تجمعُنا فُكاهةٌ سوداء

تجمعُنا فُكاهةٌ سوداء

ملايس داخلية على السياج الشائك الذي يطوق مبنى السراي، مقر رئيس الوزراء، في بيروت (Getty)

تعالت في الأسابيع القليلة الماضية، وبالتزامنِ مع تعالي أصواتِ المُحتجّين المنتفضينَ في كلٍّ من بغدادَ وبيروت، أصواتٌ أخرى تدعو للتمييزِ بينَ ما حدثَ في دولِ الربيع العربي في مطلعِ انتفاضاتِها قبل نحو خمس سنوات، وبين ما يحدثُ في كلا البلدين. وعلى الرغمِ من أنّ هذا التمايزَ يستحقّ التوقّف قليلًا، إلّا أنّهُ لا يُقدّمُ جديدًا يُذكر، فهو موجودٌ أصلًا بينَ مجتمعاتِ هذه الدولِ ذاتِ الخصوصيّاتِ المختلفة، عدا عن ذلك تبدو الفوارقُ هشّةً للغاية، إذ لا يغيّرُ وجود رؤوسٍ في السلطة هنا، ورأسٌ هناك، من معادلةٍ بسيطةٍ هي أنّ من في الشارعِ ذوو مطالبَ محقّة، وتستحقّ التظاهر من أجلها والمطالبة بها.

تعامل قوى الأمن الذي شهدناهُ في بيروت، لا يختلفُ كثيرًا عن تعامل قوى الأمن في سوريا مطلع الثورة

لكنّ بعض التفاصيل التي تردُ من سوريا ولبنان والعراق تساهمُ في كسرِ هذا الرأيِ، فتعامل السلطةِ وقوى الأمن الذي شهدناهُ في بيروت مثلًا لا يختلفُ كثيرًا عن تعامل قوى الأمن في سوريا مطلع الثورة، متظاهرونَ عزّل يواجَهون بالسحلِ والاعتقال والضرب والإهانة، صحفيّونَ يُلاحقون لتجريدهم من كاميراتهم، هذا على الأرض، أما على الأرصفة فثمّة من يتهمُ أولئكَ المُحتجّين اتهاماتٍ تبدأ من تعاطي المخدرات "أو أيّ شيءٍ من شأنِهِ أن يُذهِب العقل"، وتتعدى العمالةَ لدولٍ خليجية من شأنها تخريب لبنان والعبث بسلمه الأهلي، لتصل إلى العمالة لأمريكا وإسرائيل!

الذرائعُ لقمعِ المحتجين لم تختلف، لكنّ ربط ما يجري في العراق ولبنان بما جرى في بقية بلدان الربيع العربي، ليس مبنيًّا فقط على ردود فعل سلطات هذه الدول على الاحتجاجات المناهضة، والذرائع التي ساقتها وتسوقُها لقمعِ حركة الشباب. يُمكنُ القولُ إن المشهدية التي أحاطت بالتظاهرات في كلّ بلدٍ عربيّ اتّسمت بالتشابهِ الذي سهّل هذا الربط، المُحتجونَ أنفسهم كسروا تمايزات مجتمعاتهم وحاولوا تكرار الشعارات، ودماثة اللافتات، ليكتسبوا قوّة الإرادة المستمدة من شرعية أصواتِ أصدقائهم في بقية البلدان المنتفضة. فمنذُ أن صرخَ أحمد الحفناوي أثناء "ثورة الياسمين"، التونسية بعبارته الخالدة "هرمنا من أجلِ هذه اللحظة التاريخية"، تكادُ لا تخلو مظاهرةٌ احتجاجية في أي بلدٍ عربيّ منها. 

ذلك ينطبقُ أيضًا على خفّة دم اللافتات التي خطّها ويخطّها المحتجونَ في وقفاتِهم ومظاهراتهم، إذ اتسمت كلّ لافتات الربيع العربي بدماثة مدهشة، لكأنما الثورة فجّرت في الناس قدرتهم على الضحك، بعد أن ظل عزيزًا لعقودٍ طويلة في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية اللصوصية التي حكمتهم. نتذّكرُ اللافتة الأثيرة في مصر قُبيلَ سقوطِ مبارك التي تدعوهُ للرحيل "إرحل، الوليّة عايزة تِولِد، والعيّل مش عايز يشوفك!". أو تلك التي أعقبت سقوطه، والتي خاطبت الرئيسَ الجديد: "إسمع يا ريّس ياللي ما نِعرفكش: التمانين مليون مصري بقى عندهم نِمر بعض، واهي رنّة بس ... وانت عارف الباقي".

كما أن ما كتبهُ السوريون على "جدرانِ سراقب" و"لافتات كفرنبل" لم يخرج عن القاعدة السابقة، وقدم درساً للعالم في اتقانِ الفكاهةِ حتى تحت البراميل المتفجرة، مثلُ تلك السخرية المريرة التي خطّتها كفرنبل على واحدةٍ من لافتاتها "نطالب بتدخّل خارجيّ ... سافر!".

في بغداد، يرفع أحد المحتجين ورقةً لا تكفي لمطالبهِ الكثيرة، لذا يكتبَ عليها "أريد لافتة كبيرة!"

ورغمَ أنّ مآلات الثورات في كلّ من ليبيا ومصر والبحرين قدمت نموذجًا غير مشجّع لبقية البلدان، إلّا أنّ العطالة الحقيقية للثورات سببّها ما يجري في سوريا بشكل خاص، فالمأساة السورية والدموية غير المسبوقة التي رسمت سلوكَ نظام الأسد تجاه مناهضيه، وانفتاح الأرض السورية لتكون مسرحاً لمقاتلين من كلّ الأعراق، كل هذه الأشياء جعلت من أي محاولةٍ للانتفاضة في الجوار ضرباً من ضروب الجنون!

وهنا بالضبط يكمنُ منبع الأمل الذي بثّهُ الشبابُ في العراق ولبنان، حيثُ أنّ كلّ ما جرى لم يمنعهم من لحظةِ الانفجار المحقّة، فكانَ نزولُهم إلى الشوارع صدمةً حقيقيةً للمستبدّين وأنصارهم بالدرجة الأولى، وللمُتعبين المرهَقين واليائسين من أي تغيير بالدرجة الثانية.

وجرياً على عادةِ بدايات التظاهرات العربية عام 2011، اتسمَ الحراكُ في كلا البلدين باستلهامِ بعضِ الشعارات التي سبقته في دولٍ أخرى. وبالدماثةِ ذاتِها، وبالرغبةِ بتفجيرِ لحظات الغضب بشكلٍ فكاهيّ رفعَ المحتجونَ في كلا البلدين لافتاتهم، فرأينا في ساحة التحرير في بغداد أحد المحتجين يرفعُ ورقةً لا تكفي لمطالبهِ الكثيرة، فكتبَ عليها "أريد لافتة كبيرة!"، بينما كتبَ آخر يبدو أنّهُ من مشجعي نادي ريال مدريد الإسباني، لافتةً سوريالية فريدة تقول: "أكبر موقع إباحي، مجلس النواب العراقي. ألعن أبوكم لأبو برشلونة!!".

ولم تختلف الصورةُ في بيروت، حيثُ شهدت احتجاجات آب/ أغسطس المنصرم متظاهرين يرفعونَ لافتاتٍ خفيفة ظلّ، فكتبَ أحدهم يطالبُ بالسير أليكس فيرغسون، المدرب التاريخي لمانشستر يونايتد، لرئاسة الجمهورية. ورفعت صبيّة ما يختصرُ الاحتجاجاتِ كلّها على لافتةٍ تقول: "ما معي زبّط أسناني لعضّ عالجرح!".

قد لا يبدو العرضُ السابقُ كافيًا لربطِ ما يجري في لبنان والعراق بما جرى في بلدان الربيع العربي، وقد يحتاجُ الأمرُ لبحثٍ موسّع، ولكنّ المؤكدَ أنّ روحًا جديدة تولد لدى الشباب العربيّ، لا تجمعها شعارات فرضتها الأنظمة الشمولية القومية، بل يجمعها غضبٌ ينفجرُ على شكلِ فكاهةٍ سوداء... سوداء للغاية!

اقرأ/ي أيضا للكاتب: قرار الجماهير أن تصير "ألتراس"