(Getty)

من أعظم ما خطر في قلب أبي العلاء المعري قوله في معنى تكرار الزمن:

من ساءَه سببٌ أو هاله عجبُ 

فلي ثمانون عامًا لا أرى عجبا

الدهر كالدهرِ والأيام واحدة  

والناسُ كالنّاسِ والدنيا لمن غلبا

تدور الفحوى العميقة للبيتين حول فكرة الرتابة غير المتناهية وتكرار الأيام وتشابه حوادثها حدّ أن شاعرنا خلال ثمانين عامًا من عمره لم يصادف عجيبة تثيره ولا مرّ به حدث لم يتوقعه.

ثمانية عقود والدهر فيها كالدهر والأيام واحدة، الناس هم الناس أنفسهم، يتناسلون بالملامح نفسها. ولكن مع هذا، يرى صاحبنا أن الدنيا للقوي الغالب، لا الضعيف المغلوب، وهذا يذكّرنا بقول شوقي: ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. ولربما دلّت "الغلبة" عند رهين المحبسين على الغني وصاحب السلطة، الوجيه وشيخ العشيرة، ومعهم قوي العضلات الذي "ماخذها بضراعه" كما نقول.

يبدو الفقير المعدم مفعولاً به دائمًا. وإن فعل، فلأجل أن "يمشّي أموره" عند سيد الأيام وقائدها

هؤلاء وحدهم من يسوطون الدنيا فتسير وفق إرادتهم. وكيف لا تفعل ذلك وهي تهشّ وتبشّ لمن يملك المال والعصا، بينما تعبس بوجه من لا يملك سوى أذنيه يسمع بهما ويطيع. يصرخون به - تعال ولك قشمر، فيرد - صار أغاتي!

بالأمس كنت أقرأ في موسوعة أمثال مصرية فصادفني قول الجدعان الحكماء أن "الفقر مالوش راي"، أي أن وضعية الفقر تستلب من ضحيتها أيّ تأثير في محيطه.

يبدو الفقير المعدم مفعولاً به دائمًا. وإن فعل، فلأجل أن "يمشّي أموره" عند سيد الأيام وقائدها، أي صاحب الدنيا، وجيهها وشيخها وأميرها. أولئك الذين يقال لأمثالهم: أولاد الناس، وولد الأوادم، أو أولاد الأعيان، بمقابل ولد البايره وولد الخايبه ممن تتكرر أيامهم وساعاتهم مثل تكرار مصائبهم واتساق أحزانهم، ومن تشابه يوماه فقد غبن.

هل تراني ذهبت بالفكرة باتجاه اجتماعي لم يخطر بذهن المعري المتفلسف؟ ربما، ولكنني انطلقت من قرينة الغلبة التي ينتهي بها البيتان. فالغالب مالك للدنيا، مقلب لها على جانبيها كيفما يشاء. لذا فإنه لا يشعر بالتكرار والرتابة معها.

قارنوا مثلاً بين هؤلاء الذين يصيّفون في لندن ويشتّون في دبي، وأولئك الذين يقضون أعمارهم في بيوت لا تكاد تحميهم من المطر وحر الشمس. من منهما تبدو الأيام أمام عينيه واحدة شاسعة رتيبة مملة، ومن منهما يرى الدهر كل حين بصورة ويتحسس كل فصل بطعم؟ سؤال سقيم ويفتقر للذكاء، ذلك أن الأمر مفروغ منه؛ الغني سيد الزمن والفقير عبده، المسكين رهين دوران الدهر بينما الثري من يديره بيديه وحسب رغبته، الناس كالناس والدنيا لمن غلبا!

هل ابتعدت عن روح البيتين؟ ربما.. فعظمة الشعر أنه مغر أبدًا بالتيه عنه، به ولأجله، ويا عحبي!

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراقيون بين رهاب كورونا ومخاوف الجوع

مرايا الطغيان المقعّرة