ثقافة السلطة تحت مطرقة الاحتجاج

ثقافة السلطة تحت مطرقة الاحتجاج

من احتجاجات العراق الأخيرة (Getty)

نحو معارضة نقدية

ثمة جدل حامٍ ولو كان ملتبسًا وغير واضح، إلا أن ذلك هو مبرره بالأساس، لأن منطقة الاشتباك ضرورية الوقوع بقدر ما هي خطيرة المآلات والنتائج، حيث الصراع بين الثقافة السلطوية والثقافة النقدية، أعني تلك الصفتين من حيث الموقع الرؤيوي الذي يتعاطى مع مجريات الواقع، وما يجعل ذلك ضروريًا هو الأحداث، أي التحديات الكبرى التي تبحث عن أشكال جديدة تعبر عن وعي اللحظة، والتي لا تستطيع الثقافة السالفة استيعابها مطلقًا. ما هي الثقافة السلطوية بالتحديد؟ وكيف تتبدى بأشكالها الظاهرة والخفية؟ ما هي أسبابها وبمن تتمثل تحديدًا؟

تحتكم الثقافة السلطوية إلى منظور يبقي على الوضع القائم، ذلك الوضع الذي تفضله السلطة، أي سلطة كانت

هذا الجدل الحامي هو مخاض الولادة، الولادة الفعلية بالطبع، بعيدًا عن التحضيرات النظرية المؤهلة والممهدة لهذا الفعل الواقعي، حيث الوعي فعل أكثر مما هو إنشاء وهيام نظري، وإلا، كان "مثقفو السلطة" أليق بنظرياتهم المتطاولة في ادعاءات النزاهة والشرف والحقيقة والإنسانية، إنما نحن بصدد شحذ النظر بأفق الواقع فيتجسد كائنًا ملموسًا أسمه الوعي بمفاعيله المؤثرة والخالقة حتمًا.

اقرأ/ي أيضًا: خطاب "الخوف" والقطيعة

مثقف السلطة ليس السياسي، وليس الذي يشتغل عند السلطة الحكومية، وليس فقط الذي تشتريه السلطة لصالحها، بهداياها وعطاياها اللامتناهية، وليس الذي يخاف على مصلحته كأن تكون وظيفته أو مكانته فحسب، بل هو أكثر من ذلك بكثير، حيث مثقف السلطة هو ذلك الذي لا يرى إلا ما تراه السلطة، يتبدى ذلك عند شريحة المشتغلين بالثقافة بمختلف مستوياتهم ومجالاتهم، كما يتبدى على مستوى صانعي الرأي العام من مدونين وناشطين وإعلاميين وحتى الجمهور.

تحتكم الثقافة السلطوية إلى منظور يبقي على الوضع القائم، ذلك الوضع الذي تفضله السلطة، أي سلطة كانت، ومن هنا حاجتها لنوع من الثقافة تعززها في قناعة الجمهور، وتخلق حاجز صد يمنع عنها النقد لتتصالب باستمرار مرعب مع مرور الوقت. حيث السلطة تفعل وتكافئ، والثقافة تبرر، تلك هي المعادلة في تناقض مع المنظور الثوري الذي هو الآخر "سلطة مؤجلة" ليس أكثر.

كل سلطة لا تتبع الحقيقة، أداتها "العنف" المبرر بالثقافة التي تصنعها وتدعمها، إنما القيم الإنسانية ليس إلا شعار تتمسك به في تقوية شوكتها، وتلك هي عادة كل سلطة، فلا غرابة. ومن هنا خطورة تأثير الثقافة السلطوية، وهنا وجه ضرورة ثقافة المعارضة، المتمثلة بمنظمات المجتمع المدني وتجمعات المثقفين النقديين، الذي يحيدون من شر السلطة المتطاول ويكشفون عن أساليب الخداع وآليات الشعبوية بحق الجمهور.

أذًا، الثقافة السلطوية تتمظهر بدواعٍ متنوعة، وتبعًا لها بأشكال متنوعة، وعلى شرائح متنوعة كذلك، كأن تكون الدواعي مصلحة، خوف أو مكافأة، طمع، أو قصر نظر، أو جهل، والأشكال ظاهرة أو خفية، في الوعي الرقابي للسياسة أو مجالات الثقافة المتنوعة، حيث السكوت أو الدفاع أو اللا أبالية أو "مسك العصا من الوسط" أو أو الخ.. ومستويات التجلي هي كما بينا، تكون على صعيد شرائح المثقفين المؤثرين والمدونين والإعلاميين والجمهور.. الخ.

مخرجات الثقافة السلطوية هي الأحادية في النظر طبعا، حيث الوضوح لديها ليس أداة تنوير وكشف، بل نفق تعمية وتضليل، فتجد الفذلكات اللغوية والمواضيع الهامشية والأساليب المستبدة واللغة الثنائية القاتلة، وأحكام القيمة المستشرية، وهذا ما هو واضح أمامنا من سلوكيات جلد الذات المجتمعية والمقارنة الساذجة بين ما لا يقارن، ولننظر إلى مثقفينا، كيف يضعون المشكلة في الشعب والمجتمع أكثر مما هي في الدولة، وتجد أشد تلك الخطابات ألمًا وكسرًا للظهر أي محاولة تصحيحية، عند التحديات المهمة، التي لا تحدث في السنة إلا مرة.

هناك من يركز على إلقاء اللائمة في الفساد على سلوكيات المواطنين، معززًا بمقارنة مجحفة مع المواطن الأوروبي، وكأن الأخير ليس حصيلة لسياقات سياسية واجتماعية وتاريخية كبرى

وها نحن الآن في خضم الفعل الاحتجاجي العراقي، نواصل جذوة الأمل برمق من حياة المعارضة، نقاوم السلطة بالصدور وثقافتها بالعقول، بعد كل هذا الدمار الذي لحق بنا، وبعد كل هذا الثمن الذي دفعناه وسندفعه حتمًا. ولا يسعك التحرك قليلًا إلا وشبح السلطة في تبدياتها الثقافية تطاردك، وتحاصرك وتقض عليك أملك الذي لا غيره لديك الآن، ولأضع الآن سردًا مختصرًا لبعض معطيات ثقافة السلطة في عراق الاحتجاجات:

  • التركيز فقط، وبطريقة حدسية طبعًا، على نظرية المؤامرة، حيث هاجس الخوف من الآخر المهدد لا ينفك عنهم مطلقًا، وتلك من مخرجات النظرة الأحادية للواقع، إذ الحدث يقع بنحو غير متوقع، ويكون ذا بنية مركبة محيرة، يمكن أن يركبه أي كان ويجد فيه ما يناسبه، وهو في الآن ذاته يعانده.
  • إلقاء اللائمة في الفساد على سلوكيات المواطنين في البيت والوظيفة والمجتمع، معززًا بمقارنة مبتسرة مع وضع المواطن الأوروبي، كأن الأخير ملائكي بالطبع والجوهر وليس حصيلة سياقات اجتماعية وإكراهات نظام دولة وإشباعات مطلبية مطمئِنة.
  • التركيز على منحى السلمية في غمز خفي إلى أحقية السلطة في عنفها، فيما لو حدث عنف من قبل المحتجين، دون النظر إلى استفزازات رجالات الأمن أو الكيفية السلمية التي ينبغي لهم من خلالها أن يحتووها.
  • قطع النظر عن أسباب الاحتجاج أساسًا، وعدم إعطاء أهمية لمرض السلطة الأبدي في المطاولة مع المحتجين والتعامي عن استيفاء مطلبياتهم الضرورية، ليكون التركيز فقط على ضرورة سلمية أبدية للجمهور وعنفية أبدية للسلطة.
  • حالة اللا أبالية أو الهامشية في التعامل مع الاحتجاجات، فتجد الكثير منهم يشكو تعكر مزاجه من الاهتمام المبالغ به لدى الناس، أو تجده ينعق برومانسياته الأدبية صراحة، أو يتعامل مع ما يحدث من المآسي مثل تعامله مع أي حادثة أخرى، أو يعطي أهمية لقضايا كان عليه -بأقل الإيمان- تأجيلها، وهو أمر يتشاكل به مع سلوكيات الحكومة بالضبط.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ديمقراطية "الرعاة" في العراق!

هل يمكن بناء دولة في ظل ذاكرة تكره الديمقراطية؟