الدعوة للنظام الرئاسي.. أحزاب

الدعوة للنظام الرئاسي.. أحزاب "تتاجر" بالاحتجاج إيرانيًا ودكتاتورية للأغلبية!

التحول لنظام رئاسي سيتيح للأحزاب الشيعية الموالية لإيران القبض على مقاليد الحكم بقوة (Getty)

منذ انطلاق التظاهرات الشعبية في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، والتي راح ضحيتها مئات الضحايا والآلاف من الجرحى، ارتفعت الأصوات المطالبة بتغيير شكل نظام الحكم في العراق من برلماني إلى رئاسي من قبل أحزاب سياسية، وسط مخاوف جمّة من جر البلاد إلى تأسيس حكم ديكتاتوري جديد يجثم على صدور العراقيين ويحطم آمالهم ومستقبلهم ويفشل انتفاضتهم المستمرة منذ أكثر من 30 يومًا.

الكتل السياسية المقربة من إيران هي التي كانت سباقة في الدعوى إلى تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي

ومما يزيد هذه المخاوف لدى بعض الناشطين والمتابعين أن الكتل المقربة من إيران هي التي كانت سباقة في هذه الدعوى التي تطالب بتغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، حيث قال رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في تصريح صحفي إن "النظام الرئاسي هو الأصلح في العراق، معتبرًا إياه "بداية تصحيح العملية السياسية التي تبدأ من الدستور".

اقرأ/ي أيضًا: حرب الملفات المسربة.. لا تخص العراقيين!

أما زعيم كتلة الفتح هادي العامري فقد قال إن "النظام البرلماني ثبت فشله ولم يعد يجدي نفعًا، ولذلك لا بد من تعديله إلى نظام آخر يناسب وضعنا".

 في إشارة إلى تبني النظام الرئاسي والتي طالبت به كتلته مؤخرًا، ولم تكن تصريحات الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي بعيدة عن هذا المطلب الذي كرره في الأعوام الماضية وطالب به مجددًا قبل مدة وجيزة، إذ يرى الخزعلي أن "الحل الأفضل هو أن يتم تغيير النظام البرلماني إلى نظام رئاسي في العراق".

وبصرف النظر عن صعوبة تبني النظام الرئاسي الذي يتطلب تعديلًا دستوريًا تتوافق عليه جميع المكونات، لا سيما في ظل وجود فيتو لثلاث محافظات تمتلك حق رفض التعديل على الدستور إذا لم يرق لها، فإنه يفتح السؤال الجدلي الذي طالما يتكرر عند حدوث كل أزمة تعصف بالعراق "هل المشكلة في شكل نظام الحكم أم في الطبقة السياسية التي تحكم منذ 16 عامًا؟".

وفي حديثه لـ"ألترا عراق" يرى أستاذ كرسي اليونسكو في العراق الدكتور حسن ناظم أن "تغيير النظام من برلماني إلى رئاسي غير عملي؛ لأنه يقتضي تعديلًا دستوريًا ووسائل غير متاحة" مبينًا "من الأفضل الاحتفاظ بالنظام الحالي مع تعديل قانون الانتخابات وتغيير المفوضية وتعديلات بالنظام القضائي حتى يتم "كنس" هذه الطبقة السياسية الفاسدة" بحسب تعبيره.

أستاذ الفكر السياسي في جامعة الكوفة أسعد شبيب، يرى في حديثه لـ"ألترا عراق "إن النظام البرلماني يوفر تمثيلًا نسبيًا للأقليات التي تخشى التهميش والإقصاء، ومن هنا جاء النظام البرلماني" مستدركًا "لكن النظام البرلماني يحتاج إلى أعمدة سياسية تسنده ومن هذه الأعمدة وجود أحزاب قائمة على أساس المواطنة وتمثل قيم وطموحات الشعب، فضلًا عن وجود بنية تشريعية عصرانية كقانون الأحزاب وسيادة القانون والفصل بين السلطات".

تبني بعض المتظاهرين الدعوة للنظام الرئاسي فهي يعد نوعًا من النقمة اللاواعية على شخوص النظام والتي امتدت إلى النظام ذاته

أضاف أن "التجربة السياسية في العراق التي أفرزت الأحزاب النفعية والأوليغارشية سرقت طموحات الناس في بناء دولة قائمة على أسس تكافؤ الفرص، والعيش الكريم فضلًا عن الملف الطويل المتمثل بالفساد المالي والإداري بسبب عملية المحاصصة التي نجمت عن التوافقية البرلمانية والتنفيذية، فعمل الجميع بالسلطة، موضحًا "في حين أن من مقومات الأنظمة البرلمانية أن يكون هنالك فريق يحكم وآخر يكون في المعارضة".

أشار إلى أن "الهدف من المطالبة بالنظام الرئاسي في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية في العراق هو لغرض أن هذا النظام يخدم بعض الجهات الحزبية التي ترغب بحكم العراق عن طريق القوة".

اقرأ/ي أيضًا: التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

لفت شبيب إلى "ضرورة ترسيخ وتقنين النظام البرلماني عبر سيادة القانون والتخلص من الفوضى الحزبية بجميع مكوناتها وتداعياتها ومنها الفشل في إدارة الدولة".

وبصرف النظر عن الغايات السياسية من الأطراف التي تدعو إلى تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي، فإن تشويه هذا النظام على يد الطبقة السياسية التي تسيدت المشهد السياسي منذ عام 2003، جعل بعض المتظاهرين يفرغون شحنات غضبهم بتغييره وتبني النظام الرئاسي، بحسب ما يرى الباحث المهتم بالشأن السياسي هشام الموازني الذي قال في حديثه لـ"ألترا عراق" أن "هذا المطلب تبنته قوى سياسية تمثل الأغلبية وتحاول أن تمركز القرار السياسي ولا أتوقع أن ينجح هذا التحول".

 وأضاف "أما بخصوص مطالب بعض المتظاهرين بتبني النظام الرئاسي فهي تعد نوعًا من النقمة اللاواعية على شخوص النظام والتي امتدت إلى النظام ذاته".

من جانبه، يرى طالب الدكتوراه في العلوم السياسية علاء راضي في حديثه لـ "الترا عراق" أن "المطالبة في هذا الوقت بتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي يكشف حقيقتين؛ الأولى جهل الكثير من المطالبين بماهية بالنظام الرئاسي، إذ يتصورون خلوه من البرلمان، الأمر الثاني يتمثل في مقارنته بأنظمة رئاسية راسخة لفترة طويلة في دول ديمقراطية".

 ودعا راضي النخب السياسية والباحثين المهتمين بالشأن السياسي إلى أخذ دورهم في شرح هذه الأنظمة للمحتجين حتى تتوحد مطالبهم، قائلًا "يتوجب على النخب أخذ دورها وشرح ماهية الأنظمة السياسية السائدة بشكل وافٍ  للمتظاهرين واختيار النظام السياسي الأنسب وفق طبيعة المجتمع العراقي وشكل دولته الاتحادية وتعدد قومياته ومذاهبه".

دعوات صادقة لحل الأزمة أم هي محاولات لإيهام الشعب؟ 

القوى السياسية الداعية إلى تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي تحاول إيهام الشعب بأن المشكلة الرئيسية في العراق تكمن في الدستور أو في نظام إدارة الدولة وليس في الأحزاب والشخصيات، والدليل على ذلك أنها لم توضح ما المختلف في الإدارة إذا بقيت الأحزاب والكتل على ذات النهج، بحسب الكاتب قيس حسن.

الهدف من المطالبة بالنظام الرئاسي في ظل تصاعد الاحتجاجات في العراق هو لغرض أن هذا النظام يخدم بعض الجهات الحزبية التي ترغب بحكم العراق عن طريق القوة

يقول حسن لـ"ألترا عراق"، "ما هو الخلل في النظام البرلماني، الكل يعرف أن المشكلة ليست في نظام الحكم بل في سلوك الحاكم وطريقته الفاسدة في إدارة مقاليد الحكم".

أوضح أن "النظام البرلماني بحسب رأيي هو أفضل نظام يتلاءم مع الوضع العراقي، فالبرلمان الذي يفرز رئيسًا ورئيس وزراء ولديه الصلاحيات الدستورية للمراقبة والمحاسبة، هو النظام الأفضل الذي يوطد الثقة بين السلطة والمواطن"، مشيرًا إلى أن "الأحزاب الحاكمة عملت طوال العقد والنصف الماضيين على تغييب أي جهد يمكن أن يزيحها عن السلطة واستخدمت الدولة وإمكاناتها في تقوية نفوذها عن طريق وسائل وطرق غير قانونية، وغير أخلاقية في تحقيق هذا النفوذ، فهل يمكن أن نستبدل سلوكها في النظام الرئاسي مثلًا؟".

اقرأ/ي أيضًا: العقل الجمعي يقدّم الدروس للمثقف العراقي!

الباحث الأكاديمي أسامة غالي، يتفق مع حسن في الرؤية، إذ يقول لـ"ألترا عراق"، إن "معاينة الاحتجاج الآن ضرورة لغرض أن نفهم السلطةَ على طريقة العالم الجديد، أو على طريقة المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، السلطة المركبة العناصر، وليست الحكومة الرسمية التي تدير البلاد، وحين يحاول الاحتجاج؛ أي احتجاج ثوري، الخلاص من سلطةٍ ما؛ لا بد من رفض جميع عناصرها، وإيقاف منابعها ومنابع السلطة في العراق تكمن إجمالًا في المثقف الانتهازي، أو حارس الخطاب الرسمي، والقبيلة، والمؤسسة الدينية، وموظفي الأحزاب بمختلف درجاتهم الوظيفية".

وتابع " هذا ما أفهمه عن السلطة، وهذا ما أفهمه عن الثورة أو الاحتجاج الحقيقي.. ولذا حين ترجع هذه العناصر لتكون جزءًا من الاحتجاج فنحن إزاء تشييد سلطة جديدة مشابهة، وربما أكثر انحطاطًا، وهذا عبث لا جدوى منه، وربما هذه المعاينة تتسع لفهم جدلية مطلب النظام الرئاسي أو البرلماني".

بيّن غالي أن "الحديث ليس في تفضيل أي منهما بقدر الحديث عن هذه العناصر التي تدفع لإفشال إي فرصة لإنقاذ البلاد مهما كان النظام رئاسيًا أو برلمانيًا". 

النظام الرئاسي يبدو أقرب إلى الديكتاتورية أو قد يؤسس لها مستقبلًا ويعطي للرئيس حرية واسعة في اتخاذ القرارات التي قد يستغلها بشكل خاطئ ضد معارضيه وبالتالي إحداث تشظي سياسي قد تترتب عليه تداعيات خطيرة تجر البلاد للاحتراب الداخلي وللعراق تجارب مريرة مع الأنظمة الرئاسية التي شوهت صورتها الانقلابات المتكررة منذ تأسيس الجمهورية العراقية عام 1958 حتى عام 2003، بحسب الأكاديمي بشار حاتم الزبيدي.

الزبيدي لفت إلى أنه "قد يقبض أيضًا الرئيس على جميع السلطات أو يضع رجال يقومون له بالمهمة مع سيطرة حزبه على المجلس التشريعي وتمتعه بتفويض شعبي واسع وبذلك تصبح السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية بيد زعيم أو حزب واحد وقد يتحول الأمر لاحقًا إلى نظام حكم أوتوقراطي".

أكاديمي: التحول إلى نظام رئاسي سيتيح للأحزاب الشيعية الموالية لإيران القبض على مقاليد الحكم بقوة وبلا رقيب أو معوقات تحت شعار أن الشيعة يشكلون الغالبية

أشار الزبيدي إلى أن" النظام الرئاسي يصلح بالغالب وينسجم مع البلدان الصغيرة والمنسجمة اجتماعيًا، أما دولة مثل العراق معروفة بتنوعها الثقافي والقومي والمذهبي، فالنظام الرئاسي لا يناسبها بسبب ضعف الاندماج المجتمعي والنضج الديموقراطي، فالتجربة الديموقراطية في العراق ما زالت فتية وربما أي رئيس ينتخبه الشعب يمكن أن يتحول إلى دكتاتور متمسك بكرسي السلطة كما يمهد طريق الحكم لأحد من أتباعه أو عائلته".

اقرأ/ي أيضًا: نظرة إيران إلى احتجاجات تشرين.. عداء لشيعة العراق

أوضح الزبيدي أن "الذين يدعون للنظام الرئاسي لا سيما أصدقاء إيران هم متأكدون أن إعادة مركزة السلطة ستمكنهم من إعادة إحكام القبضة التامة على السلطة والتخلص من محنة المحاصصة التي تتطلب إشراك السنة والكرد في منظومة الحكم والتي أصبحت عالة يطالب الجميع بإزاحتها وهذه الخطوة ستتيح بالتحديد للأحزاب الشيعية الموالية لإيران القبض على مقاليد الحكم في البلاد بقوة وبلا رقيب أو معوقات تحت شعار أن الشيعة يشكلون الغالبية في الدولة العراقية".

النظام الرئاسي يتيح للرئيس التفرد بكل شيء، بعكس النظام البرلماني الذي يفرض على رئيس الحكومة العديد من القيود، بحسب الزبيدي الذي قال "ربما لأن التجربة الإيرانية الناجحة في إحكام قبضة السلطة من دون نظام برلماني منذ عام 1979 حتى اليوم والتي لم يهزها أي حراك شعبي، جعلت إيران والحلفاء معها في العراق يفكرون بقلب النظام إلى رئاسي واختيار رئيس بما يخدم مصالح الأحزاب وتقييد حرية حركته أيضًا عبر مجموعة من الأجهزة كما مثلاً يتم تقييد الرئيس الإيراني وفق قاعدة ولاية الفقيه وقد تكون المرجعية الدينية في العراق هي الموجه الأول للرئيس وبذلك يتم استنساخ التجربة الإيرانية وتنفيذها فعليًا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

إيران و"فوبيا" العراق

الثابت والمتحوّل في احتجاجاتنا: دروس للمشرق العربي