الرسوم المتحركة وتأثيرها على الأطفال

الرسوم المتحركة وتأثيرها على الأطفال

مع كثرة المحطات الفضائية العراقية إلا أنها تخلو من برامج الأطفال (فيسبوك)

تعد وسائل الإعلام المرئية، لا سيما التلفاز، من أكثر وسائل الاتصال تأثيرًا على الجماهير - خصوصًا - الأطفال لما يحويه من أصوات وحركات وألوان ورسومات جذابة، ورموز عديدة تخاطب حاسة السمع والبصر لدى الطفل، ولأن شخصية الطفل عبارة عن صفحة بيضاء قابلة للانقياد والتوجيه، فيتأثر بسهولة بكل ما يشاهده، فيتم برمجته وتشكيله والتلاعب بعقله حسب رغبة الجهات المنتجة، وهذا ما يخفى على العديد من الأهالي، فيسمحون لأولادهم بمتابعة التلفاز لساعات دون رقابة ظنًا بأنهم في حصن منيع من مخاطر العالم الخارجي. لذلك أصبح التلفاز لا يقل أهمية عن دور الآباء والشارع والمدرسة في تربية الطفل وتنشئته.

الأفلام الكارتونية المستوردة لا تدخل بمجرد وصفها كرسوم ملونة بل بما تتضمنها من قيم وعادات غربية

وتلعب برامج الأطفال والرسوم المتحركة  دورًا مؤثرًا في حياة الطفل من ناحية إيجابية وأخرى سلبية فهي سلاح ذو حدين، فمن الناحية الإيجابية نرى أن بعض الرسوم المتحركة تساعد الطفل على اكتساب القيم الإنسانية والأخلاقية، وغرسها في نفوسهم، كالتعاون والأمانة والصداقة والتضحية والاحترام، وحب الآخرين، وتنمي شخصياتهم وتوضح بعض المفاهيم والتناقضات كالخير والشر، والصدق والكذب، كما أنها تنمي الحس الجمالي وتنشط خيال الطفل وتوسع أفق تفكيره المعرفي إلى جانب تحقيق المتعة والتسلية، بالإضافة إلى أنها تثري محصلة الطفل اللغوية، فيصبح قادرًا على تركيب المفردات وتشكيل الجمل بشكل صحيح.

اقرأ/ي أيضًا: فتيات عراقيات بلا حرية: 3 قصص "مأساوية".. ومغامرة واحدة

أما من الناحية السلبية، فهناك بعض الرسوم بدأت تظهر في وقتنا الحاضر، وهي دخيلة على مجتمعنا الثقافي، وتحمل في طياتها العنف والقتل والعداء والمكر والخداع وغيرها من الصفات اللا أخلاقية التي بطبيعة الحال تتسلل إلى نفوس الأطفال وتؤثر على سلوكهم وتصرفاتهم، ويزداد الأمر خطورة بالنسبة للأطفال الذين لا يميزون بين الواقع والخيال، فيرون تلك الرسوم المتحركة مرآة لعالم الحقيقة، وتصبح تلك الشخصيات الشريرة مثلهم الأعلى فيبدأون بتقليد تلك الأفعال الإجرامية على أرض الواقع ظناً بأنهم أبطال خارقون وشجعان، وخصوصًا في مجتمعنا العراقي، والذي بسبب الحروب والإرهاب أصبح أرضًا خصبة للسلوكيات العدوانية والتي يتأثر فيها الطفل بالتأكيد، وعندها يتحقق ما يسمى بـ"عسكرة المجتمع".

كما أن اندماج الطفل مع هذه الأفلام وتسمره أمام شاشة التلفاز لعدة ساعات، تفسد عقله وتجعله يعيش في عالم من الأوهام والخيال، بعيدًا عن تجارب الواقع والمجتمع، ويصبح عنصرًا خاملًا وكسولًا محدود القدرات، بالإضافة إلى أنها تثير الخوف والقلق عند الطفل بتخيله تلك المشاهد على أنها حقائق، فالمشكلة أن تلك الأفلام الكارتونية المستوردة لا تدخل بمجرد وصفها كرسوم ملونة بل بما تتضمنها من قيم وعادات غربية لا تتناسب مع قيمنا وعادات جتمعنا.

غياب الرسوم المتحركة من الشاشة العراقية

بين الحين والآخر تدق أجراس الحنين على جدران ذاكرتنا ليعود بنا الزمن إلى أيام الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، تلك الأيام الجميلة بكل ما فيها رغم الحصار والحرمان، حيث كان الأطفال يتسابقون مجتمعين أمام شاشة التلفاز العراقية لمتابعة برامجهم المفضلة وفي وقتها المحدد كالسندباد، عدنان ولينا، علاء الدين، غراندايزر، نيلز، زينة ونحول.. وغيرها من الرسوم المتحركة الهادفة والمسلية، والبرامج المحلية الناجحة مثل برنامج "أفتح يا سمسم" الذي أشرف عليه الفنان الكبير فيصل الياسري والمرسم الصغير للفنان خالد جبر، وبرنامج بساط الريح  بإخراج الفنان ضرغام فاضل، وهيلا هوب للفنان وليد حبوش، كذلك الأغاني الجميلة التي أدى صوتها الطفولي الفنانة العراقية إلهام أحمد وبلقيس فالح وغيرهم الكثير.. وإصدار مجلة (المزمار ومجلتي) جميع تلك الأعمال علقت بوجدان الكبار قبل الصغار.

أما اليوم، فيبدو أننا كنا أكثر حظًا من أطفالنا في ظل حكوماتنا المتعاقبة بعد 2003 والإهمال الواضح في قطاع الطفولة، فمع كثرة المحطات الفضائية العراقية، إلا أنها غالبًا ما تخدم مصالحهم السياسية، ولا يوجد بينها حيز ترفيهي ثقافي يخدم أطفالنا، ففي أحد اللقاءات التلفزيونية مع الفنان القدير وليد حبوش أشار إلى ذلك قائلًا "كنت أتمنى من الفضائيات العراقية أن تتبنى وتدعم برامج الأطفال، ولكن للأسف فإنها تدعم جميع البرامج إلا برامج الأطفال، فأنا أفكر ببرنامج جديد ووفرت جميع المستلزمات من دمى جميلة وأفكار جديدة، ومسابقات، ولكني أنتظر القناة التي تتبنى هذا الموضوع، وأتمنى أن لا تكون لفئة معينة أو ذات توجه محدد". وعلى الرغم من النداءات والمناشدات من المهتمين بثقافة وأدب الطفل بإنشاء قناة أطفال رصينة تقيهم سموم القنوات الأخرى، إلا أنها تذهب أدراج رياح الإهمال بحجة عجز في الميزانية، وإن مادة الأطفال تكلف المبالغ الباهظة. فقد ظهرت بعض القنوات التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب مثل قناة طيور العراق وهدهد التي أغلقت مؤخرًا بسبب عدم وجود الدعم المادي، كما ذكر مدير عام ثقافة الأطفال محمود أسود في تصريحات صحفية بأن "غياب البرامج والمسابقات الخاصة للأطفال وعدم تخصيص وقت لها في المنهاج لعموم الفضائيات العراقية والمحلية هو بسبب بحث تلك القنوات عن مردود مادي للبرامج التي تبث عبر شاشاتها".

مع كثرة المحطات الفضائية العراقية، إلا أنها غالبًا لا يوجد بينها حيز ترفيهي ثقافي يخدم أطفالنا

أخيرًا، فإن التجارب الإنسانية أثبتت أن المجتمعات التي تعتني بواقع أطفالها وتنمي مواهبهم وقدراتهم، فإنها تنشئ جيل واعي مستثمر مستقبلًا يرتقي بواقع البلاد إلى مصافَّ الدول المتقدمة عكس المجتمعات التي تهمل بناة المستقبل، فتصبح مجرد مستهلكات خاملة وعالة على العالم المتقدم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"وحوش" المنطقة الآمنة.. أساسيات حماية الأطفال من التحرش والاغتصاب

رايتس ووتش: حكومتا المركز والإقليم قامتا بتعذيب الأطفال بتهمة الانتماء لداعش