دولة الدم المستباح ورحلة الحياة المقدسة

دولة الدم المستباح ورحلة الحياة المقدسة

أعاد إطلاق الرصاص الحي المشهد سريعًا إلى بداية انتفاضة تشرين (Getty)

لا يقطعُ صوتَ الحوار، التفاهم، الاختلاف، الاتفاق، إلا الرصاص. لا شيء يشوّه صورةَ كل مظهر أو فعالية سياسية، اجتماعية، ثقافية، إلا دمُ الإنسان المسفوك على أرض الإنسان.

سيسقط كل كل حوار أو مطالبة أو نقاش في إصلاح النظام ودعم الحكومة مع سقوط أول قطرة دم

حسنًا، هناك حزمة ملفات تخص فريق الكاظمي وأداءه وفاعليته، يُمكن البدء بمناقشة كل ملف على حدة. سبق وأن حددنا هنا خمسة ملفات تواجهها حكومة ما بعد عادل عبد المهدي، وهي الأمن والجائحة والاقتصاد ومطالب المتظاهرين والصراع الأمريكي الإيراني. وفي النيّة فتحُ النقاش الدائم حول كل ملف وفي كل فترة ومع كل مجموعة أحداث مهمة.

اقرأ/ي أيضًا: الكاظمي وتصفير العدّاد.. مقاربات وملفات واحتمالات

وقبل أن تثبطنا (أو ربما تَدفعنا) الاستجابة الضعيفة للحكومة اتجاه الملفات الخمسة كافة، وزيادة المخاطر والتحديات بدلًا من تذليلها، يأتي قمع المتظاهرين ليفسد كل نقاش ممكن.

لا تنفي أخبار القمع والقتل النقاش ذي المخرجات السلبية فحسب، بل أنها تُفسد ما قد يَصب في مصلحة الكاظمي شخصيًا. على سبيل المثال، السعي كقوى اجتماعية مع الموجودين في السلطة حاليًا لإجراء انتخابات تُعيد بعض الأوكسجين للعملية السياسية المختنقة، عبر تنظيمات شعبية مدفوعة بقيم انتفاضة تشرين تقتحم النظام من الداخل.

ثم الضغوط العديدة التي تتعرض لها الحكومة ورئيسها في ملفات عدة خاصةً فيما يتعلق بالإجراءات الاقتصادية التي بدأ بها (المنافذ الحدودية مثلًا) وخطوة "عملية الدورة" التي رغم بعض نتائجها السيئة إلا أنها من وجهة نظرنا خطوة جريئة وسبّاقة. وفي ذات الملف، التعرّضات الأمنية نحو السفارة الأمريكية والمعسكرات المشتركة التي تضم قوات أجنبية والأرتال التابعة للتحالف الدولي، وما شابهها مثل اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي.

وفي ملف قتل المحتجين نفسه، وبينما ينتظر المتظاهرون الكشف عن قتلة رفاقهم الشهداء ومحاسبة من أراق دماءهم؛ عادت آلة القتل تصوّب الرصاص الحي نحوهم، وهراوات المرضى تنهال على رؤوس الخريجين وحملة الشهادات العليا منهم، المطالبين بحق العيش الكريم بأدنى مستوياته.

سيسقط كل ذلك، كل حوار أو مطالبة أو نقاش في إصلاح النظام ودعم الحكومة مع سقوط أول قطرة دم.

ورغم حديث الكاظمي والناطق العسكري والمتحدث الرسمي باسمه، عن عدم وجود أوامر لإطلاق النار على المتظاهرين.. هل يصح التوقف عند ذلك كثيرًا؟

لا يُخفى على متابعٍ عن قرب حجم الفساد الأخلاقي ـ ناهيك عن أنواع الفساد الأخرى ـ في جهاز الدولة الأمني الذي ارتكب الانتهاكات تلو الانتهاكات في كل الفترات السابقة بدءًا من وزارة المالكي.

سنبقى ننشد وضع حجر الأساس لدولة تقدس حياة الناس، وقد دفعَ الشباب أرواحهم الغالية لأجلها في انتفاضة تشرين وقبلها

يَهمس مقربون من مراكز القرار وأعداءٌ لعبد المهدي أحيانًا، حول عدم إصداره أية أوامر بإطلاق الرصاص الحي عند الاشتباك مع المتظاهرين. رغم ذلك، سقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ويلوم الناس ـ وهو الحق، والطريق الأصح ـ رئيس الوزراء، الهرم الأعلى في السلطة، ويحملونه المسؤولية. لذا فأن حديث "لا أوامر بإطلاق النار" حُجة فاسدة لسببين: الأول لأن المتحدث هو رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة، والثاني ـ يخص الكاظمي ـ لأنه رئيس جهاز المخابرات لأربع سنوات. وهو على المستوى النظري، والنقاش الشعبي، المسؤول عن إراقة الدماء سواءً بأسلحة القوات الأمنية الرسمية، أو الطرف الثالث، أو الأشباح. هذا ما يجب أن يكون عليه رئيس أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وإلا فالترجّل عن القيادة أسلمُ.

اقرأ/ي أيضًا: "شرط الانتقال" المتعثر.. إنك لا تختار وزراءك مرتين

لقد أعاد إطلاق الرصاص الحي والأسلحة الرشاشة الخاصة بصيد الحيوانات، المشهد سريعًا إلى بداية انتفاضة تشرين بمرحلتيها. هنا القصة، في هذه الصورة، على بساطتها، تُلخص الموقف من أعلى. وليس بالأمر اليسير أن تعلن الحكومة اعتقال مرتكبي الجريمة؛ لكن التحقيق يُفترض أن يبلغ مدى أوسع لإضافة وسائل ردع مُحكمة، والعودة إلى أصل إدخال "سلاح الصجم" المستخدم ضد المتظاهرين منذ أشهر، كما يُفترض أن تُعالج المشكلة بدءًا من الهراوات وقنابل الغاز التي تُستخدم دون مناسبة أحيانًا.

لعل قائل يقول إن القمع ليس جديدًا، وإن القتل للحكومة عادة، ومظاهر البطش العسكري بالمدنيين روتينٌ عربي؛ لكن هذا بالذات ما نأمل تغييره هنا وفي دمشق والقاهرة وبقية الدول العربية.

لدينا مشكلة، وبالنسبة لي عقدة، أسميها "حرّمة الدم المستباحة"، عبر استسهال الحكومات المتعاقبة منذ النظام السابق وحتى الآن، الفتك بالمواطنين وقتلهم وتعذيبهم وقمعهم وإهانتهم. نعلمُ إن معركة حقوق الإنسان وكرامة المواطن طويلة، وقبلنا عانت شعوب العالم المتحضّر كثيرًا حتى وصلت إلى ما هي عليه في الدول الديمقراطية؛ لكننا سنبقى ننشد وضع حجر الأساس لدولة تقدس حياة الناس، وقد دفعَ الشباب أرواحهم الغالية لأجلها في انتفاضة تشرين وقبلها. وخلاف ذلك، لا خير في انتخابات مبكرة أو في موعدها، ولا في دستور ولا نظام فاسد من ألفه إلى يائه.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حادثة الطيران: ما الذي يدفع الضباط إلى قتل المتظاهرين دون أوامر عسكرية؟

محاولة لإجهاض أولى جولات محاسبة قتلة المتظاهرين.. واتهامات لمسؤولين كبار