"الدولة المستقيلة" في العراق

رفع الكثير من المتظاهرين شعار "نريد وطنًا محترمًا" (فيسبوك)

يطرح المفكر العربي الراحل محمد عابد الجابري مفهوم "العقل المستقيل"، في كتابه "تكوين العقل العربي". ويعرفه على أنه "الذي لا يسعى لإتعاب نفسه في القضايا الكبرى، ولا يحاول اختراق المسلّمات التي يستدعي اختراقها سلسلة من النتائج المضنية فكريًّا لإقامة بدائل معرفيّةً عنها، ويبتعد عن التفكير في اللامفكّر فيه، وفي المحرّمات الفكريّة التي يستدعي التفكير فيها متاعب، ومصاعب، ويحاول أن يعتمد على غيره لا على نفسه، مثل الكشف القلبي، أو النصّ التاريخي. وهو يتجلّى أحيانًا في الركون إلى المقولات التي تعتمد على عقول الآخرين ممّن مضى". بمعنى أن العقل في مثل هذه الحالة معطل. 

تعاني الدولة العراقية وتعيش في حالةٍ من الجمود العقلي المهول، الذي أودى بها إلى نقطة اللاعودة، أو الهاوية، إذا ما صح الوصف

وبالتأسيس على ما تقدم، جاءت فكرة هذا المقال من فهم الجابري للعقل المستقيل. بالتالي يمكن القول إن الدولة المستقيلة هي" العاجزة عن الفعل، والراكدة مؤسساتيًا، والفاقدةُ لأبسط معايير الحكم الرشيد، وتلك التي لا تستطيع فرض وجودها على بقية الفواعل من غير الدولة، ولا تقدر على إدراك المخاطر المحدقة بها، وحتى إن أدركتها ستكون عاجزة عن إيجاد الحلول لها".

اقرأ/ي أيضًا: شرط الدولة المفقود عراقيًا

وكناية على العقل، الدولة ليست إلا عبارة عن عقل الشعب الذي تمثله، بالتالي لا توجد دولة بلا عقل. ولكن هنالك فرقٌ، بين دولة تستخدم عقلها على النحو الأمثل، وأخرى تركنه على الرف كما في الحالة العراقية، إذ تعاني، وتعيش، دولتنا في حالةٍ من الجمود العقلي المهول، الذي أودى بها إلى نقطة اللاعودة، أو الهاوية، إذا ما صح الوصف.

السبب الرئيس في ذلك أنها تنازلت عن أهم ما يميزها، ألا وهو احتكارها للعنف، فما هي إلا سلطة قهر حسب تعبير ماكس فيبر، وكذلك هي وفقًا لتعريف منذر الشاوي " في جوهرها سلطة، بمعنى أن مزيتها أن تكون سلطة تعلو على كل إرادة توجد على إقليمها". ونرى أن ابن خلدون، أكد على أولوية السيف على القلم بقوله "إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أمر أهلها في تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى القلم...".

والدولة العراقية منذ عام 2003، سلطتها موزعة بين أفراد، وأحزاب، وجماعات مسلحة، وحتى عشائر، وأضحت تسير بناءً على أهواء، وأمزجة الجماعات ما دون الدولة، المذكورة آنفًا، مما أفقدها أهم عنصر تتسم به الدولة الفعلية.

وهذه نتيجة طبيعية لحالة عدم قدرتها على توفير الأمن، وهو ما ستعمل فئات أخرى دون الدولة على توفيره. وهنا يكمُن الخطر؛ إذ ستتحول، أو تتراجع الأوضاع إلى حالة الطبيعة، التي من أبرز سماتها "حرب الكل ضد الكل"، كما يصفها توماس هوبز في كتابه الليفاثان.

الاحتجاجات العراقية التي خرجت في تشرين الأول/أكتوبر كانت دليلًا على تراكم أمراض الدولة العراقية، المتمثلة بالفساد، والمحسوبية، والمنسوبية، والتبعية للخارج

 زيادةً على تنازلها عن قرارها الخارجي للدول الأخرى، كالولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وأضحت هذه الدول تتدخل في صلب عملها، والمتمثل بمصلحتها، التي تتلخص بمدى قدرتها على البقاء، والاستمرار. لذلك هي عاجزة عن الفعل، والمبادرة، وتنتظر من الآخرين نجدتها.

اقرأ/ي أيضًا: قصة الدولة في العراق: ذلك السؤال الغائب

والدولة الحقيقية هي من تستطيع تحسس نبض الشارع قبل انفجاره، والأخطار المحدقة بها داخليًا، وخارجيًا، من أجل العمل على إيجاد الحلول الناجعة لها، حتى لا تصل الأوضاع إلى حالة من التأزم الذي لا يمكن السيطرة عليه. مثل المرض في بداياته بسيط، وعلاجه بسيط، بيد أن أخطاره تتزايد إذا ما أُهمل، مما يؤدي في غالب الأحيان؛ إلى موت الشخص المصاب به! هكذا هي الدولة، فهي كالإنسان كما يراها عددٌ من الفلاسفة، والمفكرين، إذ أنها "تولد، وتنمو، وتنضج، ثم تهرم، وتموت".

وليست الاحتجاجات العراقية التي خرجت في 1 تشرين الأول/أكتوبر، إلا دليلًا على ذلك. إذ ما هي إلا نتيجة لتراكم أمراض الدولة العراقية، المتمثلة بالفساد، والمحسوبية، والمنسوبية، والتبعية للخارج. ويرى كريستوفر كوكر، أن العراق يقع تحت سيطرةِ عدد من الكتل "الشيعية، السنية، الكردية"، التي تمتلك الجماعات المسلحة، والمال، والمناصب الوزارية، ومجموعة من الشبكات غير القانونية، والدعم الخارجي؛ مما جعلها عائقًا كبيرًا أمام الدولة العراقية. بالتالي أوصلتها هذه الكتل، إلى ما أطلقنا عليها وصف الدولة المستقيلة. والعلاج الأمثل لهذا المرض المزن يتمثل بالقضاء على أسبابه المذكورة آنفًا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدولة "المفتعلة".. سيرك إقطاع العراق السياسي

محنة الدولة العراقية من الموظف إلى رئيس الوزراء