10-نوفمبر-2021

لا توجد ضمانات أن العراق لن ينحدر إلى احتراب أهلي جديد (Getty)

يمكن لانتخابات العاشر من تشرين الأول/أكتوبر وتداعياتها الصاخبة غير المستقرّة على صورة واضحة بعد، أن تدفعنا خطوة إلى الأمام في مسار النمو السياسي في العراق، أو تقذف بنا إلى الخلف.

نسبة كبيرة من جمهور الناخبين قاطعوا الانتخابات الأخيرة لشعورهم أن أصواتهم غير مؤثرة وأن السلاح الميليشياوي سيفرض معادلته الخاصة

نعرف تمامًا أن نظام 2003 توافقي، ومن الصعب إجراء تعديل جذري في المعادلات التي تحكم هذا النظام، وأن علينا أن نقبل بتراكم التغييرات الصغيرة، بديلاً عن أي تغييرات كبيرة حاسمة. ولكن هذا يأتي، كما يفترض، مع الإقرار بأنه نظام سياسي ديمقراطي، يؤسس شرعيته على أصوات الناخبين، أما ضرب هذه الأصوات عرض الحائط والتأسيس على أعراف أو توازنات ليس لها علاقة بأصوات الناخبين فهو رجوع للخلف، وربما انغماس أكثر في وحل الماضي الذي ثار عليه العراقيون أكثر من مرّة، على الأقل من شباط 2011 وحتى انتفاضة تشرين 2019 المجيدة.

اقرأ/ي أيضًا: نظرة على المتغيّرات الانتخابية.. وماذا بعد؟

إن نسبة كبيرة من جمهور الناخبين قاطعوا الانتخابات الأخيرة، لشعورهم أن أصواتهم غير مؤثرة، وأن السلاح الميليشياوي سيفرض معادلته الخاصة في نهاية المطاف، وأن الانتخابات لن تخفّف من قبضة المليشيات أبدًا. والأخيرة يعزى لها جزءٌ كبير من الاستعصاء والاضطراب في الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في البلد.

هذا الجمهور يراقب الآن وينتظر التطورات في الأحداث ليرى صدق حدسه، وهل كان مصيبًا بالمقاطعة أم مخطئًا. فإن توجّهت بوصلة الأحداث إلى إنجاز تسوية بين الكتل الفائزة بالانتخابات وأصحاب السلاح، وتقاسم حصص السلطة والمال والنفوذ معهم، فسيكون هذا تصديقًا لحدس المقاطعين.

وعلى العكس إن جرى تحويل إرادة من صوّتوا في الانتخابات إلى سلطة سياسية فعلية فهذا سيجعل المقاطعين وغير المبالين أكثر حماسة للمشاركة في الدورات الانتخابية اللاحقة، ولعل أقربها انتخابات مجالس المحافظات التي يجري الحديث عن الإعداد لها في العام المقبل.

وما هو أهم؛ يستعيد الجميع شيئًا من الثقة بالنظام السياسي، وأن العمل داخل النظام السياسي هو السبيل الأقل كلفة للتغيير قياسًا بالنزول إلى الشارع والاحتجاج المدني. أو التفكير بمشاريع انتحارية مثل التهليل لفكرة الانقلاب العسكري، أو الوصول إلى اللا مبالاة الشاملة، وهي صفة تميّز المجتمعات المحكومة بالأنظمة الديكتاتورية.

إن السلاح في توازنات القوى في العراق اليوم هو ورقة ضغط سياسية بالغة التأثير، ولا يمكن أن نتوقع تخلي صاحب السلاح عن سلاحه هكذا بدون ثمن أو مقابل، وستكون الرحلة مؤلمة وشاقّة عند هؤلاء، ولا شكّ، حتى يصلوا إلى الإقرار بنتائج الانتخابات والقبول بمخرجات الإرادة الشعبية.

ولكن، لا يجب أن يكون الثمن هو شيء يعادل أصوات الناخبين، لأن المعروض هنا ليس مجرد تطمينات أو تسويات سياسية داخل الغرف المغلقة بين الزعامات السياسية، وإنما جدوى العملية الانتخابية برمّتها.

وبدل أن نعزّز ثقة الناس بالنظام السياسي وآلياته الديمقراطية سندفعهم إلى النفور منها أكثر، وستفشل كل الوسائل التقليدية لتحريض الناس على التصويت والمشاركة في الاقتراع.

أقول ذلك ليس لأن الكتل المعترضة على نتائج الانتخابات مسلّحة والفائزين بأعلى الأصوات ملائكة، فلو رأينا معادلة مقلوبة، وكانت الكتلة الصدرية هي من حصلت على مقاعد متدنية وكتلة الفتح هي الأعلى بالمقاعد، فلربما شاهدنا ذات المعادلة الحالية، التي يلجأ فيها الخاسر [أو من لم تكن حظوظه جيّدة وضمن المتوقّع] إلى استثمار قوّة سلاحه في ابتزاز الأطراف الأخرى.

العراق اليوم "على قلقٍ كأن الريح تحته" ولا توجد ضمانات أنه لن ينحدر إلى احتراب أهلي جديد، والماضي القريب شاهد على تحقّق أكثر الاحتمالات رعبًا وفزعًا، وحوادث مثل ما جرى في المقدادية أو استهداف منزل رئيس الوزراء العراقي بمسيّرات بهدف القتل أبرز دليل على ضعف الشعور بالمسؤولية بين نسبة من الفاعلين السياسيين.

العراق اليوم "على قلقٍ كأن الريح تحته" ولا توجد ضمانات أنه لن ينحدر إلى احتراب أهلي جديد

ولكن لماذا علينا، كما كان عليه الحال بعد انتخابات 2018، أن نكون بين خياري الحرب الأهلية أو التسويات السياسية التي تركل إرادة الناس؟ وهي إرادة غير محصورة بأصوات الناخبين فحسب، وإنما يكشفها طيف واسع من الفعاليات الشعبية، من حراك احتجاجي، وآراء صحفيين ومدونين على مواقع التواصل الاجتماعي، كلها تقول بوضوح ساطع؛ إن الناس تريد تغييرًا حقيقيًا وتريد احترامًا لإرادتهم وتطلعاتهم، تريد دولة مثل باقي بلدان العالم، ونظامًا فيه درجة معقولة من الاستقرار، لا ضاحية في الغرب الأوسط الأمريكي، كما في أفلام الكاوبوي، يكون فيها صاحب السلاح، هو صاحب السلطة الفعلية، ولا قيمة لأرواح البشر إلا باعتبارهم أهدافًا للرمي.

 

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هل يمكن المقارنة بين اغتيال رفيق الحريري واستهداف الكاظمي؟

شعار انتخابي ذوبته النتائج.. "قوى الدولة" تنطق بخطاب الفصائل المسلحة