"جماعة العطواني".. بيتيون وإن لم ينتموا!

صنعت الظروف المعقدة والمتغيرة في العراق ظاهرة مثل ظاهرة العطواني (فيسبوك)

بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد مأساة (بيرل هاربر) التي تسببت بتفكيك نسيج المجتمع الأمريكي، مجتمع القطب الواحد، والذي يرى أن الرجل الأبيض هو محور الكون ورجل الله المختار، ويقصي كل ماعداه، المجتمع الذي كان يفتقد للتعددية الثقافية، برزت فيه ظاهرة اجتماعية أدبية هي ظاهرة جيل البيت، والتي يعبر عنها المثل: "أن تكون جذابًا يعني أن تجد بديلًا عن ماهو سائد وعام". 

عسكرت فتوى الجهاد الكفائي المجتمع العراقي، وصل الحال إلى الأطفال بالشوارع وهم يرتدون الزي العسكري، بل حتى قماط الطفل أصبح عسكريًا حينها

جاءت حركة "جيل البيت" رفضًا لكل القيم السائدة في أمريكا، متمردة على كل أنماط الحياة ونزلت إلى العالم السفلي، عالم المخدرات والجنس والمثلية ورفض المادية والرأسمالية وأعادت الاعتبار إلى الهامش. 
مؤسسو هذه الظاهرة، وهم كل من جاك كيرواك، ألن غينسبيرغ وبورزو. هم أصدقاء تعرفوا على بعضهم خلال تسكعهم في الحانات، لكن تأسيسهم لهذه الحركة لم خططوا له، ولم يكتبوا بيانًا أعلنوا فيه عن هذه الحركة، ولم يضعوا ضوابط وقوانين للانتماء. ببساطة كانت حركة عفوية ثائرة ومتمردة على النسق، مؤمنة بالحياة بكل مباهجها، وهذا لن يحصل إلا بكسر التابوهات. 
بعد الحرب

بعد سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 ومن ثم سقوط ست محافظات بعدها، وكانت بغداد قاب قوسين من السقوط أيضًا، خرجت فتوى دينية تحث الشعب العراقي على حمل السلاح والدفاع عن أراضيه. لم يقصر الشعب حينها، خرج بكل فئاته إلى الشوارع حاملًا السلاح بكل أنواعه، حيث عسكرت تلك الفتوى المجتمع العراقي، وصل الحال إلى الأطفال بالشوارع وهم يرتدون الزي العسكري، بل حتى قماط الطفل أصبح عسكريًا حينها (مرقط) ، وحفلات تخرج طلبة الجامعات عبارة عن حفلات تنكر عسكرية، والماكنة الإعلامية للسلطة تبث الأناشيد الحماسية والاندفاعية تحث الشباب إلى الالتحاق بالعسكر . كانت تسوق فكرة الالتحاق على أنها مهمة وطنية، وبنفس الوقت تغض البصر عن فشل الحكومة في حماية الناس، والتي تسبب فسادها بخراب المدن الكبرى مثل مدينة الموصل، وكأنهم كانوا يريدون من الشعب أن يدفع ضريبة حماقات السلطة. 

اقرأ/ي أيضًا: ظاهرة "العطواني" تثير شبهات "المثلية" في مدينة الصدر.. من هؤلاء وأين العروس؟

استمرت تلك الحرب ثلاث سنوات، استشهد فيها مئات الآلاف من الشباب الذين تركوا خلفهم العوائل والأطفال والأمهات المفجوعات. فيما فكّكت مثلما تفعل الحروب نسيج المجتمع العراقي أكثر من إرثه المفكك بالأصل، فصار الموظف يساوم زوجة الشهيد بجسدها مقابل إكمال معاملة راتبها، كذلك الأم، وصار السياسي يستغل الشهداء لتصدير وترويج نفسه لحصد أصوات الناس البسطاء في أيام الانتخابات... كل هذا أدى إلى صعود الجيل الجديد الذي نشاهده بمختلف تفاصيل الحياة العراقية، وأغلبه من المراهقين الذين لم يكترثوا للخطاب السائد، كما أنهم متمردون على نمط الحياة في العراق، ووجدوا حياة بديلة، خاصة في المدن والأحياء الفقيرة في مراكز المدن مثل مدينة (الثورة) والذين يطلق عليهم "العطوانيين" نسبة إلى مصورهم العطواني. 

إنه جيل ثائر ومتمرد على كل شيء، من السياسة إلى الدين إلى التقاليد العامة، يختلف في الأزياء وفي تسريحات الشعر، بالإضافة إلى أنه كسر إيقاع الجو العام، حيث تشاهد أهم ما يميز حفلاتهم الصاخبة هو السرعة والحركة. جيل كسر التابوهات وهز المعايير الاجتماعية والدينية والقانونية التي وضعتها السلطة، وأقول سلطة من دون تخصيص، وتشمل السلطة الدينية (الحرام) والاجتماعية الأخلاقية (العيب) وكذلك سلطة الحكومة.

هؤلاء الشباب الذين اخترقوا كل الخطوط، تتطابق رؤيتهم للحياة تمامًا مع رؤية "جيل البيت"، لكن الفارق؛ أن هؤلاء المتمردين لم يخرج منهم شاعرًا أو كاتبًا على العكس تمامًا من "جيل البيت" الأمريكي، إذ أن الذين أسسوا لهذه الظاهرة هم شعراء وكتاب كانوا بارزين آنذاك. 

الفرق الآخر أيضًا أن هؤلاء الشباب المراهقين المتمردين لم يستوعبهم الإعلام، وحتى الآن تشن حولهم حملات تشويه وتنمر غير اعتيادية، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، كذلك لم يتبنَ الفن رؤيتهم حول الحياة، كما فعلت هوليوود مع (جيل البيت) عندما عملت أفلامًا تصل بالعشرات رسخت وجود هذا الجيل في المجتمع الغربي، ولم يلتحق بهؤلاء الشباب الذين يطلق عليهم "العطوانيين"، أو "جماعة العطواني"، شاعرًا أو كاتبًا أو ناشطًا يضيف إلى تلك الحركة الشبابية شرعية، ويخترق كل الحجب ويؤسس لحركة اجتماعية ثقافية راسخة تأتي كرد فعل على الأوضاع السائدة المتردية في البلاد، وتنظم لتكون معارضة ومؤسسة لأشكال جديدة من الأنماط السياسية والاجتماعية المختلفة، عكس الأنماط التي تفرض من السلطة بمختلف عناوينها، لكن يبقى هؤلاء الشباب هم انعكاس لظروفنا، ونستطيع أن نطلق عليهم، أنهم "بيتيون وأن لم ينتموا"، الأمر الذي ينبغي أن يفهمه أصحاب الشأن في العراق، حيث ذهب الوقت الذي يقتصر فيه خيار الشاب على الجماعة بعنوانها العشائري أو الطائفي أو الديني. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أيها الشاب العراقي.. لا تكن إيجابيًا!

نشطاء الاحتجاجات المغيبون قسرًا.. لا خبر جاء ولا وحي نزل!