السؤال المسكوت عنه

السؤال المسكوت عنه

سؤال الدولة، فضلًا عن هويتها، مسكوت عنه في أدبيات التنظيمات الإسلامية وأتباعها (فيسبوك)

تكمن دوامة التنظيمات الإسلامية هنا وبالذات، أن سؤال الدولة وهويتها لا يندرج في سجل المُفَكَر فيه، وإنما يندرج بالضبط في خانة الّلا مُفَكَر فيه، بل المستحيل التفكير فيه. لم تتصالح هذه التنظيمات مع هذه الفكرة، لأنها لا تجد الأجوبة الكافية والمقنعة لسؤال الدولة. لذلك ظل هذا السؤال مربكًا لدرجة أن هذه التنظيمات يمكنها التحالف مع المحتل على أن تجيب إجابة شافية عن سؤال الدولة الغامض والمجهول في أدبياتها. من هنا يكمن بلاء العراقيين وسقمهم؛ فإذا كان الاستبداد السابق لا يجد حرجًا في أن يموضع نفسه في سجل الدولة العَلمانية، غير أنه يختزل كل مؤسساتها لحساب تاريخه الشخصي. أما الإسلامي لا يموضع نفسه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. إن سؤال الدولة هو بمنزلة الصاعقة تنزل بشكل مفاجئ على رؤوس الإسلاميين، وحتى هذا اللحظة يندرج هذا السؤال في خانة الغيبيات.

يقع المرء في العراق في حيرة من أمره؛ هل يتعامل مع تنظيمات سياسية دنيوية أم مجموعة من الأنبياء والرسل؟ 

من جملة المصائب التي توالت على العراقيين هو ربط السياسة بالعقيدة ربطًا محكمًا، حتى أن المرء يقع في حيرة من أمره؛ هل يتعامل مع تنظيمات سياسية دنيوية أم مجموعة من الأنبياء والرسل. ولا أدعي أن لهذا الربط صيغة مُصَرّحٌ بها على نحو مباشر، لكن لسان الحال الجماهير والصيغ التعبوية السياسية التي تحركها، يتلمس فيها المرء بعدًا عقائديًا شبه واضح. والنتيجة كالتالي، وبدافع ردة الفعل بالطبع: سيعمد معارضو هذه  التنظيمات إلى النظر إليها بوصفها خطوطًا عقائدية صرفة؛ وبالتالي بروز شرائح اجتماعية واسعة تندد بالخطاب الديني من حيث كونه خطابًا سياسيًا، ذلك أن الخطابات التجريدية والمحملة بحزمة مثالية عالية، والتي تحاول تبرير  أفعالها السياسية، تصطدم بالوقائع، وهذه الأخيرة لا تفرق، بحسب التجارب المرّة، بين الدين كعامل روحي، وبين السياسة كحقل دنيوي صرف، نظرًا لما تراه من سلوكيات التنظيمات الإسلامية وأتباعها. والأمر ببساطة شديدة لأن التنظيمات الدينية لم تحسم أمرها بخصوص فصل الديني عن الدنيوي. بل لا زالت مصرّة، بشكل وبآخر، على دمجهما سويًا، ما يجعل الناس، هي الأخرى، لا تفرق بين الاثنين حينما تقيّم سلوك هذه التنظيمات.

اقرأ/ي أيضًا: مثلث الانسداد: القبيلة والطائفة والريع

والنتيحة: الدين والسياسة هوية واحدة. لماذا؟ لأن التنظيمات الدينية لم تحسم أمرها بعد حول الفصل المرتجى بين الديني والدنيوي. فلأجل هذا وغيره من الضروري أن يحتج المتدينون من أجل الحقوق، ويعتبروا  الحدث الاحتجاجي ويدرجونه من ضمن الطقوس المقدسة، ويجددون عهد الولاء والرفض للذل والإهانة كما يجددونه في طقوسهم المليونية. وبالطبع إذا اختلطت عليهم الأولويات بين حب الإمام الحسين، على سبيل المثال، وحب الوطن، فليختاروا حب الحسين باعتباره رمزًا للإصلاح، وبهذا سوف لا يخسرون شيئًا وإنما يربحون أشياءً؛ قدسية حب الإمام الحسين وقدسية الحقوق وقدسية أن نكون بشرًا نصلح للعيش. بل ثمّة فائدة جليلة سيسديها أتباع التنظيمات الإسلامية للدين من خلال تخليصه من الفزاعات السياسية، وتقليل حِدّة النفور من الدين. لكن لا أظن أن هذه الملاحظات وغيرها تشكّل هاجسًا مقلقًا وأولوية قصوى للتنظيمات الإسلامية واتباعها.

على اي حال، معظمنا يبحث عن النظام الأكثر مشروعية في إدارة عناصر السلطة. وبالتأكيد ستكون الدولة الدنيوية هي صمام الأمان لهذا الأمر، ذلك أنها تفصل الديني عن الدنيوي؛ سلطة زمنية بمعزل عن الدينية، سلطة الأرض وليس سلطة السماء. فنحن نعيش وسط دولة شبه مفكّكة تتصارع عليها سلطات متداخلة؛ فبينما تكون الدولة هي الإطار المهيمن على السلطة وهي الكيان الوحيد الذي له حق احتكار العنف، نجد العكس هو الصحيح.  وكأنما قدر العراقي، وبالخصوص ما يتعلق بالتنظيمات الإسلامية، أن يبقى كارهًا لمفهوم الدولة. لذا، أن التفكير في بناء الدولة ومؤسساتها هو الهم الأقصى في العراق، وسيتزامن  بالضرورة مفهوم العَلمانية مع ظهور الدولة؛ ذلك أن الهياكل القانونية والإدارية هي دنيوية بجوهرها، بل دنيوية من حيث القوّة والفعل، أي من حيث إمكانها الماهوي، ومن حيث نشوئها وظهورها الخارجي. الدولة من حيث كونها في الأذهان أو بادية في العيان ستكون آلياتها وأطارها دنيويَين صرف.

لكن كل هذا وغيره لا يقنع الأتباع المتدينين! ذلك أن سؤال الدولة، فضلًا عن هويتها، مسكوت عنه في أدبيات التنظيمات الإسلامية وأتباعها، وهي تفضل البقاء على ما هو عليه مفضلةً إيّاه على هذا الصداع المزمن الذي يتعرّض له الإسلامي حين تتناهى إلى سمعه فكرة الدولة وهويتها وتثقيف أتباعه على هذه الفكرة، التي هي بالأساس لا تلغي إيمان المؤمن، إلا أنها قد تقضي على الولاءات الشخصية، وهذا ما لا تريده التتظيمات الإسلامية. فإذا عُرف السبب بطُل العجب.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العراقيون بين الجوهر والمظهر

حرب الكل ضد الكل