بين التشتت والقانون والبذخ غير المسبوق.. ما أسباب خسارة "المدنيين والتشرينيين" في انتخابات 2025؟
13 نوفمبر 2025
مع إعلان المفوضية العليا للانتخابات النيابية في العراق، النتائج الأولية للاقتراع الذي جرى يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني/نوفمبر لاختيار أعضاء البرلمان في الدورة السادسة، تفاجأت القوى المدنية والاحتجاجية "التشرينية" بخسارة ساحقة، دون الحصول على أي مقعد، حيث لم ينجح تحالف البديل الذي يجمع الحزب الشيوعي مع أحزاب ناشئة وحركات منبثقة من احتجاجات تشرين 2019، وكذلك التحالف المدني الديمقراطي.
وسبق أن نشر "ألترا عراق" النتائج الكاملة للاقتراع النيابي الذي تصدر فيه الائتلاف الذي يقوده رئيس الحكومة محمد شياع السوداني في ثماني محافظات هي: بغداد، والنجف، والقادسية، وكربلاء، والمثنى، وميسان، وذي قار، وبابل.
ومن القوائم التي تصدرت أيضًا أو حصلت على المراتب الأولى في محافظات عدة: ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وحركة "صادقون" برئاسة قيس الخزعلي وحزب "تقدم" برئاسة محمد الحلبوسي، فضلًا عن تصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في نينوى ومعظم مدن إقليم كردستان.
في جانب القوى التقليدية والإسلامية هناك من يرى الفشل بفرض شخصية النواب المستقلين على صقور العملية السياسية "بسبب غياب جماهير الاحتجاج مثل تشرين وأيضًا غياب جماهير النواب المستقلين والليبرالية والمدنية".
أما القوى الاحتجاجية وكتّابها وناشطوها، فكانت آراؤهم متباينة إلى حد ما، لكنها تُجمع على مسألة السلاح والمال السياسي والتشظي كعوامل أساسية لخسارة الانتخابات.
الحزب الشيوعي: تشتت وبذخ غير مسبوق
يمكن قراءة ما جرى على مستويين متداخلين. ذلك رأي ياسر السالم، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، بما يخص خسارة المدنيين.
- على المستوى الذاتي، دخلت القوى المدنية السباق في تشتت واضح بالتحالفات، ما أدى إلى تبديد أصوات جمهورها وتجريدها من القدرة التنافسية. يضاف إلى ذلك حالة المقاطعة الواسعة داخل الأوساط المدنية، حيث دفعت سنوات الإحباط وفقدان الثقة بجدوى التغيير كثيرين إلى العزوف عن المشاركة، وهو ما انعكس مباشرة على النتائج.
- أما على المستوى الموضوعي، فقد تحركت هذه الانتخابات في بيئة غير متكافئة على الإطلاق. المال السياسي كان العامل الأكثر حضورًا، والحملات الانتخابية تحولت إلى سباق بذخ غير مسبوق، في مقابل محدودية إمكانات القوى المدنية. الأخطر من ذلك أن المشهد السياسي أعاد إنتاج الوجوه والقوى ذاتها التي ارتبطت بالفشل والفساد، لتجد القوى التقليدية نفسها أمام طريق مفتوح يعزز نفوذها ويضعف فرص أي بديل مدني.
وفي هذا السياق، وفق حديث السالم لـ"ألترا عراق"، "لم تكن خسارة القوى المدنية مجرد نتيجة لخلل ذاتي، بل نتاج تراكب عوامل بنيوية وموضوعية جعلت المنافسة غير عادلة منذ البداية".
شراء الأصوات والقانون
الأكاديمي والمحلل السياسي، عقيل عباس، يرى إن ما حصل من خسارة المدنيين والتشرينيين في الانتخابات هو ليس بسبب ضعفهم وتقصيرهم في الأشياء التي يستطيعونها بل بسبب قوة الإسلاميين وعمليات الشراء الواسعة للأصوات.
وأوضح في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "الكثير من الجهات شخصت عمليات شراء أصوات انتخابية غير مسبوقة أمام المراكز الانتخابية، ولذلك فهذه الانتخابات لم تكن بخصوص الأفكار والبرامج بل لصالح من يستطيع الانفاق على شراء أصوات الناخبين، وهذا ما أعطى الإطار التنسيقي أعدادًا كبيرة ومكاتبهم قد عملت على خطط معينة".
وأشار عباس إلى أن "قانون الانتخابات قد أصاغته قوى الإطار لصالحها وغيروه بالشكل الذي يستثمرونه بشكل جيد إضافة لجهد الإنفاق الواسع"، مبينًا أن "هذه الانتخابات ليس لها دلالة فكرية وآيديولوجية وسياسية، أي أنها تشير إلى ترجيح طريقة تفكير سياسية بل إلى زبائنية واضحة ومن يدفع أكثر سيصل إلى الناخبين بشكل أوسع وأفضل ليحصل على المقاعد وهذا بالذات هو أكثر شيء اشتغل عليه اللإطار التنسيقي والإسلاميون".
سبب يعود إلى 2021
الكاتب فارس حرام، كان له رأي مخالف عن زملائه في تحليل سباب خسارة المدنيين والتشرينيين. وقال إن، "الأخطاء الكبرى تولد ارتدادات على مدى سنوات لاحقة، وقد كان الخطأ الأول لتشرين هو ما حدث في انتخابات 2021 عندما قبلت العودة لأحضان النظام السياسيّ بعد أن تمرّدت عليه".
وأوضح في حديث لـ"ألترا عراق"، أنه "كان هم تشرين الأول هو إعادة الدولة إلى الجادة، وكانت الانتخابات الهدف الأساسي لهدا العمل، وعندما كان النظام السياسيّ يصرّ على إبقاء هذه الوسيلة ضمن شروطه هو (أي عدم تطبيق قانون الأحزاب الذي يستبعد القوى المسلحة وقوى المال المشبوه من العمل السياسيّ والانتخابات)، فإن مهمة تشرين كانت في وقتها أن تصرّ على إصلاح الانتخابات قبل المشاركة فيها، وكشف هذا الخداع، ورفض التهاون فيه، يعني عمليًا: كان عليها أن ترفض المشاركة إلى أن يتم تطبيق قانون الأحزاب".
وأضاف: "ولأنّ الناس غير صبورين في العادة (وهذا خلاف النضال السياسيّ الحقيقي)، فقد أصرّ بعضهم على تأسيس أحزاب ودخول انتخابات 2021 تحت شروط قوى السلطة وليست شروط تشرين. فكان ما حدث".
وتابع: "مزّق علاء الركابي وحركة امتداد ثيابهم من أجل المشاركة في اللعبة، وكان هذا موقف سجاد سالم في الكوت، ومحمد عنوز في النجف، وآخرين في محافظات مختلفة. ولم يستمعوا لنصائح كثير من المحتجين وقرّروا المقامرة بمستقبل حركة احتجاجية مليونية من أجل عضوية مجلس نواب لا يقدم و لا يؤخر أمام المسدس والكلاشينكوف".
وبيّن حرّام أنه "كان ما حصل بعدها أن (التشرينيين) ما إن دخلوا البرلمان حتى عرفوا (أحضان النظام السياسيّ) على حقيقتها. أنت نائب؟ تمام روح استلم راتبك وجوازك الدبلوماسي واقعد هناك. سولف بالإعلام براحتك، بس إذا حوّلت كلامك إلى (إجراءات على الأرض) فتعذرنا".
وأضاف: "حتى سجاد سالم الذي نعتبره (الصديق الأوفى) لمبادئ تشرين لم يجرؤ على تقديم طلب رسميّ إلى مفوضية الانتخابات أو المحكمة الاتحادية لمنع القوى المسلحة من المشاركة في الانتخابات تطبيقًا لقانون الأحزاب، بخلاف صوته العالي في الإعلام، فكان يحاربها في الفضاء بينما تركها على الأرض تأكل من أصواته وأصوات أقرانه في كلّ انتخابات. بالنتيجة: لم يستطع أي نائب عن تشرين أن يفعل شيئاً وهو في أحضان النظام السياسيّ".
وأردف بالقول: "ولعلّ من علامات الفشل المبكرة آنذاك أن قائمة امتداد الانتخابية قد جرى تشكيلها بسنة 2021 باستخدام النخوة والفزعة والتليفونات، من دون أي فترة كافية لبناء الثقة والعمل السياسيّ المشترك (وهذه طبعًا مشكلة كلّ الأحزاب الجديدة بعد تشرين). والنتيجة: ناس يعوفوك بأول منعطف. وهذا ما حدث بعد أسابيع فقط من دخول البرلمان، حين تفتتت امتداد بين الكتل، واستمر التفتّت حتى شاهدناه الآن بشكله الفاضح بترشيح أعضاء الحركة في قوائم خصوم تشرين نفسها".
وأشار إلى أنه "قلناها منذ انتخابات 2021 و2023 والآن نعيدها في انتخابات 2025، وكلّ انتخابات قادمة: النضال الحقيقي للقوى الاحتجاجية والمدنية (بعد انتفاضة تشرين) ليس في المشاركة في الانتخابات، وإنما في إصلاح الانتخابات.
وقلنا: أي مشروع تغيير حقيقي لا ينطلق من هذه الحقيقة فهو عبارة عن وهم وكذب على النفس".
لا تماس مع العمل ولا تأثير
المحلل السياسي غازي فيصل، رأى أن "سبب فشل التيار المدني بسبب عدم وجود تماس مباشر بين التحالف المدني مع مجريات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المراحل السابقة، ولم يحقق حضورًا مؤثرًا في صناعة القرارات أو في إدارة الملفات الحيوية التي تمس حياة المواطن".
وأوضح في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "التيارات المدنية، رغم حصولها على أصوات جيدة في الانتخابات السابقة، لم تستطع أن تؤدي دورًا حاسمًا في قلب العملية السياسية أو التأثير في مخرجاتها الأساسية".
وأضاف أن حضورها داخل مجلس النواب أو في الحكومة أو ضمن منظمات المجتمع المدني ظل محدودًا نسبيًا". كما أن "خطاب التيار المدني يتمتع بمضمون فكري ومجتمعي جيد، إلا أن أدواته السياسية والتنظيمية ما زالت محدودة بالمقارنة مع القوى السياسية التقليدية مثل الإطار التنسيقي، والأحزاب السنية والكردية".
وبيّن فيصل، أن "أحزابًا مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تمتلك أدوات قوية وقدرات مؤسسية وتنظيمية، فضلًا عن تأثيرها الواسع في مجتمعاتها، الأمر الذي مكّنها من الإمساك بمفاصل السلطة واستخدامها في التأثير على الرأي العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة".
ولفت إلى وجود "مصالح واضحة تدفع بعض الأطراف إلى التسويق للأحزاب التقليدية الشيعية نظرًا لما تمتلكه من نفوذ وإمكانات، في حين لا توجد مصالح مماثلة في دعم أو الارتباط بالتيار المدني، ما يحد من قدرته على التوسع والتأثير".
9 أسباب "بنيوية"
بالنسبة للقيادي الشيوعي جاسم الحلفي، لا يمكن فهم ضعف القوى المدنية في انتخابات 2025 "بمعزل عن الدور المركزي الذي لعبته طغمة الحكم في تشكيل بيئة انتخابية مغلقة ومصممة لإعادة إنتاج ذاتها".
وبحسب الحلفي، "لم تكتف القوى المتنفذة بإدارة الدولة، بل أدارت شروط اللعبة السياسية نفسها، قانون انتخابي مفصل على مقاسها، مفوضية خاضعة للمحاصصة، سيطرة شبه كاملة على الإعلام، استخدام واسع للمال السياسي، وشبكات نفوذ واسعة تمتد من المؤسسات الرسمية إلى القواعد الزبائنية في المجتمع وكذلك النقابات والاتحادات والجمعيات، وصولًا إلى التصويت العسكري الموجه. هذه المنظومة أغلقت الطريق أمام أي منافسة عادلة، وقلصت هامش حركة القوى المدنية إلى حد المشاركة الرمزية"
وأوضح في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "أزمة المدنيين ليست خارجية بالكامل، فقد أسهم التشتت وضعف التنظيم وسوء اختيار المرشحين في تعميق هذا الانكفاء".
وسطّر الحلفي 9 نقاط "إلى جانب عوامل أخرى، تشكّل الأساس البنيوي لهذه الأزمة:
- تراجع تمثيل تشرين داخل البرلمان: نتائج انتخابات 2021 لم تُترجم إلى أداء سياسي فاعل. ممثلو تشرين لم يحافظوا على خطهم المعارض، وابتعدوا تدريجياً عن مبادئ الحراك، واندماج بعضهم مع القوى المتنفذة شكل صدمة لجمهورهم. هذا التراجع عمق أزمة الثقة بالتجربة البرلمانية للمدنيين وأثر مباشرة في حجم أصواتهم في انتخابات 2025.
- عدم تطبيق قانون الأحزاب، الذي يمنع صراحة مشاركة القوى ذات الأجنحة المسلحة، أفقد العملية الانتخابية شرطها الأساسي في المنافسة الحرة وخلق بيئة ضغط غير مباشرة على الناخب والمرشح معًا. وجود السلاح خارج إطار الدولة منح تلك القوى نفوذًا مضاعفًا، في حين وجدت القوى المدنية نفسها بلا قدرة على مواجهة هذا النفوذ.
- التشتت الانتخابي للقوى المدنية: دخلت القوى المدنية الانتخابات مشتتة عبر قوائم صغيرة ومتفرقة، رغم علمها بأن القانون الانتخابي المعدل (سانت ليغو) صيغ لقتل القوائم الضعيفة. هذا التوزع شتت الأصوات المدنية ورفع رصيد الكتل الكبيرة، وأظهر القوى المدنية كأطراف بلا مركز سياسي موحد، وغير قادرة على تشكيل بديل حقيقي.
- سوء اختيار المرشحين: اعتمدت القوائم المدنية على مرشحين بلا حضور اجتماعي أو قاعدة شعبية، وظهر مرشحون حصلوا على أصوات قليلة جدًا، ومنهم من حصل على صوته فقط، ما كشف غياب آليات اختيار جدية داخل هذه القوى، وضعف القدرة على استقطاب الشخصيات الاعتبارية المؤثرة.
- أداء انتخابي غير فعّال اعتمد على أساليب تقليدية، وضعف في الوصول المباشر إلى المواطنين، مع تنافس داخل البيئة الاجتماعية نفسها، وغياب خطاب إعلامي قادر على مواجهة طغمة الحكم أو كشف مسؤوليتها عن الأزمات.
- جمهور مدني مقاطع بطبيعته وأكثر قناعة بالمقاطعة: الجمهور المدني، صاحب الحساسية العالية تجاه العدالة والمنافسة المتكافئة، رأى الانتخابات مسارًا لإعادة إنتاج السلطة لا لتغييرها.
- حبّ الظهور والتزعم، وما رافقه من أنانية وتدافع على القيادة داخل القوى المدنية، أضعف فاعليتها الانتخابية بشكل واضح.
- هيمنة السلاح، المال السياسي، التأجيج الطائفي، الإعلام الموجه، وغياب تطبيق قانون الأحزاب دفعت هذا الجمهور إلى المقاطعة بوصفها موقفًا واعيًا، لا عزوفًا عرضيًا.
- أزمة بنيوية داخل القوى المدنية: ضعف التمويل، غياب التنظيم، افتقار الهياكل القيادية، غياب مشروع سياسي مستدام، وانعدام القدرة على مواجهة ماكينة السلطة، كلها عناصر جعلت القوى المدنية عاجزة عن تحويل المزاج الشعبي الناقم إلى قوة انتخابية. وقد واجهت هذه القوى أحزابًا تمتلك الدولة، مواردها، إعلامها، وسلاحها.
وأضاف الحلفي: "بكلمة أخيرة، أزمة القوى المدنية هي حصيلة تداخل عاملين رئيسيين:
- أولًا: منظومة سياسية متنفذة أغلقت البيئة الانتخابية، وقصرت المنافسة على القوى الحاكمة، وأعادت إنتاج حكم الطغمة بكل أدواتها.
- ثانيًا: قصور داخلي في القوى المدنية تمثل في التشتت، وسوء الترشيح، وضعف التنظيم، مما أعاق قدرتها على تحويل الرفض الشعبي إلى تمثيل سياسي.
وهكذا انتهت انتخابات 2025 إلى غياب شبه كامل للصوت المدني، مقابل نظام يزداد ابتعادًا عن المجتمع وتزداد شرعيته هشاشة"، حسب الحلفي.
الكلمات المفتاحية

منصب رئيس الجمهورية.. خلافات "البارتي" و"اليكتي" مستمرة وتمنع حصول موقف كردي موحد
يجري قوباد طالباني سلسلة لقاءات في العاصمة بغداد منذ أيام

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة
أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

بدلًا من الروسية.. شركة "شيرفون" الأميركية تقترب من الاستحواذ على حقل عراقي
السوداني يبحث مع شركة "شيفرون" الأميركية ملف حقل القرنة 2

بسام رؤوف: الروح عادت لمنتخب العراق ويجب أن "يذهب أكثر".. والأزمة في الظهير الأيمن
العراق يواجه الجزائر في قمة الجولة الثالثة من كأس العرب ومخاوف من غيابات




