الرأي العام العراقي بين العاطفة والمبادئ.. قراءة في انتقائية التفاعل
30 سبتمبر 2025
مما لا شك فيه أن الرأي العام اليوم يعد من أهم وسائل الضغط والتأثير على صناع القرار في مختلف المستويات والجهات، ولم يعد بالإمكان تجاهله أو التغاضي عنه أو التقليل منه، لاسيما في الدول الديمقراطية التي يتمتع مواطنوها بحرية التعبير والتظاهر، إذ يصبح الرأي العام فيها، قويًا جدًا من حيث التأثير، ناهيك عن مستوى التعليم والثقافة التي يتمتع بها المجتمع، ووعي الأفراد، ودرجة الانفتاح السياسي والإعلامي، كلها عوامل تؤثر في صناعة الرأي العام أو تفاعله مع القضايا العامة وحتى الخاصة، وتبعًا لتلك العوامل تكون قوة الرأي العام وتأثيره، فضلاً عن طريقة تفاعله.
إنّ وجود رأي عام مؤثر وفاعل، هو مؤشّر جيد على حيوية المجتمع ونشاطه، لكي يبقى المجتمع يقظًا مدافعًا عن حقوقه ومراقبًا لعمل الدولة ومؤسساتها، ولمساءلة ذاته ومراجعة مواقفه في الوقت نفسه.
ويبقى نجاح الرأي العام مرهونًا بالطريقة التي يتفاعل بها المجتمع، فكلما اتصفت تلك الطريقة بالموضوعية والعقلانية وابتعدت عن الدوافع الطائفية والعنصرية والقومية والعاطفية، كانت النتائج جيدة ومثمرة، فالرأي العام يجب أن يتّجه للدفاع عن المبادئ والقيم والمثل العليا ويبتعد عن القضايا الهامشية والتافهة، وأن يتعامل مع الأحداث على قدم المساواة دون تفرقة بينها، مهما كانت الأسباب والدوافع.
فلو أخذنا على سبيل المثال الطريقة التي تفاعل بها الرأي العام في العراق مع الأحداث التي وقعت شهر آب المنصرم سنجد تباينًا كبيرًا. إذ أن ما حصل من حوادث في العراق في شهر آب المنصرم كقضية الطبيبة (بان زياد طارق) وكيف تفاعل الناس معها وجعلوها قضية رأي عام كبرى، على عكس بقية الحوادث التي لا تقل أهميةً أيضاً، لكنها لم تحظ باهتمام الرأي العام، ومرت مرور الكرام، وهما قضيتي الحكم على الإعلامي (علي الذبحاوي) و(محمد نعناع) فضلًا عن أحداث السليمانية، فالطريقة التي تفاعل بها الرأي العام مع تلك القضايا كشفت عن وجود خلل كبير في اتجاهات الرأي العام، فضلًا عن درجة وعيه، ونظرته في التمييز بين الأحداث وأهميتها، وأبعادها المستقبلية، فكثيرًا ما نلاحظ أن بعض القضايا تطفو على السطح بسرعة كبيرة، وتصبح (ترند) بفضل الإثارة الإعلامية والضغط العاطفي، لكن ما تلبث أن تختفي وتذهب إلى غياهب النسيان.
وهذا التباين يجعلنا نطرح مجموعة من الأسئلة حول اتجاهات الرأي العام في العراق وهي:
- 1-هل يتحرك الرأي العام في العراق وفقًا لمعايير موضوعية، أم أنه يتحرك بدافع انتقائي؟
- 2-هل أصبح الرأي العام محكومًا بالعواطف والضغوط اللحظية، أكثر من المبادئ والمواقف الراسخة؟
- 3-إلى أي مدى يمكن القول إن الرأي العام في العراق يُوظف لخدمة أجندات معينة، لا لتحقيق العدالة أو الدفاع عن الحقوق؟
وللإجابة على هذا الأسئلة يجب علينا الرجوع إلى الأمثلة التي سقناها أنفًا، لكي نفهم الدوافع التي حركت كل قضية دون أخرى، والملاحظ أن الرأي العام العراقي يتحرك بطريقة عاطفية ويتأثر بمشاهد الموت والدماء والضحايا، فضلًا عن الدوافع الطائفية والسياسية، ناهيك عن أنه يركّز في تفاعله على النتائج تاركًا المسببات الرئيسية وراء عن كل قضية، وأيضًا لا يفرق بين أهمية كل قضية عن الأخرى.
إن فاجعة (حريق الكوت) وقضية (الدكتورة بان) كانتا نموذجًا للتفاعل العاطفي، في حين أن قضايا الحقوق والحريات وسيادة القانون كانت نموذجًا للتفاعل الواعي الذي غاب عن أذهان العراقيين، وهو أخطر من غيره؛ لأنه يمس جوهر التجربة الديمقراطية ومبادئها الأساسية، فضلًا عن مدياته المستقبلية، كما يلاحظ أيضًا أن الرأي العام العراقي هو نتاج غضب آني وليس لديه القدرة على المطاولة والاستمرار، وكذلك غياب قادة الرأي الحقيقيين والموضوعيين، وهذا مؤشر سلبي.
إن الرأي العام ليس مجرد ردة فعل شعبية، بل هو ظاهرة اجتماعية سياسية لها أبعاد وتأثيرات حقيقية، ولكي يؤدّي دوره كما ينبغي، يجب أن يتحرّر من الانفعالية والانتقائية، ويتبنى خطابًا ناضجًا مبنيًا على المبادئ لا الأشخاص، وعلى القيم لا المصالح، وعلى المدى البعيد لا اللحظة الراهنة، فالمجتمع الذي لا يملك رأيًا عامًا ناضجًا، لا يملك أدوات رقابة حقيقية على السلطة، ولن يكون قادرًا على الدفاع عن قضاياه بوعي ومسؤولية.
الكلمات المفتاحية

الخطاب الانتخابي في العراق.. انحدار المضمون وضياع الاتجاه
"المتابع بدقة للخطاب الانتخابي الحالي يدرك سريعًا أنه خطاب فقير وهشّ"

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

المالية ترد على موضوع "العجز" البالغ تريليونين.. لماذا تغير موعد صرف الرواتب؟
حديث عن قيمة العجز المذكورة وتغيير موعد صرف رواتب الموظفين

المنتخب العراقي يتأهل إلى ربع نهائي كأس العرب بعد فوزه على السوداني
تغلب المنتخب الوطني العراقي يتغلب نظيره السوداني بهدفين نظيفين وتأهل إلى الدور التالي من بطولة كأس العرب

وزير الخارجية يشارك في منتدى الدوحة.. ويبحث مع نائب نظيره الهولندي ملف إيران
وزير الخارجية العراقي يبحث مع نائب وزير الخارجية الهولندي ملف إيران وحراك تشكيل الحكومة



