المتظاهر هو المتهم في كل الأحوال

المتظاهر هو المتهم في كل الأحوال

المتظاهر الأعزل هو المتهم في العراق وليس السياسي والنظام (Getty)

تبقى الجماعات الدينية التي ترتبط بهرمية القيادة لا تختلف من حيث نمطية التفكير المنحصر بفكرة الزعيم فقط. العامل المشترك الذي يجمعها في سياق واحد للتعبير عن رأيها بشكل جماعي، ومهمتها تكمن في الدفاع عن فكرة القائد بشتى الطرق وإضفاء القداسة لتكسب طابعًا ربوبيًا يمثل صدًا للنقد، ولا تقف عند حد معين في الدفاع والهجوم حتى وإن وصل لمراحل التخوين ومن ثم القتل إن تطلب الأمر. 

غياب النموذج السياسي البديل عن تكتل الجماعات يساهم إلى حد ما بتغولها على حساب الدولة

ليس هناك أسهل من ذلك مع وجود النصوص والفتاوى و"الكصاكيص" التي تمثل نسقًا ملزمًا لكل فرد منهم يبحث عن إشباع رغباته. جماعات القاعدة و"داعش" كانوا يذبحون وفقًا للنص ومزاج التأويل والظروف، وانساقوا مع الرغبة الباحثة عن الانتقام التي يطوعها النص لتوظيف الإجرام بطرق وأساليب تحاكي الرغبات المخبوئة داخل الأفراد المعنيين بذلك. هذه نسخ متعددة، لا تختلف إلا من حيث الانتماء المذهبي أو السياسي، لكنها بالنهاية هي كتاب واحد بعنوان الموت. ولست بصدد الإطالة في تفصيلات كهذه،  بقدر تبيان طريقة صناعة الرأي الجمعي المطبوخ، أو الأجوبة الجاهزة التي يلتهمها الجمهور، ليقاتل بها في ميدان النقاش، كما هو الحال اليوم بالنسبة لجدلية المرشحين وتعقيدات القبول والرفض المتأتية من طبيعة هذا السياق الجمعي الذي لا ينفصل عن رأي الزعيم. 

اقرأ/ي أيضًا: أيّها الشعبويون.. عمتم مساءً!

لنأخذ مثالًا يدعم الفكرة: مرشحو الفتح كان جمهور التيار الصدري يصطف مع المتظاهرين لرفضهم بالمجمل، بينما تغير الأمر بالنسبة لتوفيق علاوي، وبات مرشحًا مثاليًا في حين هو لا يختلف مع مرشحي الفتح بعدم توافقه مع المواصفات المعروفة التي غدت بمثابة هوية التعريف لمن يتصدى للموقع، وسرعان ما انقلب مزاج هذه الجماعة لينسجم مع مزاج القائد، وتحول إلى محطة تكيل التهم بشتى أنواعها للمتظاهرين حتى وصل الأمر إلى حلية قتلهم لتخليص البلاد من شرهم بحسب تعبيرهم وتماشيًا مع نوع التهم التي تساق. 

تكرر الأمر مع المكلف الجديد عدنان الزرفي، بعد فشل توفيق علاوي وما رافق تكليفه من ضغط على الساحات ولدت عنفًا لا يقل أثرًا عن العنف المستخدم منذ انطلاق التظاهرات في مطلع تشرين الأول/أكتوبر. الجوكر والعميل تهم ناعمة قياسًا بالآخريات التي تولد الاحتقان الاجتماعي، ولا يقف عند التوبيخ بل يصل للقتل، جميعها رافقت هذا المرشح وصار المتهم بتكليفه المتظاهر الأعزل وليس السياسي والنظام الذي يُنتج هكذا جدليات مبنية على التحاصص الطائفي الفاسد الذي يتغذى بالقرار الخارجي. 

غياب النموذج السياسي البديل عن تكتل الجماعات يساهم إلى حد ما بتغولها على حساب الدولة. المفهوم الغائب على مجرى العمل السياسي الذي يكرس الجهد لتضخيم السلطة والجماعة، وكلما كان هذا النموذج غائبًا تنصهر هذه الجماعات في قالب الزعيم لأنها تبحث عن بدائل لغياب القانون والمؤسسات يضمن لها البقاء الذي يعبر عن مزاجها النفسي المتسق مع هذا التماهي في ثنائية القول والفعل. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في انتظار السياسة

عصر الجماهير: لا جديد تحت نصب الحرية