28-فبراير-2020

تتحول العَلمانية في نظر المتدينين إلى مدرسة سلوكية (فيسبوك)

تتولد  التبريرات بدلًا من التحليلات فيتعذر اتخاذ موقف مجرّد - ريجيس دوبريه

في كل النزاعات التي حدثت في التاريخ الحديث والمعاصر، كانت التسويات السياسية تحدث في البرلمان في نهاية المطاف. ويعلم المتخاصمون قبل غيرهم تلك الحقيقة، باستثناء جماهيرهم؛ إذ تبدو عليهم النشوة والفرح وهم يدافعون عن قناعاتهم ومنظومتهم الفكرية بمعزل عن أي نتيجة سياسية ملموسة لصالحهم. وهذا ما نراه في مواقع التواصل الاجتماعي في لحظتنا الحاضرة، وبالخصوص مع الجماهير الدينية وخصومها، وبالأخص في موضوع العَلمانية بالذات.

تعاني بعض الجماعات الدينية حالة الإغماء هذه لتركيزها على مشاكل لا وجود لها في الواقع، من قبيل فساد "العَلمانيين" وإفسادهم

لا توجد في العراق معالم حركة ثقافية واضحة بشخوصها ونشاطاتها، باستثناء جماعات مُحلّقة بالسماء، يحلم البعض منهم بقلع الدين، وإقامة نظام ليبرالي عًلماني وسن قوانين تنصف المرأة، والهجوم شبه المستمر على الدين والمتدينين، ومحاولة حصر مشاكل العراق بالدين تحديدًا. معنى ذلك لو لم يكن دين في العراق لكان الأمر مختلفًا. ومشكلة هذه الجماعات، ليس لأنها تسقط آليات جامدة على الواقع، وليس لأنها حالمة بسبب كثرة الإحباط والضغوط والقهر الاجتماعي والسياسي الذي تعاني منه، بل مشكلتها أنها لا تقدر حجم إمكاناتها في بلد ذي أغلبية مذهبية. ولا تعني الديمقراطية لهذه الأغلبية شيئًا إلّا بالمقدار الذي يعزز هويتها المذهبية. والمشكلة الثانية أن هذه الجماعات تتجاهل كل الخسائر البشرية التي تكبدتها هذه الأغلبية وهي تدافع عن البلد. وبصرف النظر عن طبيعة هذه الخسائر وموقفك عنها، فأنت لا يمكنك أن تحسم الأمور بهذه الأحلام.

اقرأ/ي أيضًا: دائرة الجدل المغلق بين الإسلاميين وخصومهم (1ـ2)

 غير أن الجمهور المتدين هو الأكثر عبثية - لأنه يشكّل أغلبية - في توصيف الواقع وتقدير المواقف والرد على الخصوم؛ فلكي يهرب المرء من مشاكله الداخلية عليه أن يفتعل مشكلة مُتَخَيَّلَة، متوهمًا أن الأمور ستكون على ما يرام لمجّرد اللعب بهذه الطريقة. ومن وجهة نظري أنها حالة من حالات الإغماء! لأنّه يعلم إن الهروب بهذه الطريقة المخجلة يفاقم الحالة ولا يخفي أصل المشكلة. ولذلك أميل إلى وصفها بالإغماء، ذلك أن المغمى عليه لا يدرك هذياناته، وقد يخجل، حينما يستيقظ، عن حجم الهذيانات التي أطلقها وهو مٌغَيَّب عن وعيه.

تعاني بعض الجماعات الدينية حالة الإغماء هذه لتركيزها على مشاكل لا وجود لها في الواقع؛ من قبيل فساد "العَلمانيين" وإفسادهم، وبضربة ساحر تتحول مشكلة العراق إلى مجموعة من العَلمانيين "السفلة" الذين يعيثون في الأرض فسادًا. وعلى نحو مفاجئ أصبح السفور والإباحية ومعاقرة الخمرة مشكلة العراق الأولى، وتحولت الأغلبية الدينية في هذا البلد أقلية مغلوب عليها من قبل "العلمانيين". وفي الحقيقة يعلم المتدينون قبل غيرهم، أنه لا توجد نخبة عراقية مهتمة بالتنظير للعلمانية، وإنما توجد فئات اجتماعية، يتزايد عددها باطراد، تطالب ببناء مؤسسات مهنية وديمقراطية عابرة لكل أشكال الهيمنة الحزبية والطائفية. ما عدا ذلك هنالك مجاميع متذمّرة وغاضبة تقترب من ردود الأفعال وتبتعد من المواقف الفكرية.

ثمّ وبقدرة قادر تتحول العَلمانية، في نظر المتدينين، إلى مدرسة سلوكية، أي أن العلمانية ليست هوية دولة وإنما تحولت، بلمح البصر، إلى سلوك اجتماعي؛ من يعاقر الكحول، ويشجّع على العلاقات الجنسية، ولديه موقف من الإله والديانات، فهو عَلماني! إذن العلمانية، هي مدرسة قائمة على "الفجور" والإلحاد واللادينية والإباحية. فبهذه المقدمة يمكن القول: أنا عَلماني، إذن، أنا فاجر! وكل متدين وسياسي إسلامي فاسد يمثل نفسه، لأن الإسلام، لم يأمر الحاكم ولا المحكوم بالفساد، أي أنه حث على استقامة الراعي والرعية، وهذا صحيح بالطبع. لكن لا بد من رد الفساد إلى العَلمانية، لماذا؟ لا ندري حتى هذه اللحظة! المهم تبقى العَلمانية، عند بعض المتدينين، بؤرة لكل سلوك منحط.

بهذه الطريقة نكتشف، ربما، أن الفساد الذي قامت به الأحزاب الإسلامية - ومؤكد لم يأمرهم الدين بذلك - لا يساوي شيئًا مقارنة "بفجور" العَلمانيين، وزجاجات الكحول التي يتعاطونها، والعلاقات الجنسية التي يقيمونها. ينبغي أن نغض الطرف عن كل ما فعلته الأحزاب الإسلامية، لأنّه توجد مسلّمة ترددها كثيرًا الجماعات الإسلامية، وهي "إن هؤلاء لا يمثلون الإسلام"، وبهذه المسلّمة يمكن تسويغ هذه المظالم والمفاسد بحجة أنهم لا يمثلون الإسلام، ومقدمة تبريرية إضافية للبحث عن أشباح أسمها "العَلمانية والعَلمانيون". ومن يدري، ربما فساد الأحزاب أقل ضررًا بفساد العَلماني، لأنه يهدد قيمنا الراسخة، أما الأحزاب ففسادها اقتصادي، فما دام كذلك فهو غير مهم مقارنة بتهديد قيمنا!

 ما أعرفه من العَلمانية أنها مفهوم تاريخي قابل للتحديث والتطوير لأنه يخضع لسلطة التاريخ، وهذا الأخير ليس نصًا مقدسًا فوق النقد (النقد وليس المعارك الذهنية!) ولذلك نجد علمانيات مختلفة نسبيًا عن بعضها، غير أن النقطة الجامعة بينها هو أن الحاكم يرتكز على سلطة دنيوية وليست دينية، ولا ينسب أعماله وأقواله إلى سلطة الغيب.

بقدرة قادر تتحول العَلمانية في نظر المتدينين إلى مدرسة سلوكية، أي أن العلمانية ليست هوية دولة وإنما سلوك اجتماعي

 وإذا كانت الجماعات الإسلامية منزعجة من هذه الفكرة، فيمكنها تحريض جماهيرها على القبول بدولة مؤسسات دينية بعيدًا عن العلمانية وشرورها ومفاسدها وخطاياها. والمهم في ذلك كله أن يرسموا معالم تلك الدولة وكيفية تشييدها، وما هي الأسس التي سيعتمدون عليها: هل سيتم إلغاء الدستور والقوانين الوضعية والسلطة التشريعية واستبدالها بسلطة الفقهاء، أم تبقى ذات القوانين الوضعية التي تسيّر أمر الدولة؟. بكلمة أخرى: هل ستبقى ذات الهياكل الإدارية والقانونية ذات البعد العَلماني- الدنيوي، أم تستبدل بهياكل إدارية وقانونية مُستنبطة من القرآن والسنة؟

اقرأ/ي أيضًا: رحلة التقدم.. بين المقدس والعلماني

المشكلة ليست هنا، وإنما في مدى جدّية أنصار شيطنة العَلمانية، وهل حقًا أنهم بحثوا وتوصلوا إلى هذه النتيجة، أم أنه صراع آيديلوجي فارغ من كل معنى ويهرب من القضايا الجوهرية؟. المصيبة الكبيرة لا توجد أي جدّية على الإطلاق في رسم معالم الدولة، إذ لا زال شكل الدولة الغربية الحديثة هو المهيمن ولا بديل غيره مهما تذرعنا، ذلك إن سؤال الدولة لم يحسم بعد في منطقتنا. ما يحسم في هذه المنطقة المضطربة هو الخصومات والمعارك الذهنية فقط، التي لا نجد لها أثرًا ملموسًا على وجه الأرض. أمّا قضايانا الجوهرية فلها مفعول الرضّة النفسية التي تجعلنا في غيبوبة وهذيان إلى أجلٍ غير مسمّى.

لو كان لهذا الصراع حقيقة وواقع ملموس لشعرنا بالغبطة، ذلك أن الرأي العام العراقي، بهذه الحالة، بدأ يتلمّس معالم الطريق، وهي مناقشة شكل الدولة! بينما من يشاهد وضعنا، سيرى ويتلمّس - شرط أن لا يكون مغشيًا عليه ومصابًا بالهذيان - أنه لا توجد دولة في العراق، ولا أحد من أحزاب السلطة معنيًا بهذه المعاناة الجسيمة، أكثر من ذلك، لا توجد مياه صالحة للشرب، ولا خدمات صالحة للنوع البشري! نحن نعاني من مشاكل تم القضاء عليها قبل قرون في العالم المتقدم! العراق يئنّ ويصرخ من الفساد والطائفية وغياب الدولة، فأي عَلمانية تتكلمون عنها، ما هذه المسخرة؟!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

خصومات مزمنة ومعارك ذهنية

عن الهوية والاختلاف ومصيرنا المشترك