الصدريون مرة أخرى

الصدريون مرة أخرى

المناكدات الشخصية أمرها إلى شقاق (Getty)

لا أجيد التفاهم مع أحدهم إلّا حين يكون في أسوأ أحواله وحين يكون قد فقد الرغبة والقدرة على العودة إلى أوهامه المعتادة. أميل سيوران. 

في مجتمع تقليدي، مثل العراق، يستمد قوته السياسية والاجتماعية من رموزه الدينية والقبلية، تغدو فيه القرارات المتسرعة، والهفوات غير المدروسة، انتحارًا بطيئًا، وتصرفاتٍ محفوفة بالمخاطر. ذلك أن المجتمعات التقليدية يسيّرها الوجدان وتغذّيها حكايات الأسلاف، ويتكوّن نظامها السياسي من سلطة "الأعيان" من رجال دين، ووجهاء العشائر، وغيرها من الهويات الفرعية. فكل من يعاكس هذه البنية الثقافية سيُجابه بمقاومة شديدة قد تصل لحدّ الاحتراب.

إن الجماعات العقائدية ستستخدم كل أسلحتها المشروعة وغير المشروعة حين تستشعر الخطر الوشيك وترى وجودها يتعرّض للتهديد

التعدّي على رمزٍ من رموز الدين، والمذهب، والعشيرة، سيكون نذير شؤمٍ على المعتدي، وقد يدفع حياته ثمنًا لهذ الفلتة. ويمكن لأفراد المجتمع التقليدي أن يعلنوا نفيرًا عامًّا إذا تعرّض أحد رموزه للخطر، لكنّه لا يقيم وزنًا لباقي الانتهاكات التي تحصل؛ كسرقة أموال الدولة، وضعف الخدمات، وتردّي الواقع التعليمي والتربوي، وباقي الأمور التي تمسّ وضعنا السياسي والإداري وغيره. الأولوية القصوى هي رموزه الروحية ومن ثم يأتي لاحقًا مفهوم الدولة ومؤسساتها.

اقرأ/ي أيضًا: عن خياراتنا الصعبة

وقد يتعارض الاثنان في المنعطفات السياسية الحادة. ويمكننا أن نستشفّ ذلك من خلال ردود الأفعال التي تحصل لو تعرّض أحدهم للإساءة لرمز ديني أو عشائري، فستغيب الدولة حتّى إشعار آخر.  

بين الحين والآخر، يطلّ علينا أحد المغامرين، من خلال المنصّات الإعلامية التي وفّرتها مواقع التواصل الاجتماعي، ويستبيح لأهوائه النفسية ما لذّ وطاب من فنون الشتائم التي توّفرها عادةً انفعالاتنا الطائشة. وليس غريبًا أن يظهر أحدهم، في كل موسمٍ جديد، مُعبّرًا عن بطولاته الوهمية، لكنّ المشكل الأكبر هو حين يكون محسوبًا على انتفاضة شعبية أعطت الكثير من الشهداء وأعني بها تشرين.

 كل هذا وغيره يرجعنا إلى ما كتبناه بالأعوام الماضية عن ضرورة الفصل بين الخلافات الموضوعية والأحوال النفسية. وقلنا بما مضمونه: فليكن خلافنا مع الصدريين خلافًا سياسيًا يعتمد على خطابً عقلاني. فأنت حين يكون خصمك عقائديًا فلا تنتظر منه ردًا دبلوماسيًا حين تتعدّى على رموزه العقائدية، ولا تنتظر منه باقة من الورود البيضاء حينما تستفزّ رأسماله الرمزيّ. وسواء كنت معتدي أو مُعتدى عليك فالنتيجة واحدة: الغَلَبَة للقوى المهيمنة. لكن حين يكون لك ممثلين في البرمان فالأمر مختلف إلى حدٍ كبير.

إن الجماعات العقائدية ستستخدم كل أسلحتها، المشروعة وغير المشروعة، إن اضطرّت لذلك، حين تستشعر الخطر الوشيك وترى وجودها يتعرّض للتهديد. وعلى أثر ما كتبناه أظهر سكّان "فيسبوك" في حينها حماقة غير مسبوقة عبر ردود أفعالهم التي لا تختلف عن أي أصولي آخر. ولم يفهموا مقاصدنا رغم وضوح المقصد، بيد أن دوافع الخصوم "الفيسبوكيين" لم تكن بهذا الوضوح لتفهم جيًدا، حتّى لا نضطّر لاحقًا لتوضيح البديهيات كما نكتب الآن.

القضية ليست من هو المخطئ ومن هو المحق، ولا ننظر للسياسة من منظار الخير والشر، ولا هي حالة من خداع النفس بحيث نعدّ أنفسنا ذواتًا يحلو لها أن تتوّهم التميّز، بل القضية كالتالي: "أولى بقضية أن تكون مجدية على أن تكون حقيقية" بحسب تعبير أحد المفكرين. لذا علينا أن نستخدم خطابًا وسلوكًا سياسيًا مجديًا في ظل مجتمع تقليدي يمكنه أن يتنازل عن كل شيء إلا رموزه الدينية والعشائرية.

  المهم في الأمر، من يتصدى للعمل السياسي عليه أن يتكبّد عناء الضرائب الباهظة التي يمكن أن يدفعها لا سيّما في بلدٍ مضطرب مثل العراق. ليس هذا فحسب، وإنما ينبغي عليه أن يفرّق بين انطباعاته الشخصية كفردٍ، وبين خلافاته الموضوعية كعضو ينتمي إلى جماعة سياسية، تنتظر منه خطابًا سياسيًا يتضمّن الحد الأدنى من العقلانية.

 ليس مطلوبًا منك مجاملة خصومك السياسيين، فللسياسة أعرافها ومنطقها وإطارها الحواري الخاص. ومتى ما استطعنا التمييز بين «الهدّة» العشائرية، وبين الخلافات السياسية المبنية على رؤيةٍ وخطابٍ مقنعٍ، وإمكاناتٍ تسمح بها طبيعة المرحلة ومنطقها الملائم لها، فحينئذٍ نغدو سياسيين بحقٍ ولسّنا مُسَيَّسين.

وليس بالضرورة أن يكون المقصود بـ"المُسَيَّسين" أن نأتمر بأوامر القوى الخارجية، بل أعني، ومن زاوية محددة، أن نكون فرائسًا لأهوائنا النفسية العنيفة. فهذا السلوك مكلف للغاية، وإن كنتَ ممّن يستهويه اللعب السياسي، وإذا طاب لنا التكلّم معك بلغة المنافسات، فعليك أن تفهم أنك تمنح لخصومك السياسيين نقاطًا مجّانية لم تكن ضرورية على الإطلاق.

 السياق واضح تمامًا: مجتمع تقليدي يقدّس رموزه الدينية، والمذهبية، والقبلية، ويمكن أن تنشب حربًا ضارية للثأر لأغلى ما موجود في ذاكرته الثقافية. بل أكثر من ذلك، أن القانون العراقي يحاكي هذا السياق الثقافي ويجرّم الإساءة للرموز الدينية. لأجل ذلك كله ينبغي لنا التحلي بالحكمة، وإن لم نستطع فليس معيبًا أن نتراجع ونترك المجال لغيرنا.

لا زلت أذكر كيف دفع ذلك الشيخ ثمنًا غاليًا يوم انتقد الصدريين لزياراتهم السنوية لقبر السيد محمد محمد صادق الصدر، واصفًا إيّاها بـ"البدعة". وعلى أثرها هبّت بعض الجماهير الصدرية المتعصبّة للتنكيل بهذا الشيخ، وما كان عليه إلّا الهروب من مكان سكناه حفاظًا على حياته.

ومن حسن الحظ ينشغل الصدريون هذه الأيام باستحقاقات سياسية كبيرة، وهم على ما يبدو ماضون باتجاه العمل السياسي المحترف الذي يعلمهم كسب مزيدٍ من النقاط، وهم ليسوا مستعدّين للتفريط بهذه النقاط من أجل قضايا هامشية(ولو مرحليًا)، فمن يمتهن العمل السياسي ينبغي ألّا تغيب عنه هذه البديهيات.

متى ما استطعنا التمييز بين «الهدّة» العشائرية وبين الخلافات السياسية المبنية على رؤيةٍ وخطابٍ مقنعٍ فحينئذٍ نغدو سياسيين بحقٍ ولسّنا مُسَيَّسين

يظهر أنه ثمة مجال واسع للأهواء النفسية المُبَرَّرَة، على أنها "شجاعة ثورية"، من أنها ستعيد نفسها مرّة أخرى، لدرجة أننا سنعيد الكثير من هذه المحفوظات بين الحين والآخر، ونذكرهم بهذه الحقيقة الأخرى: أن المناكدات الشخصية أمرها إلى شقاق.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ليل الديمقراطية الطويل في العراق

الأغلبية الوطنية والأغلبية التوافقية