويات الدولة العراقية، وتحول الخطاب السياسي إلى خطاب تعبئة وطنية يركز على حماية الكيان السياسي ومنع انهيار مؤسسات الدولة، وأفرزت مرحلة التحرير واقعاً جديداً، إذ برزت تشكيلات مسلحة أدت دورًا عسكريًا في استعادة الأراضي، واكتسبت، بفعل ذلك، رصيدًا سياسيًا واسعًا، غير أن انتهاء العمليات العسكرية فتح بابًا جديدًا للنقاش حول طبيعة الدولة وحدود القوة المسلحة خارج مؤسساتها الرسمية.

وهنا برز أحد أكثر التحولات الخطابية تعقيدًا داخل البيئة السياسية الشيعية، ففي السنوات الأولى بعد 2014، كان استهداف الشخصيات والتيارات المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة يتم غالبًا عبر اتهامها بأنها تنسجم مع مشاريع خارجية، أو أنها تتجاهل الظروف الأمنية التي يمر بها العراق، أو أنها تسعى إلى إضعاف القوى التي واجهت داعش، وكان النقاش يدور بين من يرى أن السلاح الموازي ضرورة فرضتها التحديات الأمنية، وبين من يعده حالة مؤقتة ينبغي أن تنتهي مع استقرار الدولة.

إلا أن السنوات اللاحقة أظهرت تحولاً لافتًا في هذا الجدل، فقد بدأت قوى شيعية تمتلك حضورًا جماهيريًا وسياسيًا تتبنى خطاب الدولة بصورة أكثر وضوحًا، وتطرح فكرة تنظيم السلاح ضمن المؤسسة العسكرية والأمنية، ليس انطلاقًا من رفض دور الفصائل، وإنما من رؤية تعتبر أن احتكار الدولة لوسائل القوة يمثل شرطاً لاستمرار النظام السياسي ذاته، وبهذا المعنى انتقل الجدل من صراع بين قوى شيعية وأطراف خارجها، إلى نقاش داخلي حول مستقبل الدولة العراقية وحدود العلاقة بين السلطة السياسية والقوة المسلحة.

إن أهمية هذا التحول تكمن في انتقال جزء من النخبة الشيعية من الدفاع عن شرعية السلاح غير المنضبط إلى الدفاع عن شرعية الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية جميع القوى السياسية، بما فيها تلك التي تمتلك أدوات القوة، فالخبرة العراقية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن تعدد مراكز القرار الأمني ينعكس على هيبة المؤسسات، ويؤثر في الاستثمار، ويضعف الثقة الداخلية والخارجية بقدرة الدولة على فرض القانون بصورة متساوية أمام عبث السلاح السياسي وتهديده لأمن الرافضين له.

وبعد ذلك صار الجمهور الشيعي أكثر ميلاً إلى مساءلة القوى التي منحها ثقته الانتخابية، وهو تطور يعكس انتقال المزاج الشعبي من دعم الهوية السياسية إلى تقييم الأداء الحكومي، وتكرس هذا المسار بصورة أوضح خلال احتجاجات تشرين، التي مثلت لحظة مفصلية في العلاقة بين المجتمع والقوى السياسية الشيعية، فقد جاءت الحركة الاحتجاجية من داخل البيئة الاجتماعية التي كانت تمثل الحاضنة الانتخابية التقليدية للأحزاب الحاكمة، الأمر الذي جعل الأزمة أكثر تعقيدًا، ولم يعد الصراع يدور بين مكونات المجتمع العراقي، وإنما بين جيل جديد يطالب بإعادة تعريف مفهوم الدولة والمواطنة، وبين منظومة سياسية اعتادت إدارة التوازنات عبر المحاصصة والتوافقات الحزبية.

ومنذ تلك اللحظة، أخذ الخطاب السياسي الشيعي يشهد انقسامًا بين اتجاه يسعى إلى مراجعة تجربة الحكم، واتجاه آخر ينظر إلى أي مشروع إصلاحي بوصفه تهديدًا لمعادلات القوة القائمة، ونتيجة لذلك، برزت أنماط متعددة من أدوات الصراع السياسي، شملت حملات إعلامية، وتسقيطًا معنويًا، وضغوطًا تنظيمية، ومحاولات لعزل الشخصيات التي تتبنى مشاريع إصلاحية أو تدعو إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل النظام السياسي، وأصبحت المنافسة لا تقتصر على الفوز في الانتخابات، وإنما امتدت إلى إضعاف الخصم سياسياً وإعلامياً وتقليص قدرته على إنتاج خطاب بديل.

وعند مراجعة السلوك السياسي الشيعي بعد عام 2003 سنكتشف أن التحول الأكبر لم يكن في الانتقال من المعارضة إلى السلطة، وإنما في كيفية إدارة السلطة بعد ترسيخها، فكلما ازداد عمر التجربة السياسية، ازدادت التحديات المرتبطة بإنتاج شرعية تستند إلى الإنجاز المؤسسي أكثر من استنادها إلى الإرث التاريخي أو الأغلبية الانتخابية، كما أن استمرار الدولة العراقية بات يرتبط بقدرة القوى الشيعية، على إعادة بناء خطاب سياسي يمنح الأولوية للمؤسسات، ويقبل بالتعدد داخل البيئة الشيعية، ويتعامل مع الإصلاح باعتباره ضرورة لحماية النظام السياسي.

لقد أظهرت التجربة العراقية أن الدول لا تدخل أزماتها الكبرى بسبب اختلاف القوى السياسية وحده، وإنما عندما يتحول الخلاف إلى أداة لتعطيل بناء المؤسسات، أو إلى سلاح لتصفية الخصوم وإقصائهم من المجال العام، ومن هنا، فإن مستقبل الخطاب السياسي الشيعي سيكون مرهونًا بقدرته على الانتقال من إدارة موازين القوى إلى إدارة الدولة نفسها، ومن حماية المواقع السياسية إلى ترسيخ قواعد الحكم الرشيد وسيادة القانون، وهي معادلة ستحدد إلى حد كبير ملامح النظام السياسي العراقي خلال السنوات القليلة المقبلة، لا سيما مع تصاعد الاشتباك السياسي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، الذي تجاوز حدود المواجهة المباشرة ليعيد تشكيل أولويات الفاعلين السياسيين في دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق.

الكلمات المفتاحية

الإطار التنسيقي

كيف ابتلع تحالف "الإطار التنسيقي" المجتمع المدني في العراق؟

استراتيجية الاحتواء، رغم نجاحها النسبي، قد تبقى عاجزة عن الاستمرار في إنتاج شرعية اجتماعية حقيقية


.

لعنة الجغرافيا.. انجراف الدول في فيضانات العراق

جغرافيا مياه الفيضانات العنيفة لنهري دجلة والفرات شكلت القالب الأساسي لصانع القرار السياسي


احتجاجات تشرين الوطنية

مثقف الطائفة: فرانكشتاين آخر في بغداد

أن تكون "مثقف طائفة" لا يعني أكثر من أن تكون ضابط علاقات عامة


الاطار التنسيقي

القداسة السياسيّة بوصفها بابًا من أبواب الإفلات من العقاب

أصبح ملف "القدسيّة المذهبيّة" للابتزاز الموسمي في كل انتخابات

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

كتائب حزب الله.jpg
سياسة

تحذير من "محرقة للجميع".. ماذا بعد تهديد "كتائب حزب الله" لعلي الزيدي؟

مخاوف من فشل الحوار مع الفصائل المسلحة بشأن حصر السلاح في العراق


جلسة مجلس الوزراء
أخبار

قرارات جلسة الحكومة.. تبرع وزارة النفط بـ 5 مليارات دينار إلى الصحة لـ"شراء الأدوية"

الموافقة على الآليات الخاصة بتصدير النفط العراقي من خلال شركات عالمية

الجوية
منوعات

الجوية يعاني من غيابات قبل مواجهة أربيل

لم تتحدد جاهزية رمضان صديق ومراد محمد لمباراة أربيل

الأكثر قراءة

1
منوعات

انفرد "ألترا عراق" بالقصة قبل شهر.. علي جاسم زاخولي مقابل نحو مليوني دولار


2
أخبار

شرطة واسط تكشف ملابسات طعن سائق للاستيلاء على سيارته


3
أخبار

"الحكمة" لـ"ألترا عراق": قاآني اجتمع بقادة الإطار.. ولا تمديد لمهلة حصر السلاح


4
أخبار

قضية عدنان الجميلي: ضبط 20 مليون دولار و60 كيلو غرام ذهب و7 سيارات


5
اقتصاد

خاص| بعد السحب الكبير من الداخل.. الدولة العراقية تتجه للاقتراض الخارجي