30-يونيو-2019

لا يخفي تيار الحكيم سعيه إلى نيل حصة من المناصب الخاصة (Getty)

الترا عراق - فريق التحرير

لم تسجل حكومات ما بعد 2003 معارضة فاعلة، حيث يشترك الجميع في حفلة تقاسم المناصب بعد الانتخابات النيابية وفقًا لـ "الاستحقاقات" التي تحددها النتائج، خاصة وأن استقطاب الجمهور وإدامة النفوذ لدى الأحزاب قائم على المناصب التنفيذية والوزارات الخدمية، باستثمارها لاحقًا بالداعية الانتخابية عبر الوعود بالتعيينات والخدمات.

رفعت قوى سياسية شعار المعارضة ولوحت به أخرى لكنها تسعى في ذات الوقت "علنًا" إلى نيل حصتها من المناصب الخاصة  

كما لا تقتصر "الاستحقاقات" على الوزارات، والتي تراجعت قيمتها لدى القوى السياسية جراء ظهور مكاسب ثابتة غير مرهونة بحكومة أو انتخابات وذات منفعة أكبر وأضمن متمثلة بالدرجات الخاصة، ما دفع جزءًا من القوى إلى الزهد بالوزارات مقابل ضمانات بشأن الدرجات الخاصة، على الرغم من كون بعضها قد رفع شعار المعارضة كتيار الحكمة وائتلاف النصر، وهو ما يراه مراقبون "مناورة سياسية" لتحصيل المكاسب والابتعاد عن غضب الشارع.

معارضة على الطريقة العراقية

تقوم المعارضة على رؤية ثابتة وطويلة الأمد ويتخذ المعارض فيها دور المراقب والمتتبع لعمل الحكومة، يحشد القوى البرلمانية تجاه رأي محدد، لكن قوى عراقية شكلت مفهومًا مغايرًا لها، حيث أشكلت الكتل السياسية على المحاصصة والأداء الحكومي وأعلنت نفسها كقوى معارضة، فيما تجري المباحث للظفر بحصتها من الدرجات الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: المعارضة السياسية.. دور المُحاسِب أم ضغط للمكاسب؟

بعد نتائج الانتخابات وبدء التحالفات، انخرط تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم والذي يمتلك 19 نائبًا، في تحالف الإصلاح والاعمار ممثلًا برفقة تحالف سائرون عِماده، ومنح الحكمة الحرية لرئيس الوزراء في أختيار فريقه الحكومي، وصوت على كابينة عبد المهدي، ولكنه بعد نحو 200 يوم أعلن دخوله في المعارضة بالتزامن مع حِراكه في أروقة التفاوض بشأن الدرجات الخاصة.

وذكر بيان للحكمة في 16 حزيران/يونيو 2019، أن "المكتب السياسي لتيار الحكمة الوطني عقد اجتماعًا استثنائيًا في المقر المركزي للتيار، تدارس فيه الأوضاع السياسية بشكل عام، وخلُص فيه إلى تبني المعارضة السياسية.

لكن على الرغم من ذلك صوت نواب التيار على منح الثقة لوزراء الدفاع والداخلية والعدل في 24 حزيران/يونيو، وفق توافقات سياسية يفترض أن يكون التيار معارضًا لها، فيما يرى مراقبون أن تصويت الحكمة جاء بفعل "علاقته الجيدة" بوزير الداخلية ياسين الياسري.

ويجهز الحكمة لسلسة استجوابات لوزراء بسبب التلكؤ والتقصير في أدائهم أو من تشوب عملهم مخالفات أو شبهات فساد، مؤكدًا تأشير "كثير من الملاحظات" على أداء الحكومة الحالية، وتشخيص "ضعف الأداء الحكومي في كثير من القضايا، مثل الخدمات ومكافحة الفساد والتراجع الأمني والعلاقة مع الاقليم وغيرها".

معارضة.. مراوغة سياسية

يقول المحلل السياسي أياد العنبر، إن "مفهوم المعارضة لم يتبلور بعد في العراق، ولا بد من وجود كتلة تتبنى الحكومة ليكون عمل المعارضة واضحًا، وليس تبني المعارضة فقط، وعلى هذا الأساس يقوم النظام البرلماني كتلتين متقابلتين حكومية ومعارضة".

محلل سياسي: الابتعاد عن الواجهة وتقديم مرشحين للدرجات الخاصة هي مراوغة سياسية لعدم تحمل المسؤولية

أضاف العنبر في حديث لـ "ألترا عراق"، أن "تبني المعارضة كخيار مؤقت لا يؤثر على تشكيل الحكومة ولا يحدث خللًا فيها، ولا يمكنك أن تلوح بسحب الثقة، فهذه ليست معارضة وإنما خطاب السياسي و إعلامي أكثر مما هو عملي في الواقع السياسي والبرلماني".

اقرأ/ي أيضًا: استكمال اللجان النيابية: هل حُسم صراع سائرون ودولة القانون؟

كما أشار، إلى عد وجود مفهوم واضح وصريح للمعارضة حيث كان يفترض أن تحدد الكتل خيارها إما المساهمة في الحكومة أو لا، وتتحمل مسؤولية النتائج وفقًا لذلك، لا أن تعلن المعارضة بعد 200 يوم من المشاركة "دون إيضاح وسائل المعارضة والآليات التي تمارسها لمراقبة الحكومة"، عادًا تبني المعارضة في الوقت الراهن "محاولة لكسب الشارع".

قال المحلل الساسي أيضًا، إن "الجميع مشترك منذ البداية، ويتحمل النتائج الحكومة، ومن يدعي المعارضة عليه إثبات ذلك من خلال الأداء وتحشيد البرلمان تجاه رأي معين واستجواب المقصرين بعيدًا عن الخطابات الإعلامية، لحظتها يكون أداءً برلمانيًا وليس خطابيًا"، فيما رأى أن "الابتعاد عن الواجهة وتقديم مرشحين للدرجات الخاصة، هي مراوغة سياسية لعدم تحمل المسؤولية".

في السياق، يؤكد القيادي في تيار الحكمة فادي الشمري، أن دعم حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في بداية تشكيلها كان "قد بني على أمل أن تنسجم مع البرنامج الذي أعلنته في حينها، فيما كان تخويل عبدالمهدي لاختيار الشخصيات المناسبة لشغل المواقع الوزارية بناءً على اتفاق سياسي على دعم التكنوقراط السياسي، وهو ما لم يتم تنفيذه للأسف".

أضاف الشمري في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "خيار المعارضة مطروح منذ البداية، ولكن المباشرة به كان سيعطل تشكيل الحكومة لذلك انسجمنا مع البرنامج وإن لم يكن لدينا في داخل الكابينة أي وزير"، مؤكدًا أن تياره طالب عبد المهدي بـ "أخذ زمام المبادرة واختيار الدرجات الخاصة وفق معايير عالية وإبعاد إدارة هذا الملف عن التفاهمات السياسة للحفاظ على جسد الدولة".

ولم ينف القيادي في تيار الحكيم، السعي لنيل حصة من الدرجات الخاصة، على اعتبار أن "المعارضة تشمل المواقع التي تتغير كل أربع سنوات، وبالنتيجة معارضة اليوم ممكن أن تتحول إلى أغلبية سياسية في دورات لاحقة وتتصدى للعمل الحكومي"، مبينًا أن "الدرجات ما دون المواقع الوزارية يجب أن تخضع لسياقات الدولة والوظيفة سواء شغلها مرشحون من قوى في الحكومة أو في المعارضة".

ورأى الشمري، أن ذلك ليس بجديد "ففي تركيا كان أردوغان مسؤولًا لبلدية إسطنبول وهو ينتمي لحزب معارض، وكذلك حاكم النمسا وعمدة لندن الآن، هذه ديمقراطيات عريقة يمكن الاستفادة منها". دون أخذه بنظر الاعتبار أن نيل تلك المناصب من قبل قوى معارضة كان عن طريق الانتخابات وليس المحاصصة.

كما دعا الشمري القوى التي لا تزال في "المنطقة الرمادية" على حد وصفه، إلى حسم خيارها بـ "المولاة أو المعارضة لتأسيس مرحلة قادمة يمكن من خلالها إنشاء مشاريع سياسية مقابل مشاريع القوى التي تمارس العمل الحكومي"، مؤكدًا أن "بقاء الحال كما كان عليه في الفترة السابقة ببقاء الجميع في الحكومة واتنتقادها من قبل الجميع في ذات الوقت، يجعل الناس في متاهة وغير قادرين على تحديد من يتحمل المسؤولية".

يقول تيار الحكيم إن سعيه إلى نيل المناصب الخاصة على الرغم من إعلانه المعارضة ليس بجديد كما جرى في تركيا والنمسا متغاضيًا عن الفرق الشاسع بين الوصول إليها عبر الانتخابات أو المحاصصة

كان زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم قد قال سابقًا، : "اسمحوا للمعارضة أن تنطلق وأن تمارس دورها وتحملوا بعض الأخطاء في الأداء لو حصلت، مثلما أننا على مدار 15 سنة تحملنا الكثير الكثير من أخطاء الحكومات والمتصدين في جناح الموالاة، فلتُمنح الفرصة الكافية للمعارضة السياسية لتمارس دورها مثلما مُنحت الفرص للمولاة في ظروف سابقة".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حرب "الدرجات الخاصة" وتقاسم المناصب.. الحنطة أبرز ضحاياها!

شرط الدولة المفقود عراقيًا