دولة العشائر.. بين فقدان الشرعية واستثمار الهوية

دولة العشائر.. بين فقدان الشرعية واستثمار الهوية

تستخدم العشيرة كرأسمال معنوي من قبل أغلب الحكومات المتعاقبة في العراق (Getty)

رغم سعي الحكومة الملكية بعد تأسيس الدولة العراقية لإرساء دعائم "دولة حديثة" وجيش وطني، إلا أن المشكلة العشائرية لم تُحل تمامًا، وجاء قانون دعاوى العشائر الذي ساهم البريطانيون في ترسيخه ليُعامل العشائر كمجتمعات قائمة بذاتها منفصلة عن المجتمع العراقي المدني ما أعطاها صبغةَ كيانٍ منفرد بدل تذريرها.

 لم تغب المسألة العشائرية من تحركات نظام صدام حسين وعلاقاته، لكن على صعيد الدستور فقد قضى قانون 1981 على إنزال عقوبات مشددة بالسجن لمن يحتكم لغير القضاء في حسم النزاعات

حاولت حكومات ما بعد انقلاب 1958 تصدير خطاب المساواة بين المواطنين مدعومًا بخطوات عملية جدية، والعبور على التمايز الطائفي تارة برؤيةٍ يسارية وأخرى برؤيةٍ قومية؛ ولكن مسألة العشائر بقيت مادة دسمة للاستقطاب ما دامت لم ُتحسَم من قبل الدولة ولم تُنف مواطنيًا من المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا: يد القبيلة الخفية في العراق.. خزان السلطة الموازية

وللإنصاف، جرى ذلك الاستقطاب تحت الرماد. والباحث بحاجة للتنقيب الشاق لتحديد شكل الصراع العشائري الذي أخذ طابع الصراع على السلطة تحديدًا في ظل نظام حزب البعث. هذا مقارنة مع ما يجري الآن.

وصل رئيس النظام السابق صدام حسين إلى كرسي الحكم ودخل في حرب مع إيران استدعته لاستنهاض كل الطاقات الممكنة من أجل إدامة زخم الحرب؛ مع أن الخطاب القومي ضد "الفرس المجوس" كان الأكثر تسيدًا. مع ذلك لم تغب المسألة العشائرية والمناطقية من تحركات النظام وعلاقاته. أما على صعيد الدستور فقد قضى قانون 1981 على إنزال عقوبات بالسجن مشددة لمن يحتكم لغير القضاء في حسم النزاعات.

جاءت حقبة التسعينيات ومعها الفشل القومي والوطني. لم يعد الخطاب القومي ذا قيمة آيديولجية، لأن ما صدّره النظام من شعارات حول النصر على إيران، واعتبره نصرًا قوميًا لم يَدُم سوى سنتين، حتى جاء اقتحام الجيش العراقي للكويت، ثم انكساره أمام الحلف الدولي/العربي، ما سَبب فجوة كبيرة على صعيد خطاب التضامن القومي بالنسبة للعراق.

عقب انسحاب الجيش من الكويت جاءت انتفاضة آذار، أو ما يُعرف بـ"الانتفاضة الشعبانية" في الجنوب العراقي، والتي قمعها النظام بأٌقسى أساليب القمع، فضلًا عن تحركات الكرد في الشمال والدخول في اقتتال حقيقي مع الجيش العراقي بالإضافة إلى حادثة الأنفال الشهيرة في عام 1988. أدى ذلك إلى تضعضع النسيج الوطني واضطرار النظام لاستخدام المزيد من القمع في الجنوب، والتنازل في الشمال، لتثبيت سلطته.

فَقَد النظامُ أرضية الخطاب الوطني والقومي على دُفعَتين متتاليتين.

المُلاحِظ لتحركات النظام والتسجيلات المُصوّرة اقترابه أكثر من شيوخ العشائر، وتكثفت لقاءات صدام حسين  بالشيوخ، وسلح عددًا منهم بما كان يُعرف "مكرمات الرئيس"، وحيّا بعضهم على شاشة التلفزيون الوحيد في ذلك الوقت. بات الاعتماد على العشيرة أكثر، فضلًا عن الاستثمار الديني بما عُرف بـ"الحملة الإيمانية".

في التسعينيات لم يعد الخطاب القومي ذا قيمة آيديولجية، خاصة بعد اقتحام الجيش العراقي للكويت، ثم انكساره أمام الحلف الدولي/العربي، ما سَبب فجوة كبيرة على صعيد  التضامن القومي بالنسبة للعراق

رَفَعَ أحد الضباط (برتبة عميد) في الجيش العراقي السابق، كتاب ترفيعه للقيادات العليا؛ لكن الكتاب عاد إليه مؤشَّرًا بالحبر الأحمر تحت لقبه. فَهِم العميدُ القصة. إن ضابطًا من عشيرة العميد هرب من العراق بعد أن حاول صدام اغتياله، وبقى العميد على رتبته دون ترفيع بجريرة ذلك الضابط، والسبب: ينتميان لذات العشيرة.

اقرأ/ي أيضًا: سياسيو العراق.. اذا بَطُلتِ الطائفية حضرت العشيرة!

على الطرف الآخر، كان النظام السابق يُحاكم ويسجن ويعدم الكثير من أبناء عشيرة المعارضين خاصة من المنتمين للأحزاب الإسلامية. يُحاسَب أفراد العشيرة ويُطارَدون ويُطردون من وظائفهم ومقاعدهم الدراسية رغم عدم ثبوت تورطهم في أي نشاطٍ معارض. ولا يحتاج المرء لشواهد أكثر من الحاضر ليُثبت أن سلوك النظام لم يؤدِ إلى تفكّك العشائر بل تلاحمها أكثر لعدم وجود صيغة تضامنية غير العشيرة مع شدة الحصار على المذهبية السياسية.

ما نريد الوصول إليه أن النظام السابق ورغم خطابه القومي العابر للهويات الفرعية؛ إلا أنّه تعامل مع الهويات الفرعية تعاملًا حقيقيًا، ومنها العشائر التي هي موضوعنا في هذه السطور.

أصبح النظامُ عشيرةً من نوع آخر، وبات يُعرّف بـ"نظام التكارتة" ثم انحصر أكثر في "أهل العوجة"، مسقط رأس صدام حسين. كانت تلك هي التمثلات الأخيرة لفقدان الدولة لشرعيتها أسوة بالدول القطرية العربية التي لم تنجح في بناء المجتمع المدني.

بهذه الظروف اقتلع النظام في 2003، وخرج كل شيء للعلن، فُتح الباب لكل الجهات والهويات الفرعية لتعبر عن نفسها بأريحية مطلقة بغياب أي ضابط فوقي وطني أو قومي تمثله الدولة. ساد الخطاب العشائري بعد 2003 إثر انهيار مؤسسات الدولة التي رغم تهالكها كانت تُمثل الجهة الرادعة في بعض الحالات. أصبح اللجوء للعشيرة ضرورة حتمية وليس اختيارًا بالنسبة للمواطنين بسبب ضعف المؤسسة الأمنية فضلًا عن العوامل السابقة. وأصبح من لا ينتمي لعشيرة شرسة تأخذ بحقه في النزاع "يمشي بصف الحايط" كما يقول المثل العراقي، كما كان يمشي المواطنون من غير المنتمين للحكومة ولحزب البعث في زمن النظام السابق.

اقتلع نظام صدام حسين في 2003، وخرج كل شيء للعلن، فُتح الباب لكل الجهات والهويات الفرعية لتعبر عن نفسها بأريحية مطلقة بغياب أي ضابط فوقي وطني أو قومي تمثله الدولة

بَقيت النزاعات الداخلية تُحل عن طريق العشيرة، أما النزاعات الأهلية/السياسية، فكانت تأخذ منحى السلاح والاقتتال الطائفي. كان النظامُ سببًا بهذا النوع من النزاعات، قبل أن يكون مستثمرًا لها. ولد نظام مُجهض منذ البداية. نظام محاصصة طائفية يعتمد على توزيع مذهبي وإثني بالنسب والأرقام.

اقرأ/ي أيضًا: فزاعة العشيرة العراقية.. سيف المحاصصة المشهر

لقد ساهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بتعزيز المشكلة عبر تسليحه للعشائر (الشيعية) لأغراض انتخابية فضلًا عن استخدامهم في التحشيد الطائفي.

على الطرف الآخر، شارك المالكي في خطة الأمريكان لتسليح العشائر (السنية) لإنشاء قوات "الصحوة" لقتال تنظيم القاعدة. تم تسليح العشائر حرفيًا، لصنع نصر لبوش في واشنطن والمالكي في بغداد.

بلغ الخطاب الطائفي أوجه مسلحًا بالتنظيم العشائري، ثم وصلت، بعد سقوط الموصل، حكومة خففت من الخطاب الطائفي لظروف داخلية وخارجية، وأجواء إقليمية ساهمت ـ تدريجيًا ـ بالتهدئة الطائفية من ناحية الخطاب الديني والدعم المادي واللوجستي.

بعد تلاشي غبار الحرب التي حملت معها كافة الخطابات التعبوية الطائفية، طفى على السطح الصراع بين الطائفة الواحدة، ليأخذ منحى عشائريًا في بعض الحالات.

ظاهرة اللجوء للعشيرة في حل النزاعات الاجتماعية تفاقمت وتطورت لحل النزاعات الأهلية، والأهم: حضورها في نزاعات السياسيين. واستدعاء الدعم العشائري عند تعرّض السياسي أو المسؤول لمشكلة ما. ذلك على الجانب الشيعي.

بعد تلاشي غبار الحرب التي حملت معها كافة الخطابات التعبوية الطائفية، طفى على السطح الصراع بين الطائفة الواحدة، ليأخذ منحى عشائريًا في بعض الحالات

على الطرف السني أخذ الصراع يأخذ شكل "البيوت والعشائر والمناطق". بيت فلان يُسخّر كل إمكاناته المادية والإعلامية -بعضهم يمتلك قنوات- والسياسية لضرب منافس سياسي. وأخذ الصراع في بعض المناطق طابعًا مناطقيًا مُكمّلًا بالعشائرية والقبلية بين الأنبار وصلاح الدين ونينوى.

 لم تستطع الأنظمة المتعاقبة منذ عشرات السنين تطوير مفهومها الخاص لتكون التمثّل الأعلى المهيمن على الهويات الفرعية، لتصنع ذلك الكيان الذي يجمع التناقضات الاجتماعية ويختزلها فيه بالمعنى العملي. أقول لم تستطع أخذًا بالنتائج فحسب، دون خوض بالدوافع، التي ترتبط بنوع تلك الأنظمة ومهامها الوطنية وتَقبُلّها اجتماعيًا، ذلك يحتاج إلى صفحات أخرى.

بعد 2003، لم تأخذ المشكلات السياسية أي بُعدٍ سياسي لعدم النضوج السياسي!

إن الأحزاب القديمة بمختلف توجهاتها كانت على درجة من الوعي الآيديولوجي والتنظيم الحزبي، مع ذلك فشلت في التحديث؛ فكيف بأحزاب وشخصيات سياسية تفتقر للاكتمال والنضوج السياسي الذي يؤهلهم للانقسام؟ ـ إن غياب هذا النضوج في الذهنية (بالأعلى) مع غياب الأرضية الوطنية والقومية (في الأسفل) جعل الأحزاب السياسية بعد 2003 تنقسم على هويات فرعية لإدامة زخمها وتعزيز مصالحها بالمعنى الضيّق، والعشيرةُ فرصةٌ للاستثمار السياسي إلى جانب الطائفية. سَاعَد الأحزابَ في ذلك نوعُ النظام السياسي الذي أسسته الولايات المتحدة. وظنّي أن حالة الانقسام من طوائف إلى تخندقات داخل الطوائف ثم قبائل وعشائر ستستمر كالأميبيا في الانشطار طالما بقيَ هذا النظام على حاله.

حالة الانقسام من طوائف إلى تخندقات داخل الطوائف ثم قبائل وعشائر ستستمر كالأميبيا في الانشطار طالما بقيَ هذا النظام على حاله

 رغم اعتبار "الدگة العشائرية" من ضمن العمليات الإرهابية وفق مجلس القضاء الأعلى؛ إلا أن حالات التهديد العشائري مستمرة حتى بين السياسيين، والأمر يعود برأينا لسببين: أولهما، لهاث السياسيين وراء التجمعات العشائرية في الانتخابات للفوز بأصواتهم وتجنب "زعلهم" كما ذكرنا سابقًا. وثانيهما، إدراك بعض عناصر الأجهزة الأمنية أن مشكلاتهم في بعض الأحيان لن تُحل إلا باللجوء للعشائر، وأن العشيرةَ ذخرٌ لبعد حين. وربما حادثة الضابط الذي اعتقل معممًا في البصرة تُعزز ما نذهب إليه.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

العشائرية في الانتخابات العراقية.. الديمقراطية أثاثًا وضيافة

كيف تفتعل نزاعًا عشائريًا في ثلاث خطوات.. مرحبًا بك في "جحيم" البصرة!