رسالة مفتوحة لعبد المهدي: حقًا.. ألا تشعر بالعار؟

رسالة مفتوحة لعبد المهدي: حقًا.. ألا تشعر بالعار؟

عادل عبد المهدي (فيسبوك)

إن غضينا النظر عمّا حدث منذ تولي عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة، من فضائح فساد تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وبيع وشراء المناصب السيادية ناهيك عن ما دونها، وانتهاكات للسيادة في قصف مقار الحشد الشعبي، وتدخلات إقليمية سافرة في شؤون البلاد، وتحكّم حزبي في قرارات الدولة العليا والصغرى، وعمليات الاغتيال التي طالت ناشطين ومشاهير، وغير ذلك من الأحداث التي تستدعي أن يستحي المسؤول من نفسه.

كانت استقالة عبد المهدي ستؤتي أؤكلها، لو تمت بعد أول رصاصة قتلت متظاهرًا في اليوم الأول لانتفاضة تشرين

لنرمي كل ذلك على عاتق "التراكمات" والأسس الخاطئة لنشأة النظام، والوضع الدولي والإقليمي، ونطرح السؤال التالي: بماذا يشعر عبد المهدي منذ الأول من تشرين الأول وحتى اللحظة؟ بماذا يشعر رئيس أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، والقناصون يحصدون الشباب المتظاهرين الذين لم يحملوا سوى العلم العراقي وأعلامًا دينيةً "لا تستفز" السلطة بالضرورة؟

اقرأ/ي أيضًا: ثقافة الاستقالة في العراق.. من العهد الملكي حتى عبد المهدي

لو لم تكن الاحتجاجات بحد ذاتها دافعًا لاستقالة رئيس الوزراء، نفترض أن يكون الانفلات العسكري الرسمي وتفجير رؤوس الشباب السلمي بالرصاص الحي والقناص، سببًا موجِبًا لاستقالة الرئيس "احتجاجًا" على أداء مؤسساته الخاضعة للأحزاب والميليشيات، واعترافًا بفشله في السيطرة على "جهاز الدولة"، الذي يُحمّله عبد المهدي ـ في الأوساط الخاصة ـ مسؤولية قتل المتظاهرين.

نفترض، أن رئيسًا عاقلًا، يتحمّل المسؤولية، ويمتلك شيئًا من القيم الأخلاقية، كان ليستقيل حقنًا للدماء، في الوقت الذي كانت استقالته ستؤتي أؤكلها، لو تمت بعد أول رصاصة قتلت متظاهرًا في اليوم الأول للانتفاضة. وأثبتت حجته بعدم الاستقالة خوفًا من الفوضى "فسادها". لقد فُتِح النار على متظاهري الناصرية وخلّف عشرات الشهداء قبل يوم من استقالته، ثم ارتكبت مجزرة بعد أن فتح المسلحون نيرانهم لـ10 ساعات متواصلة في ساحة الخلاني، دون تدخل من الأجهزة الأمنية، ذلك عقب استقالته المتأخرة.

ليس للفوضى علاقة بوجودك في رئاسة الوزراء يا عبد المهدي. لستَ طرفًا في صراع الدولة واللا دولة الذي تحدثت عنه. لقد لوحق الناشطون وأغلقت وسائل إعلام واقتحمت مقارها وهُدد صحفيون وقُطعت خدمة الإنترنت، كل ذلك جرى أثناء البطش بالمتظاهرين، وأنت رئيس الوزراء الذي يحمي الدولة من اللا دولة.

 لكن الاستقالة العاجلة كانت لتُخفف من غضب العراقيين، وتُجنبنا المزيد من الدماء الطاهرة التي سفكها المجرمون وأنت على رأس السلطة. إنه العار الأول الذي يجب أن تشعر به.

ثم ماذا بعد انتهاء الموجة الأولى من التظاهرات مطلع تشرين الأول أيها "الرئيس"؟

خرجتَ ـ بضغط من المرجعية الدينية ـ بتقرير تحقيقي حول الجرائم الذي ارتكبت بحق المتظاهرين لا يستحق المطالعة. غضضت الطرف عن العديد من الجهات التي تخشاها، وأهنت المؤسسات الأمنية الرسمية، ثم كسرت الجيش بسحب السلاح منه، ولم تتوقف آلة القتل.

لم يكن قرار سحب السلاح من القوات الأمنية سببًا بانتهاء مشاهد الموت اليومية في ساحات الاعتصام، بل كان تمهيدًا لدخول فرق الإعدام في ساحة الخلاني والسنك

أصبحت عناصر مكافحة الشغب تطلق قنابل الغاز المسيلة للدموع "المسموح بها"، على الرؤوس، وتهشم رأس صفاء السراي واخوته، واستمر نزيف الشهداء لأنك لم تتجرأ لتقل للقاتل: كفى قتلًا وإجرامًا بالمتظاهرين.

اقرأ/ي أيضًا: إحاطة أممية مخضبة بدماء 20 ألف متظاهر.. العالم ينصت إلى صوت شبان العراق

لم يكن قرار سحب السلاح من القوات الأمنية سببًا بانتهاء مشاهد الموت اليومية في ساحات الاعتصام، بل كان تمهيدًا أتاح الفرصة للدخول الصريح والبقاء المريح لفرق الإعدام في ساحة الخلاني والسنك.

رغم ذلك. رغم سلمية المتظاهرين وعجزهم عن رد الرصاص وقنابل الغاز الموجهة نحو الرؤوس، هم واقفون، شامخون، شجعان، وطنيون، وأنت تجلس بين أقدام القتلة دون أن تَجرؤ حتى على إصدار بيان من بياناتك المُستَفِزة، التي كانت تُغذي زخم التظاهرات كل ما قلّ.

هل تذكر بيانك الذي قلت فيه "إن المتظاهرين يرفعون شعارات تهدد النظام العام والسلم الأهلي" في أول ليلة دامية ببغداد؟ هل تذكر منحتك المالية للعاطلين والفقراء ومستمسكاتهم التي رُميت في النفايات؟ حقًا .. ألا تشعر بالعار؟

ثم ماذا بعد ذلك؟

طالبتَ المتظاهرين أن يحددوا مناطق تظاهراتهم في الموجة الثانية للتظاهرات (25 تشرين الأول/أكتوبر)، وفتحوا لك ساحات وجسور وشوارع. خيمٌ بعد خيمٍ تُنصب في بغداد والمحافظات الجنوبية.

طالبتَ أبناء الجامعات والمدارس بأن يكفوا عن إضرابهم فزادوا إضرابًا وملأوا ساحات الاعتصام بقمصانهم البيضاء.

أصدرتَ أمرًا بفرض حظر للتجوال بعد الساعة الثانية عشر ليلًا في بغداد، فغصت شوارع العاصمة بالملايين، وطافت مركبات المواطنين في بغداد كسرًا لقرارك ودعمًا للمتظاهرين، ثم هددت من لا يلتزم بقرار الحظربالحبس، ولم يلتزم أحد، ثم قلصت ساعات الحظر التي لم يلتزم بها أحد حتى ألغيته!

دَعوتَ الصدر بأن يجتمع مع العامري لإيجاد بديل لك متجاهلًا أصحاب الدماء والثابتين في الأرض، فرد عليك بـ"ارحل"، وأهانك علنًا.

جئت بناطق عسكري باسمك أصبح نكتةً يتداولها الكبار والصغار تخفيفًا عن مرارة ما تفعلوه أنت ورفاقك. أصبح الناطق باسمك رمزًا للكذب والافتراء وتلفيق القصص والعنجهية الفارغة التي يُهدد بها "متظاهرين عُزّل".

فعلت كل ما لا خير فيه، حتى أن استقالتك لم تُفرح المتظاهرين ولم تكن خبرًا بالنسبة لهم. بماذا تشعر يا عبد المهدي؟

ثم ماذا بعد أن صرت "مصرف أعمال يومية"؟

صنع المتظاهرون حالةً وطنية ترفض التدخل الأمريكي والإيراني معًا. تُطالب بالسيادة، والوطن المحترم، والكرامة، والعدالة الاجتماعية

استمر قتل المتظاهرين. استمرت الاعتداءات والتهديدات واختطاف الناشطين. ويا ليتها بقيت عندك ذلك، فالمتظاهرون اعتادوا على الـ"لا دولة" التي تترأس جهازها التنفيذي، وغياب سلطة القانون. اعتادوا القتل والترهيب. تكيفوا مع التضحيات، وأصروا على مواقفهم ومطالبهم، صامدون في ساحاتهم.

اقرأ/ي أيضًا: دروس من ساحة التحرير

صنع المتظاهرون حالةً لم تستطع أنت وأقرانك حتى التجرؤ على البدء بها. حالةً وطنية ترفض التدخل الأمريكي والإيراني معًا. تُطالب بالسيادة، والوطن المحترم، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. تُطالب بحكومة وبرلمان غير خاضعين للسفراء والجنرالات.

أرادوا دولةً لا يَحدث فيها ما حدث أمام عينيك.

أمام عينيك، قُصفت قواعد عسكرية تضم جنودًا عراقيين إلى جنب الأمريكيين في المطار، وحذر الأمريكيون من الرد إذا أُعيدت الكرة. وأنت تتفرج.

قُصفت قاعدة أمريكية في كركوك وقُتل متعاقد أمريكي، وقد تعلم ماذا يعني ذلك بالنسبة لدولة مثل الولايات المتحدة تُقدس دماء مواطنيها، وأنت تتفرج.

رد الأمريكيون بقصف على مواقع للحشد الشعبي راح ضحيته عشرات الشهداء وأنت تتفرج. بل تتحدث بكل فجاجة عن إخبار الأمريكيين لك قبل الضربة.

اقتحم المشيعيون لهم المنطقة الخضراء وحاصروا السفارة الأمريكية وأحرقوا وكسّروا وأنت تتفرج. أقصى ما فعلت هو "تهديد" بترك المنصب شاغرًا ما لم ينسحب المعتصمون من أمام السفارة!

 إنك تُهدد من هم تحت أُمرتك قانونًا بالذهاب إلى ما بعد الاستقالة، والواضح أنك تُهدد بترك المنصب لرئيس الجمهورية الذي رفض مرشح المحاصِرين للسفارة.. ألا تستحي من هذا الدور يا "رئيس"؟

جاء رد ترامب المتعجرف بقتل سليماني والمهندس، دون إخبارك هذه المرة، فأنت لست ندًا ولا حليفًا ولا خصمًا ولا طرفًا. هكذا بكل بساطة قتلوا قائدًا في جهازك التنفيذي كونه يُرافق جنرالًا عسكريًا من دولة ثانية.

مرة أخرى، خرجت لتتحدث عن مهام سليماني "الدبلوماسية" في بغداد، استغفالًا واستصغارًا بعقول العالمين، ربما لتُعطي الغطاء الشرعي لوجوده، فهذا ما يَهمك أنت ورفاقك، أن لا تظهرون صغارًا أمام الإيرانيين بعين العالم، ليس عزةً بالنفس، بل لعدم إثبات تهمة "النفوذ" على الجارة، رغم أن أصغر طفل عراقي يعرف الحقيقة الناصعة.

رد الإيرانيون بصواريخ انطلقت من دولتهم إلى دولتك لتستهدف قوات دولةً أخرى موجودة بعلمك. ماذا فعلت؟

مرة أخرى، خرجت بكل وقاحة واستفزاز، مستمتعًا بدور "القزم" الذي يسخر منه الممثلون في المسرحيات، تتحدث عن اتصال إيراني يُخبرك بالقصف، واتصال أمريكي أثناء القصف، واتصالات مستمرة لمنع استمرار القصف. ولم يكن بيان كبير الكاذبين، المتحدث العسكري باسمك، أقل تفاهةً، حين تحدث عن توقيت الاتصالات وعلاقتهما بالضربة، ودعوات سيادتكما لضبط النفس وعدم التصعيد. تتحدث أنت والناطق باسمك كصحفيين وناشطين مدنيين في ذات الوقت. هو يُغطي الحدث بتوقيتاته، وأنت تُلقي تقريرًا حول ما جرى على حد علمك، وتدعوان للتهدئة!

أهنت نفسك وأهنت العراق والدولة والنظام والمنصب والشعب والمتظاهرين وحتى الدين والمذهب. ألا تشعر بالعار من ذلك كله؟

عبد المهدي هو الرمز الأكبر والأدق لهذا النظام، والمثال الحي لفشل الطبقة السياسية ومحاصصتها، وانهيار القيم والمبادئ الأخلاقية والوطنية لرجال السلطة

أيها الرئيس المخلوع، لقد بذلت كل ما بوسعي لخدمة وطني، في النشاط والعمل والكتابة والتظاهرات وفي كل مجالات الحياة. لم أُخُن هذا الوطن حتى بوظيفة تُساهم بإيذائه. مع ذلك، أشعر بالخزي مما جرى ويجري، أتلقى الإهانات على العراق كإهانات شخصية.

لو كنتَ أبي يا عبد المهدي لانتحرت، أو تبرأت منك علنًا. أخبِرني، كيف تنام الليل دون كحول أو مخدرات؟

اقرأ/ي أيضًا: هل أعادت انتفاضة تشرين النظر بالعقد السياسي؟

أيها الرئيس المخلوع، مع إنّي أخاطبك باسمك، لكن لا لشخصك، فإن ما جرى لك هو ما يُطلقون عليه "سوء العاقبة"، وحاشانا أن نتعمد إهانة كهل خرف مثلك، ولستَ بذلك الحجم الذي يُمكن مخاطبته كمسؤول عن كل ما حدث.

كل ما هنالك، إنني اختزلتُ النظامَ المُخزي، الأحزاب التابعة والفاسدة، مسؤولي الخراب، أمراء الحرب، فضلات الاحتلال الأمريكي، بشخصك المُحترم، كرمز للفشل.

حقًا، أنت الرمز الأكبر والأدق لهذا النظام، والمثال الحي الواضح، لفشل الطبقة السياسية ومحاصصتها، وانهيار القيم والمبادئ الأخلاقية والوطنية لرجال السلطة، وجُبن وخنوع قادة ما بعد الاحتلال، واستهتارهم بدماء الشعب، ومصالح الدولة، ومستقبل الأجيال، وسمعة الوطن. أنت ممثلهم حقًا.

وحقًا، ألا تشعر بالعار؟

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الصراع بين جيل الاستبداد وجيل الديمقراطية

انتفاضة العراق وتطلعات الجيل الجديد