حوار شخصي مع النشيد الوطني

حوار شخصي مع النشيد الوطني

يردد المتظاهرون نشيد موطني مع البكاء في ساحات الاحتجاج (Getty)

موطني... موطني..

الجلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ

في رُباكْ... في رُباكْ

عام 2003، كنتُ أغني لك نشيدًا آخر، وكنتَ بينما تجلد ظهرك الـb52 والتورنيدو والـf16، جميلًا في عيني، حين امتد مرج مدينة اللطيفية على مدى عيني الطفل ذو السنوات العشر، وكنتَ سنيًا بهيًا حتى حين فجر الرتل الأمريكي مخزن الذخائر على طريق بغداد الجنوبي، وسبب لي صفيرًا صار يبلغ اليوم من العمر 16 عامًا.  

والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ

في هواك... في هواك

وأردت لك الحياة والنجاة، لكنك لم تنجُ ولم تمت، رأيت دمك يلطخ أحلام مراهقتي، يشوه قمصان الشباب البيض، ويحرق سنين ربيعي كمدخنة معطلة. ولم تهنأ، لكن رجائي بك عاش كنخلة تقاوم جنون الطقس وجفاف الأرض وخذلان الزارع، وبقي هواؤك وهواك يمر عبر نافذة خربة في قلبي، ويحرك كل غبار يركد على اسمك المحفور عميقًا هناك.

هل أراكْ... هل أراكْ..

سالمًا منعَّمًا وغانمًا مكرَّمًا؟

هل أراكْ... في علاكْ

تبلغ السِّماكْ؟... تبلغ السِّماكْ؟

موطني... موطني

وكنتُ بعد أن حفظت نشيدك الجديد، أسأل كما تساءل طوقان عن جرحه المجاور لجرحي: هل أراك سالمًا منعمًا؟ أسأل وشاشة التلفاز تتشح بالخبر العاجل الذي اختزل نفسه بما يكفي ليحمل 100 نعش أو أقل أكو أكثر في شريط أحمر صغير وقبيح. هل ستعلو مجددًا؟ وكانت بغداد تغطي وجهها بالبرقع خجلًا من تاريخها الناصع، ومدنك تتشح بسواد الفقد وهياكل الخراب، ونهراك يحملان على وجهيهما جثث المغدورين ودمك ودمنا.

 موطني.. موطني

الشبابُ لن يكلَّ همُّه أن تستقـلَّ أو يبيدْ

نستقي من الـردى ولن نكون للعدى

كالعبيد... كالعبيد

لكننا وحق حروف اسمك وحرائقك وخرائبك ومقابرك، وحق أمسك الباهر وحاضرك المسلوب، لم نكل يا موطني، ورويناك بالدم مرة أخرى لتستقل أو نبيد، سابقنا الموت وشربنا كأسه وبصقنا بوجه أعداءك وما ذُللنا أو تركناهم ليذلوك.

لا نريدْ... لا نريدْ.. ذلَّنا المؤبَّدا

وعيشَنا المنكَّدا لا نريدْ... بل نُعيدْ

مجدَنا التليدْ... مجدَنا التليدْ

موطني... موطني

ذي رايتك على جسور عروسك العباسية بكامل سحرها خفاقة، وذي حناجرنا تقطع لك عهد الفداء.

موطني.. موطني

الحسامُ واليَراعُ لا الكلامُ والنزاعُ

رمزُنا... رمزُنا..

ذي سواعدنا الخالية إلا من قبضة الثائر الذي يختنق الدخان بين أصابعه، وذي رؤوسنا مرفوعة بك وبثورتك، فلم نبق راية غير رايتك، ولم نتبع اسمًا غير اسمك.

مجدُنا وعهدُنا وواجبٌ من الوَفا

يهزّنا... يهزّنا

لأنك أنت وليس سواك، من يسقي البحر وتعطش أرضه، وأنت من يتعثر التائه فيك بأثر نبي أو تاريخ مملكة، وأنت من كلما ضاقت نردد: لدينا العراق.

عزُّنا... عزُّنا..

غايةٌ تُشرِّفُ ورايةٌ تُرفرفُ

لأنك الكنز الذي يغوي الغرباء، والدم الذي له أذن ولسان وذاكرة، والشاعر الذي كل شبر على أرضه حزن، وكل معنى فيه مُأول للوجع.

يا هَناكْ في عُلاكْ

قاهرًا عِداكْ... قاهرًا عِداكْ

موطني

والله سنقهر عداك.. فقط كن معنا أيها الوطن

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الشهيد القائد

بانتظار المسيح العراقي

:دلالات