17-يونيو-2020

كشفت أزمة الوباء تهاوي وتداعي نظام المحاصصة (Getty)

عجزت  الحكومة ومعها الأحزاب السياسية الفاسدة في وضع سكة الحياة بمسارها الصحيح على كافة الأصعدة والمستويات، حيث كشفت أزمة وباء كورونا تهاوي وتداعي نظام المحاصصة، حيث اهتزت أركانه وبانت عوراته إزاء هذه الأزمة التي لم يجدوا فيها الحلول والبدائل التي تتناسب وثروة هذا  البلد الذي من المفترض ان يكون في الصف الأول مع البلدان الغنية ذات الثروات الطائلة والميزانيات المنفجرة التي تمد يد المساعدة للشعوب في مثل هذه الأزمات، إلا في العراق، فالشعب هو من يدفع  الثمن، وينال الحصة الأكبر من الضيم، بسبب الخراب الذي خلفته أيادي الطارئين من ساسة ولتهم علينا الأقدار الغبية، فتداعيات الجائحة التي أخذت تحصد الأرواح بلا هوادة، حولت حياة الشعب إلى جحيم من المعاناة والظلم، حتى باتوا يستجدون لقمة العيش ليسدوا بها رمق عوائلهم، ناهيك عن المعاناة التي ترافق رحلة المصاب بهذا الفيروس القاتل ورقوده في المستشفى في حال توفر الأسرّة والمسحات، في حين أسياد الفساد وأمراء الحروب الذين نهبوا قوت هذا الشعب لم يحركوا ساكنًا والموت المجاني يحصد بالشعب، ولم يفكروا أصلًا أن يتبرعوا بمبالغ  بسيطة، علمًا أن لديهم أموالًا تعادل ميزانية دول مثل حكومة عمان وغيرها، لكنهم لا يفكرون بشيء خارج حدود لعبة المتاجرة بعقول البسطاء ومكافحة كل من يريد التصدي لفيروساتهم المتغلغة في كل مفاصل الدولة. 

لم يرف لساسة العراق جفن الرحمة وهم يرون أسهم الموت تتصاعد بوتيرة عالية، ضاربين عرض الحائط معاناة الجماهير والعوز الذي ينهش أجسادهم التي لم يبق فيها منطقة إلا ومصابة بالكرب، ولا زالت هذه الزمرة الفاسدة تزاول مهنتها في النهب والسلب والحفاظ على مكتسباتها مع تجاهل معيب ومخجل في التعامل مع هذه الكارثة من قبيل توفير البدائل وتعويض المتضررين من حظر التجوال وتوقف الأعمال، لعبور هذه الأزمة، بل هي تبرع وتنشط وتعتاش على هذه الأزمات، بل تعمل على خلقها لأطالة أمد بقائها، ومن كثر ما أتخمتنا هذه الكائنات البربرية بالوعود الكاذبة وإصرارهم على عدم بناء جسور التفاهم مع الشعب ومكاشفته بالحقائق، وعدم فتح صناديق وملفات الفساد التي تآكلت على طاولة الكتمان لا النسيان، سيبقى هذا البلد رهينة هذا التستر، الأمر الذي يخلق فجوة وقطيعة تامة بين المجتمع والدولة، ويفقد بذلك الفرد الانسجام الروحي والفكري مع القوانين الصادرة منها ـ أي الحكومة ـ بدلًا من بناء ثقة متبادلة بين الطرفين كي ينعم الفرد بالسلامة الذهنية وانحيازه لسيستم الدولة المدنية وقوانينها والانخراط بجوها العام المؤطر بالقانون والمحفوف بالتمدن، ولكن للأسف لم  تكترث هذه الأحزاب التي نهبت أموال العراقيين التي ما أحوجهم اليوم إليها وسط هذه الجائحة اللعينة، كي تضمن لهم العيش الكريم.

لا زالت هذه الزمرة الفاسدة تزاول مهنتها في النهب والسلب، وعدم الاكتراث واللامبالاة إزاء ما يقع من حيف على العوائل التي انقطع رزقها بسبب الوباء، مع عدم توفير البديل لهم من قبل هذه الطغمة المنشغلة بتصفية من يريد مكافحة فيروساتهم التي تغلغلت وعشعشت في كل مفاصل الدولة، ولم تتحرك، وهي ترى أسهم الموت تزداد، والفقر ينهش بالبؤساء. والأمر الآخر الذي يعيق دخول الفرد إلى مجتمع دولة القانون، هو دور ممن سلطتهم الأقدار الغبية علينا وسمتهم برجالات الدين وحاملين أختاتم الرب وامتلاك الحقائق، هؤلاء المحنطين الذين يبثون فيروسات تجمد الفرد في نطاق الموروث الديني المغلف بالأفكار الماضوية الزائفة، والتي لم تسمح لعقل الفرد بأي مراجعة من شأنها أن تتجاوز هذه المفروضات، إلا أن ينطق أسيادهم الذين بحوزتهم مفاتيح السماء وأختام الآلهة  حتى بات يدور في عقل هذا الفرد العقيم فكريًا أن كل ما يحدث على مسرح هذا الكون ومنها أزمة كورونا مفتعلة ومفاتيح حلها عند أسيادهم. 

ومن كثر ما استخفت منظومة المؤسسات الدينية بعقول التابعين المستلبين بالإيمان الزائف، وصادرت كرامته ووجوده، أصبح يواجه الأزمات بتنظيرات الفرد المهووس بهذيانات عوالم أخرى غير واقعية، مثلما أنكر أكثرهم وجود وباء كورونا، وبذلك ساهمت هذه الكائنات بزيادة مساحة الأزمة لا تطويقها، وتحويلها إلى مقبرة جماعية، كما يحدث اليوم في المناطق الشعبية التي تستخف بكل الاحترازات والتدابير الكفيلة بخلاصنا من هذا الوباء اللعين، لدرجة أن الفيروس أخذ يبطش بالكثير، وهم يمارسون حياتهم الطبيعية لأن أكثرهم متخومين بحفنة فيروسات مذهبية متطرفة وهويات مسيجة واعتقادات ملفوفة بخرق الماضي العتيق، وواضح اليوم أن هذه الكائنات الملغمة والمغلفة بالأفكار الماضوية أخذت تتفسخ بين عيال الله بدون أي رادع أخلاقي، وأجزم أنهم لم تطرق مسامعم ولم يحدثوهم يومًا عن  أهمية المعطيات الأخلاقية والاجتماعية التي يجب أن تستوطن وجدانهم، وأن أسمى ما بالوجود هو الإنسان وأثمن ما عند الرب هو مخلوقه، وضرورة تحول هذه المفاهيم إلى سلوكيات يعمل أسياد الموت العكس لكي لا تبور تجارتهم بأدمغة البسطاء، حيث بثوا بداخل هذا المستلب الإيمان الذي يجمد حتى العاطفة في قلب الناس، ويدعم سلطة الطوائف في أنفسهم للاستمرار بتغييب أي حراك ينشد صناعة الهوية الوطنية. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

معضلة النظام العراقي وأزماته.. انتهت حلول الأرض؟

لعبة الانقسامات