العبث في أمن بغداد.. دليل على فقدان الصواب أيضًا

العبث في أمن بغداد.. دليل على فقدان الصواب أيضًا

حديث الكاظمي عن استعادة الدولة لقوتها غير واقعي (فيسبوك)

مر عامٌ على عملية المطار التي جعلت من الحرب حالة محتملة، والمنطقة في ترقّب لأي دوي انفجار قد يؤدي إلى نشوب صراع مباشر بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة ومن معها على الطرف الثاني، وقد نشبت حروب في العالم جراء عمليات ثانوية أو أخطاء غير مقصودة أو حوادث تتسبب بانفجار القنبلة كاغتيال ولي عهد النمسا في البوسنة والهرسك قبيل الحرب العالمية الأولى. لذا، ينظر مراقبون ومتخصصون والسياسيون ذاتهم إلى العام الذي مضى توًا بعين الخوف من الانزلاق نحو حرب طاحنة.

يواجه حلفاء إيران ضغطًا يتعلّق بالتذمر الشعبي منهم وتداعيات جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، وكذلك التخوف من الاستهداف الأمريكي

لكن الحرب لم تقع الآن. ربما لأسباب سياسية واقتصادية وعسكرية تتعلق بعدم رغبة الولايات المتحدة وإيران بخوض حرب مباشرة كما يُصرحان بين الحين والآخر. وللناحية العملية فأن دماءً لم تُسفك من الجانب الأمريكي منذ حادثة المطار، بعد عملية قاعدة كيوان العسكرية في كركوك، وحصار السفارة في بغداد ثم اغتيال المهندس وسليماني.

اقرأ/ي أيضًا: ختامه كبدايته.. 2020: عام استثنائي في العراق

رغم ذلك، لا زال التهديد حاضرًا في خطابات قادة المحور الإيراني، يقابله تحذير أمريكي من رد قاصم. وسط هذا المشهد تعيش القوى السياسية الشيعية حالة من الإرباك تتخللها صراعات داخلية على النفوذ والقوة، ورفض شعبي بات محسوسًا بلا نزول إلى الشوارع. بذلك، أصبح الضغط مضاعفًا؛ تواجه إيران تحديات جمّة تتعلق بالعقوبات الاقتصادية والتضييق الأمريكي، واشتراطات الرد على اغتيال سليماني، والعالم النووي الذي غاب اسمه عن إعلام طهران بطريقة غريبة. تنعكس تلك التحديات والاشتراطات على حلفاء إيران في العراق والمنطقة سلبًا بالتأكيد، ثم يواجه هؤلاء الحلفاء ضغطًا يتعلّق بالتذمر الشعبي منهم وتداعيات جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط، وكذلك التخوف من الاستهداف الأمريكي.

لقد أظهرت فصائل مسلحة ردة فعل قوية اتجاه عمليتي اعتقال لعناصر منها على فترتين متباعدتين، من خلال التصريحات والتهديدات فضلًا عن الاستعراض في الشوارع بالسلاح وداخل المنطقة الخضراء المحصّنة. تُبادر مجاميع تُطلق على نفسها أسماء معينة إلى عمليات تخريب أو اعتداء على وسائل إعلام ومحال مشروبات كحولية ومراكز مساج. تُقدم مجاميع مسلحة على اغتيال واختطاف ناشطين. كل ذلك – إنْ تفاعلنا معه من الداخل – يُشير إلى سيطرة حقيقية للسلاح المنفلت وضعف واضح للدولة. ربما هي الرسالتان اللتان تُريد المجاميع المسلحة إرسالهما إلى الدول الكبرى والفعاليات الداخلية الاجتماعية والسياسية: نحن الأقوى .. الدولة الأضعف.

الاستنتاج الذي نصل إليه وتحاول الأطراف التي تعبث هنا وهناك إثباته ليس خاطئًا، وحديث رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي عن استعادة الدولة لقوتها في الستة أشهر الأخيرة غير واقعي ويؤشر إلى خلل ما في رأس الحكومة، إما في الاستشارة أو في ترجمة تطلعات رئيسها الخاصة (والتي قد تنسجم مع ما سنقوله لاحقًا) عبر التصريحات، أو في الكذب ببساطة، لأن الدولة العراقية فاقدة للسيطرة على كل شيء وبشكل لا يحتاج لمتابعة دقيقة وتحليلات وتحقيقات صحفية؛ لكن لهذا العبث والرسائل زاوية أخرى يُمكن رؤيتها من أعلى: أنْ يطلق فردٌ النار على من حوله وفي السماء وعلى الأرض سيُحدث هلعًا للمارة وقد يصيب الشرطة، وسيكون مسيطرًا على موقعه دون حضورها الحازم، لكن المشهد ذاته يدل على فقدان الفرد لصوابه، وهو ما يُمكن تأشيره على من يعبث في بغداد.

لعل تكتيك الحكومة هو ترك المسلحين يُطلقون النار بشكل عشوائي مستفيدةً من وقوفها على الضفة الأخرى، وربما تكون هذه النظرة مبالغ بها، وأن الأمر هو مجرد ضعف أو عدم وصول إلى ساعة الصفر بتوقيت الولايات المتحدة وأوروبا. لكن المسألتين المؤكدتين هما أن الدولةَ تضعفُ يومًا بعد يوم وتفقد ثقة الشارع بها بفعل الفوضى التي تكسر هيبتها، وأن إطلاق النار العشوائي الحاصل الآن قد يُصيب الشخص (المكان) الخطأ ويؤدي إلى حدوث الانفجار الكبير.. في ذلك الحين، يُفترض أن تكون الدولة مستعدة، وهذا ما لا يعتقده أحدٌ غير الكاظمي كما يُصرّح.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الكاظمي والتنين "المنكـَول" في صراع الشارع

مركبة الحكومة والأحزاب وطريق حسان دياب