بلد المدرّس الخصوصي

بلد المدرّس الخصوصي

النجاح لمن يدفع (فيسبوك)

"أعمل بأجرة يومية ولديّ أربعة أبناء في المدارس واثنان لم أسجلهما بعد. مع بداية كلّ عام دراسي جديد، أعيش حالة إحباط بسبب ما يتوجب إنفاقه على أبنائي الأربعة في المراحل الدراسية المختلفة، فاثنان منهم في الابتدائية وثالث في المتوسطة ورابع في الثانوية.. المال المطلوب من وزارة التربية لتوفير الكتب والقرطاسية وغير ذلك لا يصل، فيصبح لزامًا علينا أن نتولى توفيرها بأنفسنا". يضيف منعم أنّه "بالإضافة إلى ذلك، تتجاوز الأعباء المالية 125 ألف دينار عراقي (نحو 100 دولار أميركي) شهريًا". تصريحات مواطن عراقي للعربي الجديد، 30 أيلول/سبتمبر 2018 .

ثمّة سوق جديدة آخذة بالاتساع بشكل متزايد، وبمرور الأيام تتسع رقعة زبائنها الدائمين والموسميين، أعني بها بالضبط سوق المدرسين الخصوصيين. فقد اتسعت مساحة التدريس الخصوصي في العراق بشكلٍ لافت، وباتت تشكل خطرًا محدقًا بالعملية التعليمية برمّتها. وأصبح من الشائع والمعتاد أن تبعث بابنك إلى أحد المدرسين أو المدرسات الخصوصيين، كما لو أنك تبعثه إلى إحدى الجامعات العالمية المرموقة على حسابك الخاص! بمعنى، أضحت ظاهرة التدريس الخصوصي ظاهرة مُصادق عليها، بشكل غير مباشر، من قبل المجتمع والمعنيين بالأمر. ويومًا بعد يوم تستسلم بعض الملاكات التدريسية لإغراء التدريس الخصوصي، والأرقام المحفزّة التي تدفعها بعض العوائل لقاء نجاح أبنائهم، وتخليصهم من "منيّة" التدريس الحكومي.

بلد ثري مثل العراق لا زالت تتذرع السلطة الحاكمة فيه بعجز الحكومة من استيعاب التعليم بشكل يرتقي به إلى مصاف البلدان ذات التعليم المتوسط على الأقل

ليس هذا فحسب، بل ثمّة ظاهرة أخرى تنتشر كما النار في الهشيم، وهي ظاهرة رياض الأطفال، والمدارس، الأهلية والكليات. ولا يخلو زقاق من أزقّة بغداد أو شارع ضيّق من بيت مُستأجر لروضة أو مدرسة ابتدائية أو ثانوية أو كلية. فليس مهمًا أن يتمتع الأطفال بمساحة واسعة للاستمتاع واللعب، وإنما المهم هو أن تدفع العائلة لضمان النجاح الأكيد لأطفالهم. أما الكليات فيكفي بناية عمودية خالية من أي تصميم يوحي بصرح تعليمي، فستجد عشرات الطلاب يتراصفون كقطع الدومينو في أماكن ضيّقة. ويمكنك التجوّل في بغداد لتشاهد عشرات الكليات المنتشرة بالشوارع والمكتضة بالطلاب الذي ينتظرهم مستقبل مضمون (كأطبّاء الأسنان مثلًا!). فمنذ سبعة عشر عامًا لا زالت البنية التحتية معضلة كبيرة تواجه هذه السلطة التي فشلت في كل شيء سوى نهب ثروة البلد.

اقرأ/ي أيضًا: هل ينجح التعليم الإلكتروني في العراق؟

بلد ثري مثل العراق لا زالت تتذرع السلطة الحاكمة فيه بعجز الحكومة من استيعاب التعليم بشكل يرتقي به إلى مصاف البلدان ذات التعليم المتوسط على الأقل. ولا يعني هذا أن الدولة قد رفعت يدها كليًا عن مجانية التعليم، لكن نظرة سريعة إلى حال التعليم في العراق سيصل المرء إلى نتيجة مفادها: التعليم الأهلي خير من التعليم الحكومي، نظرًا للضغط الشديد التي تعانيه المدراس الحكومية من جهة، وتساوي الكلفة المالية بين الحكومي والأهلي! فما تنفقه العائلة على أبنائها في التعليم الحكومي يؤهلها للانضمام في مدارس التعليم الأهلي. فلو فرضنا أن العائلة الواحدة تنفق على أحد ابنائها مائة ألف دينار على الأقل للتدريس الخصوصي، فمن باب أولى أن تدخّر هذا المبلغ للقسط الشهري في المدارس الأهلية. أي ما يقارب ألف دولار في السنة تنفقه العائلة العراقية على تأهيل أحد أبنائها في مرحلة الابتدائية لقاء التدريس الخصوصي. ولك أن تخمّن مقدار الإنفاق الذي تستهلكه العائلة لمرحلة المتوسطة والثانوية على أحد أبنائها.

 ولا ندري إن كان هذا الإهمال والتقصير متعمّد أم يترجم الإمكانيات الإدارية والعلمية لهذه السلطة التي فشلت في تقديم أبسط نموذج. وربما لا يوجد فرد واحد من عوائل السياسيين تغامر عائلته بوضعه في أحد المدارس الحكومية. لأننا اعتدنا في مشرقنا العربي على هذه الحقيقة: سلوك السلطة وتطلّعاتها في عالم، وواقعنا الاجتماعي في عالم آخر. كما لو أننا مخلوقين من أجل رفاهية السلطة. إن السلطة في هذه البقعة العجيبة تجري بالضد من السنن التاريخية؛ فبينما تعمل السلطة على رفاهية الشعب وسعادته، نجد الأمر مقلوبًا هنا، ذلك أن الشعب من يعمل على رفاهية السلطة. فينبغي أن يصادق الشعب بكل طيبة خاطر على فضائع السلطة وفسادها وإفسادها، وينبغي على الشعب أن يسهر على راحتها. لذلك نجد العوائل العراقية وصلت إلى مرحلة  من اليأس أن ترضى بظاهرة التدريس الخصوصي والمدارس الأهلية، حتى لو كان دخلها الشهري لا يساعدها على ذلك. أكثر من ذلك، لقد تحولت البيوت العراقية إلى مدارس مصغّرة، وأصبح التعليم عبئًا ثقيلًا على الأمهات خصوصًا، كما لو أن رسوم الكهرباء الأهلية لا تكفي، فلابد من إضافة عبء آخر على كاهل العائلة العراقية وهو رسوم التدريس الخصوصي، وظهور فئة اجتماعية جديدة مترفة في المجتمع العراقي من بعض الملاكات التدريسية، حصرت مواهبها التربوية في بيوتها، والنجاح لمن يدفع.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التعليم الإلكتروني وتدابير إنقاذ العام الدراسي

بلد المحاكاة المُشوَّهَة