بعد اعترافه بالقصف الإسرائيلي..ما قدرة الحشد للرد؟

بعد اعترافه بالقصف الإسرائيلي..ما قدرة الحشد للرد؟

يُتيح الإنكار الفرصة لإسرائيل أن تقصف سواء أكانت قد فعلت سابقًا أم لا (فيسبوك)

ليست كالمجالات الأخرى، ينخفض شرط "الوثائق" في الأحداث السياسية، وتبدو الاستدلالات وحدها كافية لتأكيد قصة ما يتناقلها سياسيون ومحللون وإعلاميون دون وجود ما يؤكدها "عينيًا"، بل توفر ما يُرجح حدوثها وفق التحليلات والشواهد غير الحاسمة. وهكذا في التاريخ، الكثير من المسلّمات يتناقلها المؤرخون والمهتمون في السياسة بلا أدلة بالمفهوم العلمي.

يُتيح الإنكار الفرصة لإسرائيل أن تقصف سواء أكانت قد فعلت سابقًا أم لا، طالما تكفل الطرف المُعتدى عليه بتبرأة ساحتها

الحديث عن ضربات عسكرية إسرائيلية داخل العراق بدأه مسؤولون إسرائيليون وعززه نتنياهو حين توعد في أيلول/سبتمبر 2018 بمكافحة إيران في العراق ولبنان، لكن المسألة أخذت منحى آخر بعد حادثة معسكر الحشد الشعبي في آمرلي، الذي جرى حديث مستمر من قبل قادة وسياسيين في الحشد الشعبي، عن قصفه بطائرات مجهولة، عزز هذه الرواية محللون وإعلاميون إسرائيليون بقولهم إن نوعية الضربة تحمل بصمات الضربات الإسرائيلية، قبل أن تتلافى السلطات العراقية (رئاسة الوزراء وهيئة الحشد) الموضوع بإعلان تقريرها النهائي بأن حادث "آمرلي" جاء نتيجة احتراق بالوقود الصلب أدى إلى جريحين دون قتلى. ولم يَمنع تقرير السلطات المحلية، تشييع الإيرانيون لأحد قتلاهم الذي قضى في تلك الحادثة!

اقرأ/ي أيضًا: معسكر آمرلي "فخ جديد".. إسرائيل تُذكر بضربة تموز وبغداد تُبرئ تل أبيب

ربما كانت ضريبة السكوت والإنكار أكبر، إذ يُتيح الإنكار الفرصة لإسرائيل أن تقصف سواء أكانت قد فعلت سابقًا أم لا، طالما تكفل الطرف المُعتدى عليه بتبرئة ساحتها، وهو أمر لا يخلو من مخاطر عدة على جميع الصعد بالنسبة للحشد الشعبي.

وصلنا إلى تفجير قاعدة الصقر جنوبي بغداد، ولم يُثَر حديث عن طائرات قاصفة رغم تأكيدات شهود عيان على ذلك، إلا أن تصريحات بعض المسؤولين عن اختراق الأجواء العراقية ووجوب حمايتها، ثم تلاها قرار عبد المهدي بإلغاء تصاريح الطيران ومنع الطائرات من المرور في أجواء البلاد دون علم بغداد، أكد ما يرجحه الكثير، لتأتي حادثة معسكر الحشد الشعبي في صلاح الدين (20 آب/أغسطس) مع تسريبات العديد من وسائل الإعلام بينها التابعة لفصائل في الحشد الشعبي، وتلميحات نتنياهو الأخيرة، لتُعزز من الفرضيات المُتناقَلة.

اعترف نائب رئيس الحشد الشعبي بقصف "معسكرات عراقية بطائرات إسرائيلية أدخلتها القوات الأميركية". قُطع الشك باليقين، وبدا الأمر واضحًا الآن.

تتشابه القصة مع ما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية، بذات السيناريو: سماع دوي انفجارات، شهود عيان يتحدثون عن قصف جوي، تسريبات إسرائيلية بتبني القصف، يتبعها إنكارٌ من النظام وتعليل الانفجارات والحرائق إلى حوادث عرضية.

تبدو دوافع الكيان الصهيوني في ضرب أهداف داخل سوريا والعراق واحدة، ومواقف المُعتَدى عليهم في المقابل متشابهة. وتأتي الضربات في سياق التضييق الأميركي على إيران اقتصاديًا، لتُكملها بالتضييق العسكري على حلفائها. والغاية الأساس في رأينا هي استفزاز الإيرانيين لجرهم إلى منطقةٍ ملتهبة مع المجتمع الدولي، وليس مع الولايات المتحدة فحسب، كما تفعل الأخيرة عبر انسحابها من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الاقتصادية على إيران ثم انتظار خطواتها الموُاجِهة لذلك.

ليس في قاموس المقاتلين حسابات اقتصادية، بل لديهم مؤشرات معنوية تنخفض وترتفع بفعل الأحداث، وأحيانًا التصريحات، فما بالك بالضربات والخسائر العسكرية؟

الضربات الإسرائيلية غير المُعلن عنها بشكل رسمي، تضع إيران وحلفائها أمام خيارات صعبة. إن إعلان النظام السوري أو الحشد الشعبي في العراق عن تلقيه ضربات عسكرية من الكيان الصهيوني سَيفرض عليهما الرد بما يتناسب مع الضربة، ومع التحشيد الداخلي للجماعات المُسلحة والمؤيدة التي تلتئم بعقيدة "المقاومة والممانعة"، كما أن الاعتراف بالضربة وعدم الرد عليها له ما له من تداعيات على عقيدة الأتباع، إذ لا يَحسب المُقاوم المُعبئ آيديولوجيًا حساباته مثلما يفعل رجل السياسة ورجل الاقتصاد، بكم الأرباح والخسائر، كما يفعل ترامب مع الانتشار الأميركي العسكري في العالم الذي يرى بعضًا منه "غير مُربح". ليس في قاموس المقاتلين ـ خصوصًا مع حالة التراجع الاقتصادي ـ حسابات كهذه، بل لديهم مؤشرات معنوية تنخفض وترتفع بفعل الأحداث، وأحيانًا التصريحات، فما بالك بالضربات والخسائر العسكرية؟

اقرأ/ي أيضًا: انقسام وسخط داخل الحشد الشعبي مصدره "إسرائيل"!

والسؤال الأهم: كيف يؤثر انخفاض المعنويات على تحمّل "ضبط النفس" عسكريًا في هذه الحالة، مع تحمّل الضغوط الاقتصادية والإعلامية والسياسية؟

ما فعله الحشد الشعبي والنظام السوري في كثير من الحالات هو إنكار وجود ضربات استهدفت مقراته، وتترتب على ذلك العديد من المشكلات كما أسلفنا، إذ يُتيح هذا الخيار للكيان الصهيوني الاستمرار بالقصف داخل الأراضي العراقي واستنزاف القدرات العسكرية التي يتمتع بها الحشد، دون رد على الاستهداف، ويمشي توازيًا ذلك الاستنزاف العسكري مع التسريبات الإسرائيلية الإعلامية. تصبح المعادلة إذن: تقصف إسرائيل ولا تعلن، ينكر الحشد ويُستنزف، يعرف الجميع من القاصف ومن المقصوف. وتلك معادلة ليس فيها أي مكسب بالنسبة للحشد، فهل تكون أقل الخسائر؟

بعد اعتراف أبو مهدي المهندس بقصف إسرائيل لمقرات الحشد خرجت المعادلة أعلاه من معادلة الواقع، وبقي للحشد خياران بعد الاعتراف، إما الرد، أو السكوت.

تحدثنا آنفًا عن أضرار السكوت على القصف الإسرائيلي من الناحية المعنوية والمادية والعسكرية، فماذا عن إمكانية الرد؟

بقدر ما يُسهّل عدم اعتراف إسرائيل بقصف مواقع في سوريا والعراق المهمة على المقصوفين بالتنصل عن الرد، بقدر ما يُصعّب المسألة بالنسبة لهم في حال قرروا اتخاذ موقف عملي تجاه الاعتداء الإسرائيلي، لناحية الموقف الدولي الذي قد يرى رد الاعتداء اعتداء.

تقصف إسرائيل ولا تعلن، ينكر الحشد ويُستنزف، يعرف الجميع من القاصف ومن المقصوف. وتلك معادلة ليس فيها أي مكسب بالنسبة للحشد، فهل تكون أقل الخسائر؟

ربما تتوفر لدى النظام السوري بعض الإمكانيات للمناورة، عبر اللجوء للروس في ثني الإسرائيليين عن عدم القصف مقابل تهدئة على الحدود الجنوبية المحاذية للأراضي المحتلة مثلًا، بغض النظر عن إمكانية القصف داخل إسرائيل طالما لم يلجأ النظام لهذا الخيار أبدًا. لكن إمكانية الحشد الشعبي بالرد على الإسرائيليين أكثر تعقيدًا لاعتبارات الجغرافية والإمكانية العسكرية الجوية والدفاعية الضعيفة بالمقارنة، فضلًا عن الموقف السياسي لهيئة الحشد في العراق، وبالنسبة للمجتمع الدولي.

اقرأ/ي أيضًا: الحشد الشعبي: طائرات إسرائيلية قصفت المقرّات.. ويهدّد: سندافع بأسلحتنا!

 إذن، قد يضطر العقل الحشدي ألّا يخرج عن حدود العراق إذا ما قرّر الرد، وبذلك سيكون المتاح له هو ضرب المصالح الأمريكية بشكل عام، خاصةً مع تأكيد قادة الحشد على تورط أمريكي في قصف مقراته، وقد تكون السفارة الأمريكية هي أقرب الأهداف المُتاحة بالنسبة للحشد للضغط على الولايات المتحدة من أجل منع إسرائيل من استهداف مقراته، خصوصًا مع تأكيد بيان أبو مهدي المهندس على تورط الأمريكيين في عملية القصف الإسرائيل عبر إدخالها من أذربيجان.

عدة خيارات مطروحة، منها حملة اعتقالات أو تصفيات لـ"جواسيس" يتهمهم الحشد الشعبي لتخفيف حدة الأثر الذي خلفه القصف الإسرائيلي، وقد جرى اتهام اللواء في الجيش العراقي محمود الفلاحي، بالتجسس لحساب (سي آي أيه).

تفحّصنا الخيارات المُتاحة وآثار المواقف الممكن اتخاذها من قبل الحشد الشعبي مع الواقع الجديد الذي سيعيشه الآن، فمن المؤكد أن الوضع قبل بيان 21 آب/أغسطس ليس كما بعده؛ لكن بيان هيئة الحشد الموقّع من رئيسها فالح الفياض، والرافض لبيان نائبه المهندس، فتح أبوابًا جديدة، وخيارات أخرى، نتاولها في مكان آخر.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ليلة البيانات "النارية".. "انشقاق" داخل الحشد الشعبي عشية التهديد بـ "الحرب"!

ليلة "الرعب" في بغداد: روايتان "تدينان" الحشد.. كيف "تتلاعب" به إسرائيل؟!