"الجداحة أو الكاتم".. أسلوب "ولائي" جديد للانتقام من احتجاجات تشرين

يعد العراق أكثر بلدان العالم خطورة بالنسبة للصحفيين (Getty)

إذا كانت الصحافة في العالم تسمى مهنة المتاعب، فهي في العراق، وكما يقول صحفيون "مهنة الرعب"، والتي تجعل صاحبها يمشي على أرض رخوة لا يعلم متى تخسف به، أو تتركه وحيدًا في مواجهة "سلاح الكاتم"، كما كان مصير الصحفي أحمد عبد الصمد في البصرة وغيره من الصحفيين العراقيين.

قال مجموعة من مراسلي قناة دجلة إننا خرجنا من منازلنا مكرهين وتركنا عوائلنا ومصدر رزقنا لنحافظ على أرواحنا من التصفية

ولا زالت تداعيات حرق مقر دجلة الأسبوع الماضي مستمرة إلى يومنا هذا بعد أن بثت أغنية في يوم العاشر من شهر محرم مما أثار ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي وأدى إلى إحراقها، فيما قامت جماعات مسلحة بتهديد مراسلي القناة بالتصفية الجسدية بعد اتهامهم بـ"العداء للمذهب والقضية الحسينية والعمالة للسفارة الأمريكية"، بحسب قولهم، وعلى الرغم من أن بعضهم قدم استقالته من القناة، إلا أنهم لم يسلموا من المطاردة المسلحة والرسائل التي تتوعدهم بالقتل، بعد أن تركوا محافظاتهم خوفًا من الاغتيال.

اقرأ/ي أيضًا: فتاوى تصفية الصحفيين في العراق.. من لا يعمل معنا "مشروع أمريكي"

وأصدر مجموعة من مراسلي قناة دجلة الفضائية بيانًا نشره المراسل زيد الفتلاوي، والذي هو الآخر قدم استقالته بعد عدة تهديدات بالقتل.

وجاء في البيان الذين نشره الفتلاوي على حسابه في "فيسبوك" ورصده "ألترا عراق"، "نحن مجموعة من الصحفيين وأعضاء بنقابة الصحفيين العراقيين كنا نعمل في قناة دجلة الفضائية كمراسلين ميدانيين، وبعد الضجة التي حصلت على قناة دجلة الفضائية بسبب قناة دجلة طرب وبثها الغنائي الذي ليس لنا أي صلاحية فيه من قريب أو بعيد، وبعد التهديد والمطالبة والهجمة التي وصفتنا بأننا أتباع قتلة الحسين وأتباع الصهيونية وإسرائيل وغيرها من الاتهامات ومن أجل احترام مهنتنا وعدم السماح لأي جهة أن تستخدمنا أداة للتصفية قدمنا الاستقالة وتركنا مصدر رزقنا الوحيد، على أمل أن نخرج من هذه المشكلة".

واستدرك البيان "ولكن مع شديد الأسف بدأت حملة ثانية وهي أن استقالاتكم كذب والغاية هي تنفيذ مشاريع أخرى، وأنتم مشاركين بالخطأ ويجب معاقبتكم لتكونوا عبرة لغيركم وبدأت التهديدات والتحريض لطردنا من محافظاتنا تارة، وإيصال رسائل تهديد وتصفية تارة أخرى"، موضحًا "إضافة إلى قدوم مجاميع مسلحة لأماكن عملنا ومنازلنا، وهنا لربما الأمر نابع من حملة انتقامية لما قمنا به أثناء تظاهرات العراق وتغطيتها المستمرة في محافظاتنا بصورة واضحة ومهنية". 

وتابع البيان "والأدهى من ذلك خرجنا من منازلنا مكرهين وتركنا عوائلنا ومصدر رزقنا لنحافظ على أرواحنا وأبلغنا جميع الجهات المعنية منها نقابة الصحفيين، والجمعيات العاملة بحماية الصحفيين وحقوقهم، وحقوق الإنسان، وغيرها لطلب حماية حقنا القانوني ومساعدتنا في إفشال مخطط الجهات التي تريد تصفيتنا، وما زدا الأمر تعقيدًا بيانات بعض المحافظين ضد مكاتب القناة في محافظاتنا، وملاحقتنا وعدم السماح للقوات الأمنية التعاون معنا على الرغم من عدم وجود أي مكتب في المحافظات ورغم كل الأدلة التي أوصلناها وتكلمنا عنها، إلا أن الجميع تخلى عنا من نقابة الصحفيين العراقيين المركز العام، وأغلب المنظمات التي تدعي عملها لحماية الصحفيين سوى بعض المحاولات الفردية من زملاء أحبة، وشبكة أنسم التي وفرت لنا الأمن الرقمي وأوصلت بعض الرسائل إلى الجهات الدولية". 

 وحملَ البيان المشترك كل شخص قام بالتحريض ضد الصحفيين التباعات القانونية، قائلًا إن "أي شيء يحصل بحق حياتنا وأهلنا يتحمله من حرض ضدنا علناً ومن أصدر بيانات تحريضية، ومن صمت عن حقنا القانوني من الجهات التي ذكرناها ولم تحرك ساكنًا ونمتلك كل الأدلة"، فيما ختم البيان بتوجيه رسالة الى الصحفيين في العراق "صمتكم تجاه ما يحصل سيولد ثقافة الخلاص من أي صوت إعلامي بحجج واهية وبصورة علنية".

وتواصل "ألترا عراق"، مع أحد المراسلين الصحفيين العاملين في قناة دجلة، والذي تعرض بدوره إلى تهديد بالتصفية، حيث قال "جميع الجهات تخلت عنا، حتى تلك التي تدعي حمايتها للصحفيين وكذلك منظمات حقوق الإنسان والقنوات التلفزيونية، والتي ستلاقي المصير ذاته من قبل ذات الجهات إذا استمر سكوتها". 

أضاف المراسل الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن "قضية قناة دجلة طرب تحولت الآن إلى قضية شخصية انتقامية، بسبب تغطيتنا المستمرة لتظاهرات تشرين الأول/أكتوبر، حيث اتخذوا من موضوع دجلة طرب ذريعة لتصفية كل المراسلين الذين كان لهم الدور البارز في تغطية التظاهرات".

 وتساءل المراسل "إذا كنا نهدد بالقتل بسبب عرض الأغاني في قناة دجلة طرب الأمر الذي لا علاقة لنا به، فلماذا قتل الصحفي أحمد عبد الصمد وزميله المصور صفاء غالي أثناء تغطيتهما لمظاهرات البصرة، وأيهما أشد جرمًا عند الله قتل النفس وزرع الرعب في قلوب العوائل أم سماع الأغاني؟". 

وعن موقف نقيب الصحفيين مؤيد اللامي، قال المراسل "لقد كان موقفه مضحكًا حيث قال بعد أن اتصلنا به؛ سوف اتصل ببعض الفصائل المسلحة حتى لا تتعرض لكم". 

وفي السياق، أصدر محافظ الديوانية زهير الشعلان بيانًا نشره المركز الإعلامي لمحافظة الديوانية، قرر فيه إيقاف عمل قناة دجلة الفضائية في الديوانية إلى إشعار آخر، كما وجه الدوائر الحكومية والأمنية بعدم التعامل مع القناة وعدم التصريح لها إلى إشعار آخر مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية في حال استمرت القناة ببث نشاطاتها في محافظة الديوانية". 

وبحسب مرصد الحريات الصحفية، فإن "العراق يعد أكثر بلدان العالم خطورة بالنسبة للصحفيين".

قال مراسل صحفي في قناة دجلة إننا تواصلنا مع نقيب الصحفيين مؤيد اللامي بعد تعرضنا للتهديد لكنه قال سوف اتصل ببعض الفصائل المسلحة حتى لا تتعرض لكم

ومع انطلاق تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر في العام الماضي، تعرض الكثير من الإعلاميين والصحفيين والناشطين إلى التصفية الجسدية، وكان آخرهم الناشطة رهام يعقوب والتي أسكت صوتها بواسطة سلاح كاتم، بعدد مرور أسبوع على مقتل الناشط تحسين أسامة بعد حملات التحريض التي تتهمهم بالعمالة لواشنطن والتعامل مع القنصلية الأمريكية.

اقرأ/ي أيضًا: غضب وجدل.. الكربولي مطلوب في بغداد والنجف بعد حفلة غنائية ليلة عاشوراء

وتعدّ بعض المنصات على تطبيق "تلغرام"، ساحةً للتحريض "الولائي" ضد الفضائيات والعاملين فيها. وأبرزها "صابرين نيوز". ومؤخرًا، تم تأسيس حركة باسم "أهل الجداحة"، وتعني "الولّاعة"، التي تحرق المحطات الفضائية بواسطتها، بحسب بيان للحركة التي ذكرت أنها "تعلن فتح باب التطوع في صفوفها لحرق مقرات، وصفتها بـ"البعثية والنقشبندية وتتبع السعودية"، شريطة أن "يحمل المتطوع قداحة مملوءة بالغاز وله إمكانية عبور الأسيجة بسهولة تامة ولا يمتلك كرشًا".

ومنذ أيام، تواصل هذه المنصات التي يقول منتقدوها إنها "ولائية" أي تابعة للفصائل المقربة من إيران، منشوراتها وبياناتها ضد قناة "يو تي في" الفضائية، عقب استضافتها عضو مجلس النواب فائق الشيخ علي، المعروف بمعاداته للفصائل الولائية، والذي قال خلال اللقاء إن "المرجعية الدينية لم تستنكر العنف الذي تعرض له ناشطون". فيما تبنت منصة "صابرين نيوز" حملة إعلامية ضد "يو تي في" طالبتها بالاعتذار، مهددة بأن عدم الاعتذار يعني ترقب مصير قناة دجلة الفضائية التي أحرقت قبل أسبوع. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

غليان بعد اغتيال "رهام".. كيف تحول التحريض الإيراني العلني إلى "حمام دم"؟

إحصائية بعمليات الاغتيال للناشطين في شهر آب