"الجرائم المعلوماتية".. تساؤلات التوقيت والتحديات

تريد القوى السياسية في العراق الهيمنة على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها خارجة عن سيطرتها (Getty)

قد يكون الوقت الحالي هو وقت طرح التساؤلات حول مسألة قانون الجرائم المعلوماتية أكثر منه وقت تقديم الإجابات الجاهزة، خصوصًا وأن القانون لم يُقر حتى لحظة كتابة هذه السطور، مع وجود رفضٍ "جزئي" له من جهات كأعضاء في مفوضية حقوق الإنسان، ونقابة الصحفيين العراقيين، وبعض البرلمانيين، فضلًا عن منظمة العفو الدولية "امنستي".

التساؤل الإشكالي الأهم هو سؤال "التوقيت"، وما هي التحديات المستعجَلة التي تواجهها البلاد بحيث تستدعي أن يبحث البرلمان التصويت على القانون تاركًا خلفه عشرات القوانين التي تهم الناس ومصالحهم؟

قُرأ القانون لمرة واحدة قبل أشهر وأعيد في أيامنا هذه الحديث عن إقراره بشكل جديٍ، حاملًا مخاوف حقيقية من تقييد حرية التعبير في العراق، وتضييق الخناق على الناشطين وأصحاب الرأي. أقول حقيقية كون فقرات القانون تحمل عبارات مطاطة وقابلة للتفسيرالمنتقى، وكذلك تتيح للجهات الرقابية والأمنية انتهاك خصوصية المستخدمين، ناهيك عن أحكام القانون القاسية والتي عدتّها "امنستي" صفعة للحريات.

ربما التساؤل الإشكالي الأهم الذي يولد عددًا من التساؤلات هو سؤال "التوقيت"، لماذا هذا التوقيت في مناقشة مثل هذا القانون، وما هي التحديات الراهنة الكبيرة المستعجَلة التي تواجهها البلاد بحيث تستدعي أن يبحث مجلس النواب التصويت على القانون تاركًا خلفه عشرات القوانين التي تهم الناس ومصالحهم؟

اقرأ/ي أيضًا: تحذير دولي من انتكاسة "مفجعة" لحرية التعبير في العراق.. لا تشرعوا هذا القانون!

لقد مر العراق بمرحلة صعبة في عام 2014 هددت كيان الدولة الواحد، وتمكن تنظيمُ الدولة "داعش" من استخدام الإعلام الإلكتروني في تكتيكاته العسكرية بذكاء، وتعاملت شركتا فيسبوك وتويتر مع حسابات التنظيم بحزمٍ؛ لكن إجراءات الشركتين لم تكن هي الحاسمة على الأرض.

وهنا، لا أقلل بتاتًا من حجم التأثير الإعلامي في الحروب والأحداث السياسية كالتظاهرات، وإلا لما قلقنا من هذا القانون؛ لكن أقول إن المعضلات الكبرى مثل فشل المنظومة الأمنية وقبلها السياسية ومعها الإعلامية في التصدي لتنظيم داعش لا تُحل بمثل تلك الإجراءات، ولم يوقف إجراء الحكومة آنذاك بتعطيل خدمة الإنترنت في بعض المناطق العراقية زحف التنظيم لها أو تهديدها على الأقل، بل أوقفته العمليات العسكرية على تخوم بغداد، وأضيف على ذلك أن العراقيين ذاتهم استخدموا مواقع التواصل الاجتماعي في حشد معنويات القوات الأمنية ضد التنظيم. كما لم يَحُل قطع حيدر العبادي للإنترنت أزمة البصرة، بل استمرت حتى نهايتها المعروفة، وكلُ تلكَ دلائلُ على أن الواقعَ الموجود على الأرض ينعكس على الواقع الافتراضي وبالإمكان الأخير التأثير على الحياة العامة وإحداث التغييرات، لكن القمع في الواقع الافتراضي لن يُغيّر الحال على الواقع الحقيقي خصوصًا في حالة مثل حالة العراق.

رغم ذلك، واستمرارًا لسؤال التوقيت، لماذا لم يُقدم مجلس النواب على إقرار مثل هذا القانون في ظل أجواء من التصعيد الطائفي وصب زيت الفتنة على نار الحرب الأهلية آنذاك؟

وإن غادرنا الماضي، وبقينا في حاضرنا، فما هي التحديات التي تواجه الحكومة بعد داعش ؟. ربما أن التحدي الاقتصادي من الأولويات التي تواجه الحكومة العراقية بسبب ضعف البنى التحتية الوطنية والقروض الممنوحة من الدول وصندوق النقد الدولي للعراق. وتشهد العديد من مدن العراق تظاهرات "فئوية" تتعلق بأصحاب المهن والعقود والنقابات والمفسوخة عقودهم والفلاحين والأجراء اليوميين وغيرهم.

 إن التحدي الأمني لم يعد مطروحًا على الطاولة بذلك الشكل الذي كان عليه قبل تحرير الموصل، وأيام الحرب الطائفية في 2006، كما أن التحدي السياسي على المستوى الخارجي بات أقل خطورة ـ نسبيًا، أي بنوع الخطورة ـ من السابق، وتصريحات السياسيين لم تكف عن ذكر الانفتاح العربي والدولي على العراق وضرورة استغلاله ومغادرة مرحلة الاحتقان السياسي خصوصًا مع "الحضن العربي"، ما يطرح تساؤلات أخرى: ما هي التحديات الأمنية والسياسية التي تستدعي إقرار مثل هذا القانون؟. مالذي يدور في ذهن صانع القرار السياسي؟

لماذا لم يُقدم مجلس النواب على إقرار مثل هذا القانون في ظل أجواء من التصعيد الطائفي وصب زيت الفتنة على نار الحرب الأهلية آنذاك؟

وهل لانتقادات مرجعية النجف في مجموعة من خطب يوم الجمعة لمواقع التواصل الاجتماعي ودعواتها لوضع "ضوابط" لاستخدام تلك المواقع علاقة بتشريع هذا القانون؟

يُمكن اجتراح إجابات لكل تساؤل ورد أعلاه، وربط خيوط تلك الإجابات ببعضها للخروج بجواب شامل؛ لكن ذلك سيسبق الحدث نحو الخوض في النوايا، ويُضيع السؤال الأهم: ما خطورة تشريع مثل هذا القانون بصيغته الحالية؟

اقرأ/ي أيضًا: قانون جرائم المعلوماتية.. لماذا يخاف السياسيون مواقع التواصل الاجتماعي؟

نعم إن معرفة غايات المُشرّع تمثل نصف الإجابة؛ لكن فقرات القانون الـ 31 والتي تضم ثلاث وعشرين فقرة تجرّم مستخدم الإنترنت بعقوبات تصل إلى المؤبد وغرامات باهظة الثمن، مع نصٍ يُمكن أن تستخدمه السلطات العراقية في ضرب أي معارض أو ناشط أو إعلامي أو مدون يتحدث عن شُبهات فساد، أو علاقات خارجية مريبة، أو صفقات مشبوهة، فضلًا عن فضائح جرائم القتل، كل ذلك يُدلل على أن مشرّع القانون لديه الرغبة العارمة بإسكات الأصوات المُخالفة لصوت الطبقة السياسية الواحد رغم اختلافاته، وربما كتابة مسودة هذا القانون في عام 2006 وطرحه في 2011 تُفصح عن هوية وذهنية السياسيين الذين كتبوا هذا النص بعد تغول تنظيم القاعدة وانطلاق تظاهرات شباط المزامنة للثورات العربية، على التوالي.

ويبقى الامتحان الحقيقي والفيصل: هل هذا الجيل البرلماني الذي يدعي التغيير والبداية بصفحة جديدة من محاربة الفساد وتعديل المسار السياسي سيُخالف الجيل القديم؟ أم أن الصفحة الجديدة هي المنطلق لتشريع مثل هذا القانون لغاية في نفس المتوافقين على تشكيل الحكومة؟

أريد الإشارة إلى أن محاربة الابتزاز الإلكتروني والجرائم التي تُرتكب بحق فتيات لا يحتاج إلى هذا القانون العظيم الذي يشمل الحديث عن المعتقدات الدينية وأمن الدولة والتسبب بـ "احتقار" أحدهم وإفشاء السر! .. لقد استطاعت صفحة بسيطة على فيسبوك أن تُعالج العديد من قضايا الابتزاز، فهل عصيّ ذلك على الجهة الأمنية المعروفة المعنية بمثل هذه القضايا؟ أم أنها تحتاجُ لقانون في بلاد الغاب؟

كما أريد الإشارة إلى ضرورة أن يوحد هذا القانون كل القوى والناشطين والإعلاميين والمثقفين والكُتاب والأدباء بمختلف صنوفهم لمواجهة هذا الخطر الذي يُهدد الجميع دون النظر لهويتهم الفرعية ـ فكرية أو عقائدية أو مذهبية أو ثقافية. ما عدا أولئك المتضررين أصلًا من قوة مواقع التواصل وتأثيرها على بعض القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية، والمستفيدين من واقع العراقي حالي، ماديًا أو معنويًا.

هناك ضرورة أن يوحد هذا القانون كل القوى والناشطين والإعلاميين والمثقفين والكُتاب والأدباء لمواجهة هذا الخطر الذي يُهدّد الجميع دون النظر لهوياتهم المختلفة

آمل أن يُضغط على مجلس النواب بمختلف الطرق لمنع تمرير هذا القانون الاستبدادي الذي سيمنع النافذة الوحيدة التي تتيح للشباب قول ما يريدوه فيما يخص أوضاع بلادهم، دون أن تصنع ذلك وسائل الإعلام المُسيطر عليها.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العراق في المنطقة الحمراء.. آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها!

كيف يتحول الصحافي إلى "عميل" و"إرهابي"؟