ثلاثة أوقات للقتل

ثلاثة أوقات للقتل

جمال بنجويني/ كردستان العراق

الغبش

زُرقة في السماء، زُرقة كثيفة تلتصق بالحائط، زُرقة تحت عيني الكون، كأنه تلقى ركلة أخيرة من حصان سيموت. الحُلم يختلط عندك، لكنك واقف عند نافذة المطبخ. الستائر مخمل أبيض. هواء بارد يلفعُ وجهك. صنبور الماء يقطرُ، تنظر إلى الشارع الترابي الممتد، ثمة جناح طائر يخفق، أوراق النبتة أمامك تتموج، السكون لا يتبدد، كأن اللحظة متجمدة، كأن عينيك مسمّرتان الى الأبد.

صوت الشاعر الذي خلفك متلعثم. أمه مستيقظة. الرجال يأتون من أمام سور المنزل. إنهم مثل برابرة متخيلين، صوت أنفاسهم مثقل مثل خوار ثور، ما زلت مشوشًا مثل تلفاز انقطع عنه البث. يغدو بيدك سلاح، مسدس أسود، يبدو ثقيلًا بين يديك، ملمسه ناعم وبارد، بارد مثل دم قتيل قديم، خطوط لا مرئية تظهر أمام عينيك، خطوط تظهر بلون أزرق، تهبط من أعلى عينك. يبدو مشهد من أحد الأفلام التي كنت قد شاهدتها، تضغط على زناد المسدس الأسود، تضغط ببطْء، كأن اللحظة تستمر في تكرار نفسها، يتكرر المشهد، يتكرر تلعثمك وأنت تضغط ببطء، تصوب رصاصتك إلى هدف متخيل، تقطع هذا السكون القاتل، بدوي رصاصة تشطر الزرقة، ما زالت اللحظة تُعيد نفسها، ثم لا شيء، سواد وانقطاع المشهد.

 

ما بعد الظهيرة

الطريق طويل، إسفلت رمادي اللون، أعمدة إنارة بلا مصابيح، غربان سوداء فوق حقل أصفر، أنت تجلسُ في سيارة قديمة، صوت المحرك يؤكد سكون الكون، صمت بين جميع الراكبين، لكنك تتذكر بأنك كنت وحيدًا، كأن السيارة تمشي تلقاء نفسها، الشمس صفراء ودائرية بشكل هندسي يبدو واضحًا، أشعة الشمس مسلطة عليك، تتذكر عندما دخلت عيادة الطبيب، عندما سلط عليك أشعة حارقة، المشهد مشابه، لكن ثمة سكون يتعلق بحنجرتك، شمس تحرق وجنتيك، لكنك لا تتعرق، كأنك قطعة خشب متيبسة، دقائق لزجة، تنزلق تحت إطارات السيارة البيضاء، تنظر الى الخطوط البيضاء على جانب الطريق، تظهر وتختفي، تظهر وتختفي.. تكرار يعيد نفسه، أنت في حلم متقن، إخراج جيد، ما زلت عالقًا، ما زلت مهددًا بشيء خفي، تنزل من السيارة البيضاء، تنظر اليها، سلاح بيديك، ثمة قتلة في غرفة على جانب الطريق، تطلق الرصاص، كأن مطر يهبط من رشاشك، دخان بارود أبيض، والصوت، الصوت يخترق أذنيك، مثل طائرة حربية، قطرات دم على جبينك.

 

المساء

منذ أن بدأت الحرب وأنت لم تشاهد النجوم، لم تتكلف عناء النظر إلى السماء في الليل، توقن كم كنت مخطئًا، وكم نجمة قد ضاعت في هذا الكون، وأنت تبقى مكتفيًا بالنظر إلى دخان سيجارتك في الليل. الفضاء خلفية مسرحنا، الليل يخترق الجلد، تشعر بأنه تحت جلد، يلامس دمك الحار المشبع بالنيكوتين، تنظر إلى النبتات، خضرة تختلط مع الليل، عواء، نباح كلب، ثمة ريشة بيضاء أسفل الشارع، ريش من جناح لا يبدو لمخلوق قد رأيته، يبدو أن ملاكًا قد هبط من السماء قد أضاع الطريق الى الجنة، رصاصة يمكنك أن تحظى بملاك أو طائر، ما زلت تحلم، وسادتك رطبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أحاديث في الجمال وما ورائياته

علّة في الصمت

:دلالات