الوباء من منظور آخر

الوباء من منظور آخر

الشعبوية نافذة في كل مسامات ذاكرتنا (فيسبوك)

كتبَ المفكر المغربي الكبير عبد الفتاح كيليطو، قائلًا: "لشدة قوة الشائعة وما يترتب عنها من تشويش وما تحدثه من بلبلة، جعل اليونان منها آلهة.. أتساءل أحيانًا لماذا لم يؤلهوا البلاهة أيضًا، لا سيما حين أتذكر قولًا للشاعر الألماني فريدريش شيلّر: ضد البلاهة، حتى الآلهة تكافح بدون جدوى". مقتبس من الناقد العراقي صادق ناصر الصگر. 

إذا كان العالم يمر بوباء خطير، وهو في طريقه إلى السيطرة عليه، فإن العراق حاضنة لكثير من الأوبئة. ولكل منّا إحصائية معينة في تعداد الأوبئة التي يكابدها المجتمع العراقي:  الاستبداد،  الفساد، الطائفية، المحاصصة، تبديد الثروة، الفقر، الأمية، تردي الواقع الصحي والتعليمي، ملفات الفساد العالقة، الاغتيالات. وكنتيجة لهذه المقدمة الطويلة للأوبئة تظهر الشعبوية كتحصيل حاصل. إنها نتيجة منطقية لوضعنا الحالي. إن سيادة الغرائز والحماس واللاعقلانية، وشيوع الفوضى وإطلاق الأحكام بدل التفكير، تغدو نتيجة مُتَوَقَعَة لبلد مثل العراق. لا ينتج تاريخًا طويلًا من الاستبداد سوى مجتمع عنيف منقسم على نفسه، تغذيه الخرافات واللاعقلانية، ويسود فيه حكم الأقوياء، وتنتصر قيم التوحش والبربرية على قيم المواطنة والعيش المشترك.

كلما غابت المؤسسات حلّت محلها الخرافات والأساطير، وتنتج لنا جيوش الجهّال، يتحكمون بسير الحياة الاجتماعية والسياسية

على أي حال، يمكن القول إن الشعبوية في أحد سماتها الأكثر وضوحًا: هي أن تجعل من مزاجك الشخصي قضية رأي عام. أو تجعل من وساوسك الشخصية برهانًا نظريًا، وتعتاش على إطلاق الأحكام عوضًا عن التفكير.  ولا تكتفي بتلك الأحوال النفسية فحسب، بل تطلق العنان لحماسك وهلاوسك النفسية للتأثير بأكبر عدد ممكن ممن يماثلونك في هذه الأحوال. وثمة علاقة طردية واضحة: كلما غابت المؤسسات حلّت محلها الخرافات والأساطير، وتنتج لنا جيوشًا من الجهّال، يتحكمون بسير الحياة الاجتماعية والسياسية. والسلطة السياسية بلا مؤسسات قانونية تؤطر أفعالها وتحد من جموحها، فستكون نتيجتها المنطقية كالتالي: نسخة طبق الأصل من "رعاياها"؛ فهم ليسوا مواطنين، وإنما رعايا، تسوقوهم السلطة ويسوقونها طالما لم تتوفر مؤسسات قانونية رصينة، إنه استمطاء متبادل، وإن بدت السلطة هي الطرف المهيمن.  سيكون الإطار الشامل لكل هذه الفوضى، والذي يمكنه تفسير ما يحدث هو الشعبوية؛ إنها الضوء الذي يمكن تسليطه على الزوايا المُعَتّمَة في المجتمع العراقي، هذا إن بقيت ثمّة زوايا مجهولة!

اقرأ/ي أيضًا: السؤال المسكوت عنه

لناخذ المثال الحي عن وباء الشعبوية، ويمكن للقارئ أن يختار أمثلة أخرى متوفرة بكثرة، وسيجد الشعبوية نافذة في كل مسامات ذاكرتنا. فلنرجع لمثالنا:  تصوروا معي، لو تنصّلت الحكومة عن واجبها في توفير اللقاحات اللازمة، مؤكد أنه ستحدث "محاكمَ ثورية" في مواقع التواصل الاجتماعي، وسنسمع العديد من القصص والأساطير عن نظرية المؤامرة، لكن عندما توفر العلاج وأصبح متاحًا للجميع، امتنع عموم الناس من الامتثال لإرشادات ونصائح المؤسسة الصحية بحجج واهية وأباطيل لا تستند إلى دليل. ولو أقدمت الحكومة على خطوات غير تقليدية؛ إلزام المواطنين على أخذ اللقاح قانونيًا، ومحاسبة الممتنعين، وتغريم المقصرين في ارتداء الكمامات. لو حدث كل ذلك، ستحترق مواقع التواصل الاجتماعي، ويتسابق سكّانها ويتعاونون على السهر حتى الصباح وهم يشحذون حماسهم الثوري للعثور على نظرية مؤامرة جديدة تُحاك ضدهم. وبالطبع لا يقتصر الأمر على الفضاء الرقمي وعوالمه الموازية، وإنما طاعون يكتسح كل مفاصل المجتمع العراقي، إنه طاعون الشعبوية الذي تديره سلطة البلهاء.

يا ترى أي نوع من الآلهة يمكنها إقناعنا بأهمية أخذ العقار؟ سؤال صعب، وحدها آلهة العالم مجتمعة يمكنها الجواب عن ذلك. أو ستكافح بدون جدوى، حسب تعبير شيلر.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مثلث الانسداد: القبيلة والطائفة والريع

العراقيون بين الجوهر والمظهر