ثورة في ورقة الامتحان

ثورة في ورقة الامتحان

الشعب الذي هو مصدر السلطات عاد إلى وظيفته الأساسية

لم يكن الحراك الطلابي حديث عهد في مساعي التغيير، فقد كان له مساهمات في ثورات غيّرت التاريخ في العراق، ولعل أبرز المساهمات الفاعلة للحركة الطلابية كانت في عشرينيات القرن الماضي، إذ بدأت مع افتتاح المدارس في العراق.

ساهم الطلبة في ثورات غيرت تاريخ العراق منذ عشرينيات القرن الماضي 

ففي عام 1926 أضرب طلاب الإعدادية المركزية في بغداد، واستمرت الاحتجاجات ودعوات الإضراب، مرورًا بالعام 1928 وبداية الثلاثينيات وصولًا إلى عام 1948، الذي شهد تأسيس أول تنظيم طلابي يمثل عموم طلبة البلاد، بعدها جاءت انتفاضة تشرين في العام 1952، التي فجرت شرارتَها كلية الصيدلة في بغداد، وبعدها الاحتجاجات في عام 1956، ومن ثم الإضراب الطلابي في 1960 في مدينة الكوت، بعدها استمر الحراك بمشاركاته السياسية حتى مجيء البعث والتضييق على عمل التنظيم مما اضطره إلى تشديد عمله من كردستان العراق بسبب قمع السلطة حتى سقوط النظام عام 2003.

وبقي الحراك الطلابي بعدها أسيرًا لنزاعات السلطات حتى جاءت ثورة 25 تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، والتي أعادت بريق التحرر من السلطة، وأعادت للطلاب هيبتهم، واسمهم اللامع، في تغيير الحكومات الفاسدة، خاصة في الجامعات والكليات.

اقرأ/ي أيضًا: أيّها الشعبويون.. عمتم مساءً!

أما بالنسبة للمدارس فثورة تشرين علّمت الصغار قبل الكبار أن الوطن هو مطلب الجميع، فأثناء عملي كمدرّسة للغة العربية في إحدى المدارس، وأثناء امتحانات نصف السنة للعام 2019-2020، ظهر أثر ثورة تشرين جليًّا في كتابات الطلاب في درس التعبير والإنشاء، ففي نموذج لورقة امتحانية، تقول إحدى الطالبات اللائي شاركن في التظاهرات: "العراق بلد الشجاعة والغيرة، يجب أن نعيش في ظله يدًا واحدة ضد الظلم والفساد"، وختمت تعبيرها بجملة "أبناء ثنوة لا نموت".

وتقول أخرى: "خرج الشعب رجالاً ونساء وأطفالاً، رافعين شعار (أريد وطن) تاركين بيوتهم وعائلاتهم خارجين ضد سلطة الأحزاب".

ظهر أثر ثورة تشرين على نفوس أبناء الجيل الجديد عبر سطور خطها الطلاب في أوراق الامتحان

أما الأخرى التي حصلت على درجة كاملة كغيرها تقديرًا لها لجرأتها وموقفها الواضح في حب الوطن تقول: "خرج العراقيون منذ تشرين الأول ليطالبوا بوطن حر لا تحكمه الأحزاب الفاسدة، والمطالبة بحقوقهم متحمّلين الحر والبرد في الساحات، واتخذوا من المطعم التركي مكانًا لحماية المتظاهرين من القناصين واستخدام الأحزاب كل أنواع القتل والترويع والخطف!".

هذا الجيل الذي أغلبه من مواليد العقد الأول من القرن الحالي، وُلد في ظل الحرب الأمريكية على العراق، وعاش في كنف حكومات توالت بفسادها، حتى وصل إلى مرحلة الوعي السياسي، ورفض حكومات المحاصصة الطائفية والأحزاب الموالية لغير العراق.

تقول إحدى الطالبات في  بداية حديثها: "لقد كنت متأملة بمجيء هذا اليوم الذي ستقرع فيه طبول الحرية وترن أجراس الفرح، كنت متأملة بوعي شباب العراق وقوتهم، عجبي على قوتهم!".

وتضيف قائلة: "كيف لأحدهم أن يقف أمام الرصاص والغازات السامة وهو يصرخ (أريد وطنًا) وعيناه تملؤها دموع طال كتمانها لأعوام، أجزم أننا لو جبنا الأزمان جميعها بحثًا عن الشجاعة لن نجدها إلا في تلك البقعة التي تدعى عراق".

هذا الوعي الذي نلمسه في عقول الصغار يعطينا الأمل في تحقيق التغيير المنشود وإن كان متأخرًا، ووفاءً لدماء الشهداء الذين سقطوا منذ بداية الثورة؛ سيستمر الحراك الطلابي في دعمه وتضامنه مع مطالب المتظاهرين في ساحات التظاهر حتى تحقيق التغيير.

وكتبت إحدى الطالبات،: "عاش العراق حقبة من الأزمات والحكومات الفاسدة، ضاع بسببها العراق وشعبه فخرج الكثير من المنتفضين مطالبين بحقوقهم وعُرِّضوا إلى الاعتقال والقتل والخطف ومنهم من ما زال إلى الآن مختفيًا ولكننا لن نتراجع بعد كل هذا الذي عُرِّضنا له حتى نتخلص من الفاسدين والقتلة، سيظل العراق بلد يحكمه أبناؤه لا طرفًا أجنبيًا".

باتت مسارات التصحيح مدعومة من النخب مرورًا بالطلبة إلى المواطن البسيط

بهذه الروح العظيمة التي تخالج روحية الطالب العراقي، لا يمكن لنا أن نخشى أبدًا على مستقبلنا، إذ باتت مسارات التصحيح مدعومة من النخب مرورًا بالطلبة إلى المواطن البسيط، وبذلك فإن الشعب الذي هو مصدر السلطات عاد إلى وظيفته الأساسية، مستفيقًا من سبات طويل امتد لأكثر من عقد ونصف في عراق ما بعد عام ألفين وثلاثة، ليوقظ شعورًا وطنيًا طال انتظاره، ويصعب تجاهله في أي مرحلة مقبلة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في انتظار السياسة

عصر الجماهير: لا جديد تحت نصب الحرية