حوار | أنمار رحمة الله: الجوائز الأدبية تُعطى حسب الولاء الطائفي والمناطقي!

حوار | أنمار رحمة الله: الجوائز الأدبية تُعطى حسب الولاء الطائفي والمناطقي!

القاص أنمار رحمة الله (ألترا عراق)

افتتح أنمار رحمة الله رحلته في الكتابة  القصصية بمجموعة "عودة الكومينداتور" صدرت سنة 2012 عن دار تموز، ليتبعها بمجموعة ثانية عن دار سطور العراقية سنة 2016 حملت عنوان "واسألهم عن القرية"  المجموعة التي نالت استحسان كبار كتاب القصة في العراق، حيث وصفها محمد خضير بأنها مجموعة قصصية "مكتملة في بنائها وشائقة بأخيلتها... تمتاز بالدهشة والجديد ما يقربها من أجود المجموعات القصصية العربية والعالمية"، وآخر ما صدر له مجموعة قصصية بعنوان "بائع القلق" سنة 2018 عن دار الرافدين العراقية.

وصف الأديب محمد خضير مجموعة القاص أنمار رحمة الله "واسألهم عن القرية" بأنها من "أجود المجموعات القصصية العربية والعالمية"

ومن المعروف أن أنمار رحمة الله له عوالمه الخاصّة فهو من هواة الأسلوب الغرائبي، كما يطلق عليه "أدب المدينة الفاسدة "ديستوبيا" أو عالم الواقع المرير" الذي يندر ما نجد كاتبًا في العراق يكتب في هذا الأسلوب الذي يعرفه "تزفتان تودوروف" في كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" بأنه "تردّد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق طبيعية"، وتكمن أهمية هذا النوع الأدبي بحسب "تودوروف" في الكشف عن المناطق المظلمة في اللاوعي الجمعي. فيما حاول "ألترا عراق" أن يكشف عن أبرز مناطق الكاتب العراقي أنمار رحمة الله وعوالمه ونظرته للأدب:

  • من بين كل الأساليب القصصية اخترت أسلوب الفانتازيا، ما السبب، وما الذي يميّز هذا الأسلوب عن غيره في الكتابة؟

تؤكد النظرية الثقافية الحديثة ضرورة الحاجة إلى وجود إحساس ما بالتغريب ونزع الألفة عن المألوف من أجل التمكن من تحمل ذلك الاختلاف الذي سيقوم بدوره ببناء شكل جديد من المجتمع ينتمي إلى ثقافة ما بعد الحداثة. هنا الاختلاف والتغريب مهمان ليس الاتفاق والتكرار والعود الأبدي إلى نموذج قديم مغلق قد تجاوزه الزمن، هكذا تكون درجة ما من التغريب والابتعاد أو الانسلاخ بعيدًا عن ثقافة المرء وتاريخه ضرورية من أجل أن يكون له موقف ما، أو موضع ما في عملية الاتصال الكونية الخاصة.

  • لديك اهتمام كبير بالموسيقى، ما طبيعة العلاقة بين الادب والموسيقى؟

اهتمامي بالموسيقى اهتمام قديم، جاء مسايرًا لعملية القراءة والكتابة عندي.

في الموسيقى أشعر بالإيقاع العادل الذي منح العالم التوازن، ذلك الإيقاع الذي عبر عنه "أفلاطون" أنه يورق العدالة في الإنسان كملكة. وللموسيقى فضل كبير عليّ، فأنا لم أكتب حرفًا في حياتي إلا بمساعدتها، وأنا أختار لكل قصة جوًا موسيقيًا يكون "باك جراوند" لثيمة القصة والأحداث الدائرة فيها.

  • كيف ترى مستقبل القصة القصيرة في العراق؟

القصة القصيرة تتطور حاليًا وهناك كتاب كثر في هذا المجال، بعد أن أخذت الرواية مساحة في التأليف والشهرة، ظل جمهور القصة - كتابًا وقراء- أوفياء لهذا الجنس المبني على العناصر الفنية والجمالية الخالصة. القصة ستظل وتتطور لأنها تواءم روح العصر، وباستطاعتها منح القارئ تلك اللحظات الاستثنائية عبر الصحف والمواقع الإلكترونية بيسر.

  • أشرفت على بعض الورش التي تعلم الكتابة القصصية، هل تعتقد إن ورش الكتابة تستطيع أن تخلق قاصًا؟

الورشة وحدها لا تخلق كاتبًا جيدًا، الكاتب الجيد يحمل بوادر نجاحه في شخصيته ومخياله ومثابرته. ولكن مثل هذه الورش بإمكانها تطوير أدوات الكاتب المبتدئ، من خلال الوقوف أكثر على الأشكال والعناصر والسمات الرئيسية والفرعية في كتابة الأجناس الأدبية.


القاص أنمار رحمة الله في ورشة لتعليم فن الكتابة القصصية

  • لك موقف سلبي من الجوائز الأدبية وغالبًا ما تتمنى أن يتم إقصاء القصة القصيرة عن فردوس الجوائز، ما السبب؟

بالطبع هناك فرق بين الشهرة "الانتشار"، وبين النجاح "التأصيل". لكل جهة عواملها وعناصرها ومعاييرها والمماحكات التي تواجهها. تظل الجوائز موجهًا قد يكون جيدًا في بعض الأحيان لتسليط الضوء على عمل ذي قيمة فنية رصينة. ولكنها في أغلب الأحيان تكون موجهًا سيئًا نحو الشهرة والانتشار وخدمة رأس المال التجاري. هناك مزيتان سلبيتان في الجائزة، الأولى أنها محكومة بتوجهات لجان التحكيم، والتي من خلال رؤيتها سيوجه الكاتب خطابه ورؤيته ووجهة نظره، وفقًا لدواعي وآراء ومشتهيات اللجنة. والمزية السيئة الثانية، هي تجاهل غير مقصود للنتاج الآخر الذي لم يفز بجائزة، فيظل مغمورًا على مستوى القرّاء والدراسات والندوات والنشر والانتشار. بعض الكتّاب صنعوا الجائزة ومنحوها قوة "ماركيز - يوساهمنجواي" وغيرهم. وبعض الكتّاب أخذوا من الجائزة وصنعت لهم شهرة في وقت لم يكونوا على مستوى عال من الانتشار. أنا مع إلغاء الجائزة وفكرتها. لأنها متحولة بتحولات السياسة والأهواء الاجتماعية والرأسمالية. الجوائز في منطقة الشرق الأوسط سابقًا كانت تُعطى حسب مقربة الكاتب من الديكتاتور، فمن يكتب وفق أهواء السلطة يُمنح ومن لا يكتب يُستبعد. الآن صارت تُعطى حسب الولاء الطائفي والمناطقي، أو حسب الرسائل ووجهات النظر السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: اقتصاد البرستيج: الجوائز في العالم العربي

في العالم الغربي الذي غادر هذه المنطقة "النظام الشمولي والمناطقية وصراع الطوائف والأديان"، صار يعطي الجائزة حسب التوجه الجنسي والدفاع عن الأقليات والصراع ما بين ما تبقى من الأنظمة الشمولية والأنظمة الغربية.. وقد قيل سابقًا "لا تثقوا بالجوائز"، بل وأكرّر أننا بتهافتنا هذا نسيء لسمعة هوثورن وإدغار آلان بو وجوجول وتورجينيف وكافكا وفريجينا وولف وجويس وتشيخوف وقائمة طويلة ممن وصل نتاجهم الأدبي الناجح في انتشار وشهرة خالصين. ولعل هذه القائمة لم تصل إلينا لو كانت في وقتها الجوائز مؤثرة على المستوى الانتشاري كما هو الحال الآن.

  • هل تتفق مع هذا التعريف للمثقف: "هو ذلك الشخص الذي يزعج السلطة"؟

لعلنا نظلم المضامين والمواقف وحتى الأشكال بالتعاريف. المثقف حالة متحررة ومتغيرة. وهذه العبارة جاءت سابقًا في وقت كان المثقف عضويًا حسب تنظيرات جرامشي، واحتدام التيارات السياسية في العالم، والتي كانت يرغب كل تيار بجعل المثقف في رعيله. الآن المثقف والثقافة أقلية مجهرية، قد لا تُرى بالعين المجردة قياسًا بتعدد الميديا والتواصل الحديث، وهذا الرأي "المثقف يزعج السلطة" أراه ينطبق اليوم على الإعلامي بشكل أكبر.. المثقف الآن لا يجيد سوى ترميم الخراب الداخلي والخارجي للإنسان، بغض النظر عن مدى هذا التأثير.

  • شاركت في الاحتجاجات التي شهدتها مدينة السماوة، كيف ترى مستقبل الحركة الاحتجاجية في العراق؟

لعل التظاهرة السياسية من أكثر أشكال الحرية المعهودة في العالم المتحضر، بعد ردح من الزمن في أوربا مرورًا بثورتها والانفجار الصناعي في بريطانيا، حتى صارت التظاهرة تعبيرًا عن الرأي مجموعًا بضغط من أجل تحقيق مطلب أو مطالب للمواطن، وكأحد أشكال المشاركة السياسية الجماعية، فإنه يتطلب تنظيمًا وتحديدًا للأولويات، وتلك من السمات المهم تواجدها في أي مجتمع. وإذا دققنا النظر في شكل التظاهرات التي حدثت في العراق، تظاهرات تموز/يوليو 2018 وما سبقها. نجد أن الفرد العراقي المتظاهر يحاول الانتماء إلى منطقة الرفض وقيمته والمطالبة بالحقوق المسلوبة، بغض النظر عن ماهية تحقيق المطالب وطرائقها، فهو في داخله ينتمي إلى هذه الروح العصية على الترويض والمداهنة، ولعل هذه الصفة من أكثر الصفات التي يتمتع بها العراقي الأصيل المنتمي إلى نطاق الوطنية الحقيقية لا الشعاراتية.

  • ثلاث مجموعات قصصية تنصح بقراءتها؟

 لا أنصح صراحة بالمجموعات كعناوين، ولكن انصح بتتبع وقراءة المؤلفين. فقد قرأت رأيًا قديمًا للكاتب القصصي الأرجنتيني "إنريك أندرسون إمبرت" أنه قال "يعجب الجمهور بالرواية وينسى الروائي، ولكن في القصة يعجب الجمهور بالقاص وينسى القصص". لهذا تجد من الصعب حفظ اسم قصة أو مجموعة قصصية لقاص عالمي أو عربي، وأنصح بالبحث عن المؤلفين القصصين فهم من سيوصلنا إلى نتاجهم القصصي المتفرق في الكتب والصحف.

  • أخيرًا؛ ما جديدك؟

مجموعة قصصية تحت عنوان "خياط الأرواح" وهي المجموعة الرابعة.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

البوكر.. دعوة إلى المراجعة

حوار| ميثم راضي: أحلم أن يُعلم الخيال في المدارس!