17-أغسطس-2021

يتغاضى النظام السياسي العراقي عن جذور الأزمات (فيسبوك)

يعالج النظام العراقي مشكلاته كالمثل الذي يقول "ينفخ بقربة مخرومة". أي أنه يبذل المزيد من الجهود لحل أزمة بالتغاضي عن جذرها أو سببها ويسير بطريق الألف ميل دون المرور بالخطوة نحو الاتجاه الصحيح. ينسحب ذلك على جميع الصُعد: في السياسة الداخلية والخارجية والأمن والقطاعات الاقتصادية المختلفة كالصناعة والزراعة وأبرزها الطاقة، إضافة إلى أغلب الأزمات التي تحدث في البلاد. ولا يسعف الوقت أن نعرّج على كل تلك الأزمات ويُمكن سرد أمثلة بسيطة سريعة.

يواجه العراق توسعًا سكانيًا كبيرًا وتزداد نسمة البلاد مليونًا كل عام 

في الأمن مثلًا، لا تبدأ السلطة من أبسط الطرق وأبرزها في المعادلة الأمنية (المواطن)، إذ لا تبذل جهدًا للنزول للناس ومعرفة مشكلاتهم، كما تتجاهل الطرق الأعقد كالقضايا السياسية الداخلية ومشكلات التمثيل والديمقراطية والهوية، وكذلك في القضايا السياسية الخارجية المؤثرة بصورة واضحة على الأوضاع الأمنية في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا يستهلك العراقيون ما يفوق ضعف حاجة المصريين من الكهرباء؟

لا توقف السلطة الاعتداءات والاعتقالات التعسفية والانتقامية العشوائية على الأفراد والجماعات. لا تتابع أو تهتم بمسائل التعذيب داخل السجون والمعتقلات وأثناء التحقيقات مع المتهمين، وما ينتجه ذلك من احتمالات انتقام مضاد.

لا تهتم للجانب الديني الدعائي كدولة/سلطة. لا يُعرف النظام هويته إن كان دينيًا أو علمانيًا. لا تحاسب التحريض الطائفي الذي يصدر حتى من أطراف داخل السلطة عبر وسائل إعلام مباشرة أو غير مباشرة.

في الوقت الذي لا تفعل كل ذلك، تضيف ماءً على القربة المزروفة:  تزيد أعداد العسكر وتستحدث المزيد من الأجهزة الأمنية حتى باتت كثرتها مضرةً غير نافعة، ليس لانعكاساتها السياسية فحسب بل لتقاطع المهام والخطط في الشأن الأمني ذاته كما يتحدث متخصصون. ناهيك عن القضايا الاقتصادية المضافة المتعلقة بالأمن.

من انهيار المنظومة الأمنية تفجّرت أزمة النازحين، واستمرت السلطة لسنوات تنفق المليارات على سكّان الخيام من ماء وغذاء ودواء معرّضين لمخاطر الأمراض والأوبئة والحوادث كالحرائق التي بعد أن تنال من أرواح النازحين تزيد السلطة من إجراءاتها محاولةً درء تلك الأخطار. وفي الوقت ذاته تستجدي السلطة عطف دول ومنظمات العالمية لتفسح المجال أمام تدخلات عدّة، وتدفع مقابل وجود النازحين في المخيمات ثمنًا سياسيًا وتتركهم عرضةً للتسويق السياسي والدعاية الانتخابية. ولعل المرء يتساءل: هل هذه المصروفات والمتاعب والأثمان الاقتصادية والإنسانية والسياسية والزمنية أقل تكلفة من إيجاد حل لهم في مناطقهم؟

ليس بعيدًا عن ذلك، يواجه العراق توسعًا سكانيًا كبيرًا وتزداد نسمة البلاد مليونًا كل عام بحسب إحصائيات، أدى ذلك إلى أزمة في الأراضي وما يُعرف بالتجاوزات والبناء في المناطق الزراعية وتقسيم المنازل إلى أجزاء عدّة مع تصاعد الطلب وضعف العرض. وبدلًا من بناء مشاريع عمودية تحل الأزمة، تجتهد السلطة بعد 18 عامًا على سقوط النظام السابق بالإعلان عن توزيع قطع أراضٍ للمواطنين، الذين هم بالضرورة لا يملكون المال لبنائها، وتتحدث عن قروض قد تكون بابًا للابتزاز والفساد والمحسوبية إنْ وجدت هي والأراضي التي في نهاية المطاف لن تحل الأزمة، بوجود قرابة عشرة ملايين نسمة في العاصمة وأحياء لا تحتمل ثلاثة ملايين مواطن، بحسب متخصصين.

كذلك أدت الكثافة السكانية إلى مشكلة الزحامات الخانقة خصوصًا في العاصمة بغداد. وبدلًا من إنشاء طرق جديدة سريعة خارجية، وداخلية، وتوسعة محيط العاصمة، كما فعلت أربيل، وبدلًا من تشييد قطارات معلقة وما يُعرف بالميترو، أصدرت السلطات قبل سنوات قرارًا يقسّم السيارات وفق نظام الزوجي والفردي على تواريخ الشهر، وباتت مديرية المرور تحاسب صاحب الرقم الفردي إن تجرّأ ومضى إلى مشوار بسيارته في يوم "الزوجي"، مع ترك حرية خيار المشي أو ركوب الجِمال للمواطنين الراغبين بالذهاب إلى عملهم.

تستقبل بغداد، العاصمة، ثلاثة عشر مليون مواطن في ساعات الذروة (الدوام)، فتستنفر مديريات المرور منتسبيها وتنزل بهم إلى الشوارع لفك الاختناقات الناجمة عن كثرة عدد السيارات في شوارع مصممة منذ عقود تتعرض باستمرار للتدمير بدل التطوير، تاركة ثقب القربة.

في جانب آخر، صدّع بعض أنصار الرأسمالية رؤوسنا في الحديث عن اشتراكية النظام وضرورة الاتجاه للقطاع الخاص كحلٍ سحري. ونحن إذ لا نقول بضرورة البقاء في المركزية البيروقراطية والتعقيد وضخ الأموال في غير محلّها، إلا أننا نتساءل عن النموذج المطروح.

على سبيل المثال، وبعبور قضية عائدات المشروعات الخاصة كـ"المولات" وغيرها من القطاعات غير الإنتاجية، يضرب مثالٌ حول تمكن القطاع الخاص من تمويل الحصة التموينية (التي هي إجراء حكومي بحت) بدلًا من الدولة، ويتضح بحسب أصحاب الشأن أن القطاع الخاص يستورد المواد بعملية تضاعف السعر. بمعنى أن الدولة تتخلى عن دورها من دون فائدة: لا فائدة في تغذية التصنيع المحلي ولا تقليل الاستيراد ولا تقليل الأسعار والتكاليف.

أما الأمثلة الأوضح للنفخ في القربة المخرومة هي ما يتعلق بقطاع الكهرباء: الصورة الأوضح عن حال العراق مع النظام الحالي.

لحل أزمة الكهرباء قررت السلطات تفعيل "الخصخصة" ثم تراجعت بعد ذلك عن التسمية. جاءت بشركات قطاع خاص لتوفير الكهرباء في المناطق التي توصف بالراقية، لكن ما الذي فعلته تلك الشركات؟ - نصبت معدات وعدّادات جديدة وأصبحت تجبي عائدات الكهرباء مقابل توفيرها نظريًا لأربعة وعشرين ساعة. وإنْ سلّمنا بأنها توفرت - وهذا لم يحصل، وانهارت مع انهيار المنظومة العامة - فما حدث هو التخلي عن أدوار الموظفين الفائضين أصلًا عن الحاجة في الوزارة وإضافة المزيد من التكاليف على المواطنين دون أن تفعل تلك الشركات شيئًا سوى الجباية. فالمعروف أن القطاع الخاص يدخل في القطاعات التي تواجه الدولة صعوبة أو تلكؤًا فيها، لكن ما حصل في الواقع يدل على أن السلطة العراقية تواجه صعوبة في الجباية!

أحد أهم أسباب مشكلة الكهرباء هو الغاز، حتى بات الحديث مملًا عنه. وللتذكير، فأن السلطة العراقية تعاقدت لشراء محطات إنتاج كهرباء غازية (تعمل بالغاز) في وقت لا تستثمر فيه الغاز ولا تتمكن من توفيره. استوردت المحطات الغازية وراحت تستورد الغاز من إيران، ثم حين أفلست وزادت ديونها للجارة وقللت الأخيرة إطلاقاتها حصل ما حصل كما في صيفنا الحالي.

بدلًا من استثمار الغاز المصاحب وتفعيل مشاريع الغاز الطبيعي تلجأ السلطة للاستيراد وضخ المزيد من العملة إلى إيران من أجل المزيد من الإنتاج لتغطية ارتفاع الطلب

وإذا وضعنا استغلال واستثمار الغاز - الذي نحرقه في الأجواء ملوثين البيئة مُهْدرين المليارات - جانبًا، سنرى أن المشكلة ليست في الغاز فحسب. يُجمع المتخصصون والمسؤولون على وجود أزمة في النقل والتوزيع حيث تُهدر الطاقة الكهربائية بعد إنتاجها وقبل وصولها إلى أماكن الاستهلاك.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا تستطيع بغداد التخلي عن شراء الغاز الإيراني؟

دائمًا ما تتحدث وزارة الكهرباء عن زيادة إنتاجها لسد النقص الحاصل في تجهيز الخدمة، وهي تتطرق بشكل دائم عن مشكلات النقل والتوزيع. ومؤخرًا، وبعد حديثها عن إنتاج تاريخي ( 20 ألف ميغا واط) أعلنت توجهها لإدخال 5 آلاف ميغا واط إضافية مطلع العام المقبل.

بحسب تصريحات حكومية سابقة فأن الضائعات تبلغ 8 آلاف ميغا واط من أصل 20 ألفًا ينتجها العراق، ووفق حسابات لفت إليها تقرير صحفي لما يحتاجه العراق من إنتاج الطاقة حاليًا فأن الإنتاج يكفي العراق دون الحاجة إلى المزيد من الإنتاج؛ بل إلى حل مشكلات التوزيع والنقل عبر معالجة الشبكات التي عفى عليها الزمن. ووصف التقرير توجه الوزارة للمزيد من الإنتاج بـ"سكب الماء في جرة مثقوبة".

بالخلاصة، بدلًا من استثمار الغاز المصاحب وتفعيل مشاريع الغاز الطبيعي تلجأ السلطة للاستيراد وضخ المزيد من العملة إلى إيران من أجل المزيد من الإنتاج لتغطية ارتفاع الطلب. ولأن الاستيراد من إيران مهددٌ بسبب العقوبات والأزمة الاقتصادية تتجه السلطة للربط الكهربائي مع دول الجوار. ودون الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع الطلب بسبب الزيادة السكانية، تصب كل الخطوات في صالح رفع الإنتاج لتغطية الضائعات والطلب معًا!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

معضلة الكهرباء بغياب الغاز الإيراني.. بديلان مستحيلان وثالث باهظ

قراءة في أسباب فشل النظام السياسي العراقي