بين

بين "الفساد" والضغط الدولي.. هل تستطيع الحكومة إلغاء البطاقة التموينية؟

يؤكد مختصون وجود توجهات نحو إلغاء البطاقة التموينية بشكل تدريجي

الترا عراق - فريق التحرير

كانت ولازالت الحصة التموينية شاهدًا على ما مر على العراقيين ولازال يلاحقهم من جور وحرمان، فمن الحصار والعوز الذي خلفته السياسة الهوجاء للنظام السابق إلى حكومات المحاصصة، مرت الحصة التموينية بمراحل متعددة من مراحل الفساد لتقتصر أخيرًا على عدة مواد لا تذكر تسلم كل شهر مقابل أموال طائلة تخصص لها سنويًا، في وقت لا تزال الكثير من الأسر تعتمد بشكل كبير عليها لسد رمقها.

مرت الحصة التموينية بمراحل متعددة من مراحل الفساد لتقتصر أخيرًا على عدة مواد لا تذكر تسلم كل شهر للمواطنين مقابل أموال طائلة تخصص لها سنويًا

وعود كثيرة قدمها النظام السياسي الجديد بشأن الحصة التموينية، آخرها عندما استضاف البرلمان رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وتعهد الأخير بـ "معالجة" ملفات فساد من بينها ملف فساد البطاقة التموينية. لكن الجهة المعنية (وزارة التجارة) تؤكد أن "الفساد بات جزءًا من الماضي" فيما يتعلق بالبطاقة التموينية.

اقرأ/ي أيضًا: مجلس الوزراء يشعل سخرية فيسبوك بـ "نص كيلو عدس" ويهرب!

يقول محمد حنون الناطق الرسمي باسم الوزارة في حديث لـ "الترا عراق"، إن "عبد المهدي يتحدث عن ملفات فساد لا وجود لها، حيث هنالك جهات رقابية تتابع جميع التعاقدات التي تديرها الوزارة"، عادًا أن "ملف فساد البطاقة التموينية قد انتهى تمامًا منذ ثلاث سنوات مضت، فاليوم البطاقة التموينية تعتمد بنسبة 80 -90 % على المنتج الوطني من خلال معامل القطاع الخاص العراقي، فضلًا عن التعاقدات مع الشركات العالمية بأسعار ضمن البورصة العالمية".

أضاف حنون، أن "الملفات السابقة أحيلت إلى القضاء، وتم إصدار حكم قضائي بحق عدد من المذنبين في قضايا تتعلق بالفساد وقضايا تتعلق بالمال العام، والاستغلال الوظيفي، أما اليوم فالموضوع يتسم بالشفافية والواقعية والانسيابية بعيدًا عن الفائدة والمصلحة الشخصية، كون هنالك جهات رقابية تدقق بشكل مكثف على جميع تعاقدات هذه الوزارة".

عروض من القطاع الخاص

من جانبه يشير مدير تجارة بغداد جعفر الحمداني، إلى ضرورة منح الملف للقطاع الخاص، لقدرته على تنفيذ هذا المشروع الحيوي المتعلق بقوت المواطنين.

يقول الحمداني لـ "الترا عراق"، إن "غرفته اقترحت على الحكومات السابقة والحالية كذلك، التعاقد مع إحدى القطاعات العراقية الخاصة وبإشراف من غرفة تجارة بغداد، لقديم وجبة غذاء متكاملة للمواطنين، هي عبارة عن صندوق يحتوي على عدة مواد أساسية يحتاجها المواطن، إضافة إلى بعض المواد الجديدة للبطاقة"، لكن الاقتراح لم يلقى أي رد أو اهتمام من الحكومة حتى الآن، بحسب الحمداني، والذي كشف عن عروض من تجار وشركات مهمة لها علاقات تجارية واسعة مع شركات عالمية لتنفيذ هذا المشروع، بانتظار قرار الحكومة ووزارة التجارة.

قدمت شركات قطاع خاص عروضًا لتولي ملف البطاقة التموينية لكن الحكومة لم تتفاعل معها حتى الآن في ظل مخاوف من سيطرة تجار على السوق في حال إلغائها

كما عبر الحمداني، عن قلق من نية وزارة التجارة للتعاقد مع شركات "جشعة وفاسدة وغير رصينة" من خلال مناقصات لتوفير مواد البطاقة التموينية، مؤكدًا أن "غرفة تجارة بغداد مؤسسة مهمة تعنى بالقطاع الخاص، ولها دراية ومعرفة بالشركات العالمية، وممكن أن تؤدي رسالتها في مشروع البطاقة التموينية إذا ما كلفت بالملف أو تم التعاقد من خلالها مع شركات عراقية رصينة".

ضغوط دولية!

بالمقابل، رأى مختصون أن خفض الدعم الحكومي للبطاقة التموينية يعود إلى ضغوط من قبل البنك الدولي، حيث أكد الناشط المهتم بالشؤون الاقتصادية فؤاد محمد، في تصريح صحفي لوسائل اعلام، أن "تخصيصات البطاقة التموينية في الموازنة بدأت بالتراجع منذ عام 2005"، مشيرًا إلى وجود "توجهات نحو إلغاء البطاقة التموينية بشكل تدريجي".

يأتي ذلك بعد حجب البطاقة التموينية عن عدد كبير من الأسر، التي تضم شخصًا يتقاضى راتبًا يفوق مليون و500 ألف دينار، كما يؤكد الوكيل المعتمد لتوزيع مواد البطاقة التموينية سمير صبيح، مشيرًا إلى أن "مفردات البطاقة التموينية تراجعت وأصبحت مقتصرة على الرز والسكّر وزيت الطعام فقط".

محاولات خجولة.. وتحذيرات

كانت وزارة التجارة أعلنت، في 28 آيار/مايو 2019،  افتتاح المشروع التجريبي للبطاقة التموينية الإلكترونية في بغداد. وقال الوزير محمد هاشم العاني، خلال افتتاحه المشروع في تصريح لعدد من وسائل الاعلام ان "مشروع البطاقة الذكية يوقف هدر المال العام ويكشف حالات التحايل والتلاعب".

وتثير تسريبات إلغاء البطاقة التموينية مخاوف من سيطرة تجار على السوق ورفع حجم الاستيراد لصالح دور مجاورة، كما تقول عضو اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس محافظة بغداد، نوال الأعرجي لـ "الترا عراق"، مؤكدة أن "مجلس المحافظة يصر على استمرار وجود البطاقة التموينية بموادها العشرة كما كانت سابقًا".

توضح الأعرجي، أن "الاعتراضات نابعة من مخاوف من استيلاء بعض التجار على الأسواق والإثراء عبر استغلال المواطن العراقي"، مشيرةً إلى أن "الهدف من دعوات إلغاء البطاقة التموينية وتقليص عددها، توجيه المواطن لشراء منتجات معينة من الأسواق من بعض التجار حصرًا، ما يعني رفع أسعار تلك المواد في ظل قرارات منع الاستراد".

اقرأ/ي أيضًا: وعود بمواد غذائية جديدة.. لماذا "تقلصت" مفردات البطاقة التموينية؟

كما أكدت الأعرجي، أن "مجلس محافظة لا يؤيد مقترح إلغاء البطاقة التموينية، أو تقديم بديل نقدي لها، كونه سيفتح بابًا جديدًا للعب بمقدرات المواطنين".

لكن إلغاء البطاقة يبدو أمرًا واقعًا بالنظر لوضع العراق، حيث يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى ضيف الله، أن "البلاد تتجه نحو السوق الحر (الرأسمالي)، وبما أن العراق اختار الأسواق الحرة، فإن صندوق النقد الدولي سيضغط على لإلغاء البطاقة التموينية، باعتبارها شكلًا من أشكال النظام الاشتراكي".

تشير تسريبات إلى ضغوط دولية على العراق لإلغاء البطاقة التموينية بعد اختياره الاتجاه نحو السوق الحر (الرأسمالية) 

يبين الخبير الاقتصادي، أن "أسباب عدم إلغاء البطاقة لغاية الآن هو اختلال مستويات المجتمع الثلاثة المتعارف عليها في العراق، حيث تغيب الطبقة المتوسطة، بوجود طبقتين فقط (أغنياء وفقراء)، ولا تستطيع الحكومة إلغائها نظرًا لوجود طبقة فقيرة كبيرة في البلاد".

يقول ضيف الله، إن "الاقتراحات تصب أغلبها في توزيع مبالغ نقدية بدل المواد التي توزع، حيث يبقى اختيار المواد يقع على عاتق المواطن وليس الدولة"، مضيفًا أن "فساد كل وزارة يعتمد على مورد ثابت يستفيد منه حزب من الأحزاب حسب المحاصصة المتبعة، والمورد الثابت في وزارة التجارة هو فساد البطاقة التموينية، ودونها تفقد الوزارة قيمتها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الاكتفاء" نذير "الكوارث".. القمح على خطى الطماطم والسمك!

قدرة العراقيين الشرائية.. من مغامرات صدّام إلى فقدان 790 مليار دولار!