دستورنا المنتهك

دستورنا المنتهك

العملية السياسية في العراق أقيمت على مبدأ "خرق الدستور" (فيسبوك)

وأنا اقرأ الرسالة التي وجهها رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي إلى رئاستي الجمهورية والبرلمان، والتي نشرتها وسائل الإعلام، تذكرت الحوارات التي جرت بين عالم الاجتماع الإيراني إحسان نراقي وشاه إيران، قبل سنة من سقوط الشاه وهروبه خارج إيران، وجدت نفسي في مقارنة متعسفة بين الشاه وحكمنا اليوم، ليس حكم عادل عبد المهدي وحده بل السلطة منذ 2003، والتعسف يأتي من زوايا عديدة، أولها طبيعة نظام الحكم، وآخرها طبيعة الظروف واختلافها بين العهدين، وبين البلدين.

كانت خلاصة الأحاديث التي جرت بين شاه إيران وإحسان نراقي هي أن الشاه استهتر بالدستور، وبالتالي لم يعد هناك عقد مبرم بين السلطة والشعب

في ذروة الثورة الشعبية الإيرانية ضد نظام الشاه (1978- 1979) تحدث عالم الاجتماع والمسؤول في منظمة اليونسكو إحسان نراقي مع الشاه في قصر نيافاران خلال ثمان لقاءات، جرت بين 23  أيلول/سبتمبر 1978 و14 كانون الثاني/يناير 1979، قبل يومين من مغادرة  الشاه لإيران. كان على عالم الاجتماع في كل لقاء وخلال ساعات قليلة، وهي الفترة المسموح له بلقاء الشاه أن يتحدث عن خيبات شعبه، وعن الظلم الذي أحاق به والتفاوت المعيشي الهائل بين سواد الشعب ونخبته الحاكمة، وعن الانحراف الكبير الذي أصاب مؤسسات الدولة، وانسداد الأفق أمام شعب جاوز الثلاثين مليون، وهذا الحديث موجه للرجل المتهم بكل هذه المصائب، نراقي كان قاضيًا بلا سلطة، وهو محشور بين الجلاد وضحيته! محشور بين صدقه مع نفسه، وصدقه مع شعبه، وصدقه مع "ملكه". هذا ما كان عليه نراقي في تلك اللقاءات الثمان، لم يسبق للشاه أن التقى نراقي، لكنه يعرف أنه عالم لا يقول سوى الحقيقة، من هذه اللقاءات دعوني أنقل أول كلمة في أول حوار جرى بين الشاه ونراقي فيما يتعلق بالوضع السياسي، فهي تكاد تكون نفسها التي تدور في العراق اليوم، وانقلها لهذا السبب، أي كونها تكشف لنا ما يدور اليوم في عالم السلطة في العراق، قال الشاه لنراقي: أود سماع تحليلك للوضع السياسي الراهن في إيران؟ من أين يأتي هذا العصيان وهذا الاضطراب الآخذان في الانتشار؟ من هو المحرض عليهما؟ من يدير هذه المعارضة؟ من أطلق هذه الحركة الدينية؟

أجابه نراقي: أنت نفسك يا جلالة الملك

أجابه الشاه: لماذا أنا؟

شرح له نراقي الخروق التي يعتقد أن الشاه قام بها خلال فترة حكمه. وأنهى كلامه معه بهذا القول: أنت محاصر، من ورائك شخصية الإمام علي كنموذج للحاكم العادل، والذي هو فوق الشبهات، ومن أمامك الإمام الثاني عشر الذي يعتبر المؤمنون رجوعه وشيكًا. 

اقرأ/ي أيضًا: رياح الحرية والقيم الراسخة.. هل مياهنا راكدة؟

كانت خلاصة الأحاديث التي جرت بين الشاه ونراقي هي أن الشاه استهتر بالدستور، وبالتالي لم يعد هناك عقد مبرم بين السلطة والشعب، بين الحاكم والمحكوم، فالدستور هو المرجع الذي ترجع إليه السلطة، وهو الكلمة الفصل التي تنهي أي خلاف وتقوم أي عمل.

يقول المستقيل عادل عبد المهدي في رسالته التي بدأنا فيها مقالتنا: "قدمت استقالتي في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وها نحن نقترب من نهاية نيسان/أبريل 2020 ولم تشكل حكومة جديدة. كُلف الاخوان علاوي والزرفي ولم يوفقا، ومؤخرًا، كُلف الاخ الكاظمي الذي من المفترض أن يشكل حكومته قبل 9 أيار/مايو القادم. مما يكشف أما عن خروقات دستورية أو نواقص خطيرة في التطبيقات الدستورية والتقاليد السياسية، أو خلل مفاهيم وسلوكيات سائدة لدى القوى السياسية، أو تضادات مجتمعية تعرقل بعضها البعض الآخر، أو توازنات إقليمية ودولية ضاغطة، وعلى الأغلب جميع ذلك".

يؤشر عبد المهدي، وهو يكتب رسالته بلغة الصحفي وليس بلغة المسؤول المباشر، بأن خرق الدستور، وعدم احترامه، والتجاوز عليه هو السبب وراء تأخر تشكيل الحكومة، لكن هل هذا هو أول خرق؟ هل هو الأخير؟ ماذا بشأن دورك في رتق هذا الخرق؟ هل فعلت شيئًا؟ أم اكتفيت بالشكوى مما فعل الأصحاب؟

لماذا ابتدأت مقالتي بالإشارة إلى نراقي؟ ما أردته حقًا، هو أن خرق الدستور والتجاوز عليه لا ينهي فقط العلاقة بين الشعب والسلطة ويعمق الفجوة بينهما ويفقد الثقة بالسلطة، بل يمكن أن يقود تحت ظروف معينة إلى ثورة شعبية تجتث السلطة بشكل جذري، وهذا ما كاد أن يحصل في العراق منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، والذي نعيش تداعياته الآن، وهو الحراك نفسه الذي حدث على خلفية الأسباب التي شرحها عادل عبد المهدي في رسالته "خرق الدستور والتدخلات الخارجية".

إن العملية السياسية في العراق أقيمت على مبدأ "خرق الدستور"، هل نُذكر بالمدد الدستورية التي لم تحترم في تشكيل الحكومات؟ هل نذكر بالقوانين التي حدد لها الدستور مدد زمنية لإنجازها ولم يكتمل منها شيء؟ هل نذكر بقوانين المرحلة الانتقالية التي استمرت فوق مدتها الدستورية سنوات طوال؟

إن السمة البارزة لعمل السلطة في العراق بعد 2003 هي التنصل عن المسؤولية، وخرق الدستور، فالسيد عادل عبد المهدي في رسالته، لم يدن نفسه، أو حكومته، لم يتحدث عن الخروق القانونية، عن دماء الشباب المتظاهرين التي سالت في العراق منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019، لم يتحدث عن شروطه بالعمل، هل اشترط ان تعاد الهيبة والسمو للدستور؟ ما الذي فعله بهذا الصدد؟

السمة البارزة لعمل السلطة في العراق بعد 2003 هي التنصل عن المسؤولية، وخرق الدستور

 يعرف العراقي جيدًا، أن التجاوز على الدستور، والاستخفاف به كمرجع أخير وأعلى للسلطة بكل مفاصلها، هو الذي سمح للقوى الإقليمية والدولية بأن تجعل من قوتها ودورها أشد وأقوى من دور وقوة القوى السياسية في العراق، وإن لا سبب دفع بالبلد إلى هذا المنحدر الخطير غير خضوع الطبقة السياسية للضغوط والتدخلات الخارجية، وليس عادل عبد المهدي بريئًا مما فعل السابقون، فهو رجل أدار البلد في أحلك الظروف بطريقة هي الأكثر ضعفًا، وتدنيًا.

اقرأ/ي أيضًا: نضال التغيير ضد حماة "الأعراف المقدسة"

أنهي مقالتي بما ابتدأ به نراقي كتابه حيث قال نقلًا عن الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي "مكتوب على زرقة السماء بأحرف من ذهب على هذه البسيطة لا يبقى من الناس إلا مآثرها"، هل هناك من حكام العراق من لديه القدرة على جعل عمله مأثره؟

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كورونا العراق: أزمات الاقتصاد وحلول "حافة الهاوية"

كورونا العراق: دروس المواطنة والدين وحكم الكونكريت