03-ديسمبر-2019

العديد من المسعفات الطبيات والمتظاهرات تعرضن للاختطاف والاعتقال والتهديد (Getty)

تصدرت المرأة المشهد في مختلف الثورات العربية، بدءًا من تونس مرورًا بمصر وسوريا والسودان ووصولًا إلى لبنان والعراق، وخرجت النساء على اختلاف أعمارهن متحررات من ثقل الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية. وفي ظل الصراعات التي تعصف بالعراق بزغت شمس الاحتجاجات على يدِ جيلٍ سمي بـ"جيل البوبجي والتكتك"، وكانت المرأة العراقية موقعها المتقدم في هذه الاحتجاجات. 

كان لا بدّ من أن يكون للمرأة العراقية دور في "إعادة الوطن" مع جيل تشرين وألا يُغيّب دورها بدافع الخوف من بطش السلطة

وبعد 16 عامًا من اللادولة وانعدام القانون واحتكار ثروات البلاد بين الأحزاب التي تمثل الطوائف، واغتيال الديمقراطية التي أتى بها نظام الحكم بوصفها بديلًا للاستبداد، خرج "شباب تشرين" يطالبون بتصحيح المسار الديمقراطي وتطويره واسترداد الحقوق بحسب الشعارات التي رفعوها، ولأنّ الأنثى هي إعلام الثورة كما سميت، كان لا بدّ من أن يكون للمرأة العراقية دور في إعادة إنتاج الوطن، وألا يُغيّب دورها بدافع الخوف من بطش السلطة، كما تعبّر عن ذلك نساء حاضرات في ساحات الاحتجاج.

اقرأ/ي أيضًا: المرأة كأيقونة للثورات العربية

عراقيًّا وطوال السنوات السابقة، لم نر أي تجمعات نسوية في الشارع، حتى في الأحزاب السياسية كانت النساء مجرّد أرقام دون جدوى، وبالرغم من وجود العشرات من المنظّمات النسوية في العراق، إلا أنها غير فاعلة ومشتبكة مع جذور المشكلة العراقية. لكن بروز المرأة العراقية في احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر أعادها إلى الواجهة بعد أن كانت في الهامش.

رفعت النساء في الاحتجاجات مع الشباب شعار "نريد وطن"، فيما تنوّعت المشاركة النسائية من مختلف الأعمار بين الهتاف والتجمهر أو تقديم المساعدة لإسعاف الجرحى، فيما اختارت أخريات تحضير الطعام للمتظاهرين.

أماني حسن، شابة في منتصف العشرينات من محافظة واسط، تقول "لم تنجح ثورة من قبل من دون مشاركة نسائية، ولأن وجود النساء في المناطق الجنوبية كان وجودًا خجولًا، خاصة في بداية التحشيد على التظاهرات تمت مهاجمتنا نحن النساء المشاركات، أنا وصديقة لي، قمنا بعملية كسر القيود الفكرية"، مضيفةً "ذهبنا في اليوم الأول كفريق نسائي يضم عدة توجهات حتى نضع صورة متكاملة تفيد أن جميع النساء مشاركات من دون استثناء في يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر، واستمرينا بالخروج وتوزيع الطعام  والعلاج".

بيّنت حسن "لم يقتصر وجودنا على الحضور وحسب لأننا لسنا للعرض، بل إن وجودنا فعال. استمرينا بالتظاهر وفي اليوم الثاني قمنا بجمع النساء الراغبات بالتحشيد والمشاركة تحت مسمى (متظاهرات واسط) في محادثة لنشر الأفكار الجيدة والتوعية عن أهمية مشاركة النساء"، مشيرة إلى أن "المشاركة النسوية أصبحت قوية لدرجة وجود خيمة نسائية لمبيت النساء في ساحة التظاهرات. قبل يوم من التظاهرات عند التحشيد تمت مهاجمتنا من قبل العديد من نساء واسط، واليوم تم دعمنا من قبل 93% منهن وهذا التغير الإيجابي هو أكبر إنجاز لنا".

انتشرت المفارز الطبية في ساحة التحرير وسط بغداد بسبب كثرة إصابات المتظاهرين، ولضمان علاج المصاب بشكل أسرع وخوفًا من اعتقال الجرحى في المستشفيات، واشترك في المفارز عدد من الطلاب والطالبات كمسعفين رغم تعرضهم للخطر.

بالرغم من تعرضهن للخطر.. اشتركت الطالبات في كلّيات الطب والتمريض في إسعاف الجرحى من المتظاهرين في ساحة التحرير

ملاك جاسم، (19 عامًا)، تقول لـ"ألترا عراق"، إنه "في كل مرة أتواجد في ساحة التحرير اقترب من الموت أكثر، كدُت أصاب بقنابل الغاز المسيل للدموع عند تواجدي في الخطوط الأمامية على جسر الجمهورية أثناء نقل العلاج للمتظاهرين"، مستدركة "لكن الشباب هناك استخدموا أجسادهم كدروع بشرية لحمايتي".

اقرأ/ي أيضًا: تزوير شهادات وفاة ضحايا الاحتجاجات.. السلطة تستعين بـ"الملائكة"!

تتابع ملاك "في البداية كُنت أسعف المتعرضين لقنابل الغاز المسيلة للدموع في الخطوط الأمامية لبداية جسر الجمهورية، وفي اليوم الثاني بقينا نتجول ونعالج المتظاهرين إلى أن انتبهنا لقلة المسعفين في النفق وأنهم عرضة للخطر بشكل أكبر"، مضيفةً "كانت مهمتي مع إحدى المُسعفات وتدعى أبرار زهير، هي إيصال الإمدادات اللازمة للمتظاهرين مثل الخوذ والكفوف والمواد الطبية وإسعاف المصابين"، مبينةً "لستُ خائفة، أنا أشعر بالأمان أكثر عندما أكون متواجدة هنا مع بقية المتظاهرين".

ومن داخل خيم المفارز الطبية في ساحة التحرير تقول نور الهدى، إنه "عند دخولي لكلية التمريض تعلمت إنقاذ الناس بأي مكان ووسيلة كانت، قررت المشاركة في التظاهرات لأني أجد نفسي من هؤلاء المتظاهرين نتشارك المطالب نفسها".

أضافت نور الهدى "عند مشاهدتي لحاجة الكادر الطبي في ساحات التظاهر للمزيد من المُسعفين لم أتمكن من البقاء في البيت، أعددت حقيبة الإسعافات وتوجهت مع أخي إلى ساحة التحرير، وتمكنت من إسعاف العديد من حالات الاختناق وتضميد المصابين، كانت تصل الكثير من العلاجات، ولكثرة الحالات كان هناك شبه فوضى في تسليم الأدوية لذلك تمكنت من فرزها وإرشادهم لكيفية التعامل معها".

 النساء في ساحة التحرير، تعرضن للاختطاف والاعتقال والتهديد، تقول مريم: "في البداية لم أكن أشعر بأي انتماء لهذا البلد الذي طالما أخذ مني كل أحلامي، لكن عند مشاهدتي كيف أن هذه الثورة كانت مختلفة وخرج فيها حتى الأطفال تغيرت أفكاري".

أضافت مريم "تمكنت من تعلم كيفية إسعاف حالات الاختناق من خلال مجموعة من أصدقائي في المجال الطبي، وفي إحدى المرات وقفت بجانب الرسامين الذين كانوا يزينون مبنى النفق في ساحة التحرير، ولأول مرة تمكنت من البوح بمشاعر النقمة على الأحزاب الدينية بصورة علنية، وكتبت عبارة مناهضة للميليشيات مع ذكر اسم قائدها". تضيف مريم: "قدم مجموعة أشخاص بعد ذلك، وتم تهديدي بأنهم سيلجأون إلى استخدام العنف في المرة القادمة إذا واصلت كتابة مثل هذه الشعارات، وعند عودتي بدأت تصلني رسائل تهديد على حسابي الشخصي عبر "فيسبوك"، لم أكن خائفة مطلقًا، والآن أشعر بالفخر بكل ما قدمت".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فتيات يغسلن ثياب المتظاهرين.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!

ساحة التحرير.. روح الفريق قيادة للاحتجاجات!