ultracheck
رأي

تناقضات التنظيمات السياسية العميقة والسعي لتكرار الفاجعة

18 يوليو 2025
الدولة.jpg
علي يوسف
علي يوسف كاتب من العراق

تتعامل التَّنظيمات التي تُسيطر على السُّلطات العراقية العليا مع العالم الخارجيّ وبشكلٍ خاص مع الولايات المتحدة الأميركية بطريقةٍ أشبه بالخجل المُبَطَّن مِن تنظيماتٍ سلطويَّةٍ-بوليسيَّة أعلى وأعمق منها في مسألة كيفية تدبير وصياغة الإجراءات التي مِن اللازم على السُّلطات "الصوريَّة" تنفيذها بناءً على مشاوراتٍ واتِّفاقات باطنيَّة تجريها تلك "التَّنظيمات الغامضة" هي الأُخرى برفقةِ مُحَرِّكيها مِن جهةٍ ثانية بهدف صناعة عقل جمعي يحكمه الخضوع المطلق لسردية العمق العقائديّ-الزبائنيّ في آنٍ واحد إبّان السير بحذرٍ في هذه الطرق المتشابكة.

فمِن زاويةٍ، تتعامل وجوه هذه التَّنظيمات الرسمية الشكلية مع الولايات المتحدة الأميركية وأنظمة الاستكبار العالمي -حسب أدبياتهم- بوصفهم حلفاء، وتربطهم علاقات متميزة وشراكات مصيرية مهمة، وفي ذات الوقت تجاهر الطبقة الغامضة الأعمق بعدائها المستمر ومقاومتها الأزلية لنفس "الحلفاء" الذين يتمتعون بعلاقاتٍ جيّدة مع الأغلفة الظاهرية لهذا الغلاف الرماديّ مِن زاويةٍ أخرى. هذا الأمر الغريب والخجول من المصارحة أشبه بمَن "يَستجيب لرغبةٍ ثم يَرغبُ ولا يُستجاب له" لكن الأمور ليست بهذه البساطة لأن "الأخ الأكبر" يُراقبهم، وما من مصافحةٍ دائمة إلّا بأمره، أمّا الآن فليس هنالك من خطةٍ لإدامة هذا الزخم من الالتفافات والتحايل إلّا من خلال استمرار الضحك على الذقون. وعدوهم يعرف طبقاتهم التنظيمية وتَدَرُّجها وتلاعبها وهو أقرب الناس فهماً لهم، فهو كذلك يملك طبقاته مع اختلاف العمق العقائديّ-المصلحيّ. فهم يدعمون فكرة الحوار الشامل والشراكات الإِستراتيجيَّة مع الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى عندما يشعرون بأنَّ مصالح "وليِّهم وحافظ عروشهم" تقتضي عليهم فعل ذلك، وإلّا فالكثير من معارضيهم على أتم الجهوزية لشغل مناصبهم. ويصرخون بفكرة المقاومة الدوليَّة ضد "الاستكبار العالمي" بين الحين والآخر عندما يُحاولون كسب تعاطف وولاء "شعب الهويّات الفرعيَّة" لغرض تعزيز شرعيَّتهم التي يعتقدون بأنها قد تكون سببًا مباشرًا في تحقيق ما عجزوا عنه إبّان مكوثهم بعيدًا عن لبِّ النفوذ السياسي في بلادنا هذه على مدى القرون السابقة.

وفي الفترات القريبة الأخيرة، وتحديدًا بعد أحداث ثورة تشرين السلمية 2019م وما رافقها من مظاهر القتل الممنهج، التغييب القسريّ والتهجير الذي طال الكثير من أبناء الشعب العراقي بشكلٍ عام ورجال الوسط والجنوب بشكلٍ خاص، وكنتيجةٍ حتميَّةٍ لهذا الصراع حدثت فجوة كبيرة وأزمة "ولاء حقيقي للعراق" بين المنظومات القمعية وأبناء جلدتهم من المضطهدين الجدد في سبيلِ وطنٍ خالٍ من وباء التفنن والاحتراف بصناعةِ الطواغيت على اختلاف دوافعهم النفسيَّة. عالجت المنظومة غير الرسمية هذه الفجوة بخلق بدائل عنها -تأتمر بأمرها وتنفذ أجندتها- على هيئة شخصياتٍ تدّعي "الاستقلالية" في عملها السياسيّ، وهي في الحقيقة أشدُّ فتكًا برجال الرأي الوطني المناهض لهذه المنظومات الأخطبوطية، لأن هذه الشخصيات "الاستغلالية المتخفية برداء النزعة الاستقلالية" قد بدأت فعلاً باستخدام شعارات ومتبنيات ضحاياها من المعارضين للنهج التخريبيّ القائم بشكلٍ سيِّئ وغير صحيح، وهذا ما قد يُؤاخذ عليه هؤلاء المعارضون الذين تعرضوا للسرقة نتيجة عدم مواجهة وردع مثل هذا "المد الاستغلالي المزيف". بناءً على ذلك، فقد نجحت هذهِ "التنظيمات" بتوسيع رقعة نفوذها من خلال التسلل والسيطرة على الكثير ممن كانوا يُحسبون بشكلٍ أو بآخر بأنهم "الضد النوعي" لأحزاب الإسلام السياسيّ التي خلقت هذهِ التنظيمات. ولم يقف الأمر عند عمليات كسبهم فحسب، بل مارسوا بحقهم أشد عمليات المسخ الفكري وتشويه الحقائق الثابتة، ممّا أدى إلى استخدامهم كمطرقةٍ تحاول تحطيم أقلام وأدمغة رفاقهم القدامى الذين سبق وإن عانوا كثيرًا برفقتهم جرّاء سعيهم المستمر للتخلص من هيمنة القرار الأجنبي بشتّى أطرافه في أرض بلاد وادي الرافدين العظيمة وشعوبها. ساهم هذا الأمر بصناعة طبقات تنظيمية متناقضة ومشوهة جديدة، مهمتها تمزيق أمل الترابط الداخلي على نحوٍ لا يختلف كثيرًا عن مهمة "أسيادها" في ضرب آمال الدولة العراقية وحظوظها المصيرية في صنع مسارات جديدة في التنمية والإزدهار بعيدًا عن صراعات المحاور وتداعياتها المدمرة.

ما يدعو للاستياء والحسرة حقًا هو تمسك الكثير من زعماء الغباوة والسفاهة والسخافة بذات النهج الركيك الذي مارسوه بحقنا منذ أكثر من عقدين من الزمن، في الوقت الذي كان من المفترض أن يتعضوا من أخطاء الماضي القبيح، مِن خلال عدم البقاء في مستنقع الشّعارات اللحظية والاستسلام التام لما تقرره الدولة العميقة ذات النفس التبعي لما يُسمّى "العمق العقائدي" دون دراسة وتحليل دواعي ومتطلبات المرحلة. هل نجحَت أبواق الإسلام السياسي وتنظيماته ببناء العراق وتأمين مستقبله بعد أن تسلّمت السلطة في 2003م بمساعدة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من جهةٍ وإيران من جهة ثانية؟ كلا، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من قوقعة الشعارات الفارغة ودوّامة المظلومية الأزلية لهذه الطائفة وتلك. ما تراه أغلب فئات الشعب العراقي الآن هو أن جماعتنا حتى هذه اللحظة ما زالوا يقبعون في أبراجهم العاجية ويتكلمون بما لا يفهمون -من منطلق الدفاع عن الهويات الفرعية- التي حوّلوها مع كل الأسف لمفاهيم ساهمت بتعزيز المناطقية والطائفية مع غياب العبقرية الفكرية والسياسية التي تخصّ الدولة العراقية ومؤسساتها.

معظم القرارات المشبوهة وشبه المشبوهة التي يقوم زعماء التدليس وأُمراء التقافز على حبال "المحاور الدولية" بتمريرها بكلِّ مكوناتهم وهوياتهم الفرعية لا تهدف لمنفعةٍ شعبية عامة أبدًا. بل تهدف بشكلٍ أساسيّ لإنقاذ بعض شخوص "الضحك الفضائحي" الملطخة أيديهم بالفساد والدماء وتأخير زوالهم لبعض الوقت، بالإضافة إلى كسب ولاء مجاميع صغيرة زبائنية من خلال استفادتها مِن تلك القرارات. مِن جانبٍ آخر، إنَّ مسألة عدم وجود "معارضة حقيقية منظمة" في داخل مجلس النواب أو خارجه، وانتشار ظاهرة "النائب المستقل الضعيف" يؤدي لسيطرة الأحزاب والكتل الكبيرة على القرار داخل الغرف السرية التي تفوح منها رائحة المال السياسي الفاسد، وبالتالي يتم تمرير القرارات المصيرية بتخادمٍ قبيح جدًا بين هذهِ الجهة وتلك دون الاهتمام لصرخات الرفض، مع دفن القرارات التي مِن المفترض أن يتم إقرارها خدمةً للشَّعب بصورةٍ مطلقة. في نهاية المطاف، ستندثر هذه الحقبة الحقيرة، وسيبحث الظالم والفاسد عن حفرةٍ ليدفن نفسه بداخلها هربًا مِن غضب المظلوم، لكنه لن يفلح، فالعدالة ستتحقق وإن طال الزمن.

الكلمات المفتاحية

سبايكر

لماذا يجب أن نقرأ كتاب "مجزرة قصور صدام"؟

لماذا لم نتعامل مع هذه الإبادة كما فعل الغربيون مع "الهولوكوست"؟ هل أذهب بعيداً وأحلم بذلك؟


GettyImages-1178660121.jpg

عن تشرين وأحلامها و"توّابيها" وظلالها الحزبية

بعد مرور 7 سنوات على احتجاجات تشرين، ما زالت مطالب "القصاص" بحق القتلة لم تتحقق


GettyImages-1187072974.jpg

إذا كانت تشرين "فتنة".. فماذا يسمى القمع الوحشي والفساد الحزبي؟

سقطت فرضية "الطرف الثالث المجهول" الذي قمع المنتفضين


GettyImages-56623235_0.jpg

سيكولوجية النائب الخاسر

بعض الخاسرين انتخابيًا يتعاملون مع الانتخابات وكأنها محطة مؤقتة في مسار طويل

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

كابينة الزيدي
أخبار

الوزراء الجدد والنواب.. أول تعليقات للمسؤولين الذين صوت عليهم البرلمان مؤخرًا

قال محسن المندلاوي إنه سيعمل من دون تقاضي أي راتب أو تخصيصات مالية


إكمال كابينة الزيدي
أخبار

وزارات مستحدثة ونواب لرئيس الوزراء.. البرلمان يكمل التصويت على كابينة الزيدي

ليث الخزعلي نائبًا للزيدي وياسر صخيل وزيرًا للداخلية

مصرف التنمية الدولي
اقتصاد

بسبب إيران و"الميليشيات" العراقية.. عقوبات أميركية جديدة تطال "مصرف التنمية الدولي"

قالت الخزانة الأميركية إنّ مصرف التنمية الدولي يحافظ على علاقات مع كيانات الحكومة الإيرانية والميليشيات التابعة لإيران

الأكثر قراءة

1
مجتمع

"ضغط كبير" على المجموعة الطبية.. قبول قرابة ربع مليون طالب في الجامعات الحكومية


2
أخبار

قبل جلسة التصويت: تأجيل وزارتين واستحداث 3 ومرشح غامض


3
أخبار

الخميس موعدًا لاستكمال كابينة الزيدي مع نواب الرئيس


4
أخبار

الحكومة العراقية تستنكر "الاعتداء" على مطار الملك خالد في الرياض


5
أخبار

"جهة مسلحة" اختطفت مسؤولين حكوميين.. العثور على أسلحة وأعتدة في دار عبادة